استهل الرئيس الأميركي باراك أوباما يومه الثاني من ولايته، الخميس، ألابخوض أكثر الملفات تعقيداً والمتعلقة بالسياسة الخارجية لإدارته، لاسيما ما يخص ملف القضية الفلسطينية، ليعلن تعيين مبعوثين خاصين مخضرمين إلى منطقة الشرق الأوسط وأفغانستان وباكستان، هما السيناتور السابق جورج ميتشل، والسفير ريتشارد هولبروك، ويتعهد أيضا بولادة «عصر جديد لقيادة أميركا للعالم».
وبينما هو محاط بوزيرته للخارجية هيلاري كلينتون ونائبه ألاجو بايدن والمبعوثين الخاصين أمام حشد من موظفي الوزارة، أعلن الرئيس الأميركي تعيين جورج ميتشل (75 سنة)، الذي يوصف بمهندس السلام في أيرلندا الشمالية، مبعوثاً خاصاً الى الشرق الأوسط، و ريتشارد هولبروك، الذي ألاتوسط لاتفاق السلام بين القوى المتحاربة في البوسنة وتوصل إلى ما عرف باتفاق دايتون للسلام، ألامبعوثاً خاصاً الى أفغانستان وباكستان. قائلا: «لم يعد بإمكاننا السماح باستمرار هذا الانحراف.. كما لا يمكننا تحمّل أي تأخير أو التخلي عن ثقلنا لمن يسعى للدمار»، مؤكدا أمام الحشدألا«بين أيديكم عصر جديد للقيادة الأميركية».
وأضاف: ان «سياسة ادارتي هي العمل بفاعلية وجرأة من اجل سلام دائم بين اسرائيل والفلسطينيين وكذلك بين اسرائيل وجيرانها العرب». وتابع اوباما: ان ميتشل «سيتوجه الى المنطقة في اقرب وقت ممكن لمساعدة الاطراف الموجودة على ضمان ان يكون وقف اطلاق النار الذي تم التوصل اليه، دائما وقابلا للاستمرار». وشدد في الوقت نفسه على أن أميركا لن تكتفي بمعالجة التحديات الآنية لوقف النار، بل على ايجاد حل سلمي، وأن سياسة حكومته هي «السعي النشيط والقوي الى سلام دائم بين اسرائيل والفلسطينيين، وكذلك بين اسرائيل وجيرانها العرب».
ولكن، خلافا لوزيرة الخارجية السابقة كوندوليزا رايس، التي كانت تصر على الطابع «الثنائي» لمفاوضات السلام بين اسرائيل والفلسطينيين وترفض المشاركة في المحادثات، يبدو اوباما مصمما على اشراك الولايات المتحدة مباشرة في العملية، وقال: ان «التاريخ اثبت ان التزاما صارما ومتواصلا للولايات المتحدة يمكن ان يخفض الشقاق ويخلق القدرات التي تسمح بتحقيق تقدم». وعلى الرغم من ترحيب الأوساط السياسية في واشنطن بتعيين ميتشل، غير أن بعض الاصوات المتشددة في تأييدها لاسرائيل اعترضت على تعيينه بحجة انه «منصف، ولأنه متوازن جداً في مواقفه بين الفلسطييين واسرائيل».
وفي مقر وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن، جدد أوباما تأكيده على إنهاء الصراع بين إسرائيل وحركة المقاومة الإسلامية «حماس»، داعيا تل أبيب على فتح المعابر المؤدية إلى قطاع غزة، ومطالباً «حماس» بوقف إطلاق الصواريخ باتجاه جنوب إسرائيل. كذلك حث إسرائيل على السماح بمرور المعونات وغيرها من السلع إلى الأراضي الفلسطينية مؤكداً أن بلاده ستدعم الجهود الدولية الساعية إلى تقديم المساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار في غزة.
وقال أوباما: «قلوبنا مع المدنيين الفلسطينيين الذين بحاجة ألاللغذاء والمياه النظيفة والعناية الطبية الأساسية بشكل عاجل»، وأضاف الرئيس الأميركي الجديد الذي أدى اليمين الدستورية في يوم تاريخي طويل الثلاثاء، أنه يجب إعادة فتح المعابر عبر آلية «مراقبة مناسبة». لافتا إلى الصعوبات التي تواجهها المساعي السلمية في المنطقة، فقال: «العنف المأسوي في غزة وجنوب اسرائيل هو تذكير وقور بالتحديات الآنية والنكسات الحتمية التي سنواجهها... لكن ذلك يجب ان يخلق لدينا حساً بالحاح هذه التحديات، لأن التاريخ يبين أن الدور الأميركي القوي والثابت يمكن أن يجسر الهوات ويبني القدرة التي تدعم التقدم. واكد دعم حكومته لمؤتمر دولي للدول المانحة، موضحاً أن «هذه المساعدات يجب أن تقدم الى السلطة الفلسطينية التي يجب أن تشرف عليها».
هذا، وعلى الرغم من إظهاره تعاطفا واضحا مع الفلسطينيين، لم يبد أوباما أي تغيير جوهري عن سياسة إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش حيال الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. قائلا: «دعوني أكون واضحاً. أميركا ملتزمة أمن اسرائيل، وسندعم دوماً حق اسرائيل في الدفاع عن نفسها ضد الاخطار الحقيقية»، وأضاف: «منذ سنوات تطلق حماس آلاف الصواريخ على المواطنين الاسرائيليين الأبرياء.
ولا تستطيع أي ديمقراطية التسامح مع مثل هذا الخطر ضد شعبها، كما يجب ألا يقبل المجتمع الدولي بذلك، فضلاً عن أن الشعب الفلسطيني ذاته يجب ألا يقبل لأن مصالحه لا يمكن الا أن تتراجع الى الوراء بسبب أعمال الإرهاب هذه». كذلك، جدد أوباما التمسك بالشروط الأميركية وشروط الرباعية الدولية للتعامل مع حماس، وهي: «الاعتراف بحق اسرائيل في الوجود، ونبذ العنف، والتزام بالاتفاقيات السابقة». مشيرا إلى أن «الخطوط العريضة لوقف دائم لإطلاق النار تنطلق من وقف حماس لإطلاق الصواريخ، وأن تكمل إسرائيل انسحاب قواتها من غزة».
وفيما يخص الاتفاق الموقع بين وزيرة الخارجية السابقة كوندوليزا رايس ووزيرة الخارجية الاسرائيلية تسيبي ليفني حيال ذلك، قال أوباما إن أميركا ستعمل مع شركائها الآخرين على «دعم نظام فعال لاعتراض اعمال التهريب، بحيث لا تستطيع حماس إعادة تسليح نفسها». وأفاد أنه تحدث الأربعاء مع الرئيس المصري حسني مبارك وعبّر عن تقديره للدور المهم الذي اضطلعت به مصر في تحقيق وقف النار.
وفي الإطار ذاته، أكد أوباما على أنه «كما لا يمكن التسامح مع إرهاب الصواريخ الموجهة ضد الاسرائيليين الأبرياء، لا يمكن أيضا التسامح مع مستقبل من دون أمل للفلسطينيين. لقد كنت قلقاً للغاية للخسائر البشرية الفلسطينية والإسرائيلية في الأيام الاخيرة، وبسبب المعاناة الكبيرة والحاجات الإنسانية للفلسطينيين في غزة. وقلوبنا تخفق للمدنيين الفلسطينيين الذين يحتاجون الى مساعدات غذائية فورية، ومياه نظيفة وعناية طبية أساسية، وهم الذين يواجهون الفقر الخانق منذ وقت طويل». وتحدث أوباما عن مبادرة السلام العربية، التي رأى أنها «تتضمن عناصر ايجابية يمكن أن تساهم في دفع هذه الجهود.
هذا هو الوقت الذي يجب أن تطبق فيه الدول العربية وعد هذه المبادرة، من خلال دعم الحكومة الفلسطينية بقيادة الرئيس محمود عباس ورئيس الوزراء سلام فياض، واتخاذ الخطوات في اتجاه تطبيع العلاقات مع اسرائيل ومن خلال التصدي للتطرف الذي يهددنا جميعاً»، وتابع قوله إن للأردن دوراً بناءً في تدريب قوى الأمن الفلسطينية وفي تعزيز علاقاته مع إسرائيل لتوفير نموذج لهذه الجهود.
واشنطن - علي بردى

