سيبقى تاريخ 11 سبتمبر 2001 منعطفا له «ما قبله» و«ما بعده». وكان أول ما أثبتته التفجيرات التي استهدفت في ذلك اليوم برجي التجارة العالمية بنيويورك ووزارة الدفاع في واشنطن، هو عجز الأجهزة السرية الأميركية عن القيام بمهمات الأمن المناطة بها. وبرز السؤال التالي: كيف يمكن لقوة عظمى مثل الولايات المتحدة أن تترك نفسها عرضة للمفاجأة بتلك الصورة؟
في أعقاب 11 سبتمبر 2001 شنت أمريكا حربها ضد أفغانستان وأقصت طالبان عن السلطة في كابول ودمّرت البنى التحتية الأساسية لمنظمة «القاعدة». ثم رفعت واشنطن شعارات مثل «الدول المارقة» و«محور الشر» الذي يشن حربا ضد «محور الخير» و«الحرب على الإرهاب» ضمن مثل ذلك السياق بدأ التحضير للحرب الأميركية ضد العراق استكمالات لما كان قد بدأه جورج بوش «الأب» وعلى خلفية تعزيز أمن إسرائيل. من جهة أخرى فرضت تفجيرات 11 سبتمبر إعادة النظر بالتوازن الدولي عبر تقارب روسي ـ أميركي وصيني ـ أميركي. وهذا ما وجد صداه في السياسة الخارجية الأميركية.
تدل جميع المؤشرات على أن 11 سبتمبر 2001 قد دخل في سجل التاريخ الكوني. وسوف يتم النظر له دائما على ضوء التمييز بين «ما قبل» و«ما بعد» عمليات التفجير التي استهدفت برجي التجارة العالمية في نيويورك ومقر وزارة الدفاع في واشنطن. وهذا ما يعبّر عنه المؤلف بالقول: «ما تغيّر هو طريقة تفسير الماضي وطريقة التفكير حيال المستقبل» وتتم الإشارة هنا إلى أنه لا يمكن الزعم بعدم «ترقّب» مثل ذلك الحدث. ذلك أن إمكانية، بل احتمال، القيام بعمل «إرهابي» كبير شكّل موضوع نقاش الخبراء طيلة سنوات سبقت تاريخ 11 سبتمبر 2001. وبنفس النهج يرى مؤلف الكتاب أنه إذا لجأت ذات يوم مجموعة أو دولة إلى استخدام أسلحة الدمار الشامل، النووية أو الكيميائية أو البيولوجية، فإنه لن يمكن القول أن ذلك لم يكن «مرتقبا».
لذلك يمكن القول أن الصعوبة تأتي من كون أن المجتمعات الإنسانية لا تأخذ الكوارث على محمل الجد إلا بعد وقوعها. كما تأتي من واقع أن هذه المجتمعات نفسها تميل إلى نسيانها بعد وقوعها. هكذا مثلا لا يتم أبدا اتخاذ إجراءات وقائية فعّالة تحترم قواعد الأمان المطلوبة في المناطق المعرّضة للزلازل والهزّات الأرضية.
«إن الوقاية فن من نفس طبيعة الإصلاح ومن نفس الطبيعة»، يقول المؤلف قبل أن يشير إلى أن تفجيرات 11 سبتمبر تنبّه إلى وجود نقاط ضعف في مفهوم الحريات السائد في الولايات المتحدة الأميركية حيث كان يمكن كثل التسجيل في مدرسة قيادة الطائرات دون معرفة هوية الشخص أو أصوله وإمكانية دفع الأجور نقدا مع تحديد عدم الحاجة لتعلّم كيفية الإقلاع والهبوط، هذا كله دون إثارة أية تساؤلات خاصة.
يفتح المؤلف هما قوسين كي يشير إلى أن إجراءات طرد المشبوهين من الأراضي البريطانية صعبة إلى حد أنه يمكن للمجرمين أن يشعروا أنهم يحظون بالحماية. وقد وصل الأمر ببعض الملاحظين إلى التساؤل عما إذا لم يكن هناك اتفاق «ضمني» من نوع «حصانة الأراضي البريطانية مقابل حصانة الشبكات الموجودة على هذه الأراضي».
إن فشل الأجهزة السرية الأميركية، أي وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية ومكتب التحقيقات الفدرالي، تتم إعادته في التحليلات المقدّمة إلى «الروتين» و«النزاعات الداخلية» مما جعلها غير قادرة على الكشف عن التحضير للتفجيرات وبالتالي منع حدوثها. كذلك، وكما أن العولمة أعطت بُعدا كونيا لنشاطات الدول فإن المنظمات الإجرامية هي نفسها قد «تعولمت» مما يفترض تعاونا دوليا من أجل مكافحتها، وخاصة بين الأجهزة السرية والشرطة ومختلف الهيئات القضائية. هنا أيضا «تلعب البيروقراطية» دورا معطلا وكابحا إلى حد كبير.
هنا يتم طرح السؤال التالي: كيف يمكن لبلد بقوّة الولايات المتحدة التي تكرّس مبالغ طائلة لأمنها، أن تترك نفسها عرضة للاعتداء عليها بتلك الصورة المفاجئة؟ ما يمكن قوله أنه بعد صدمة بهذا القدر من الأذى والقتل ينبغي على الدول كلها أن تشرع سريعا في السعي لتجاوز العقبات التي تمنع حيازتها على وسائل وقاية فعّالة. لكن أشكال المقاومة لمثل هذه الخطط بدت كبيرة في الولايات المتحدة وغيرها.
وتتم الإشارة إلى أن بعض الأميركيين، وبينهم شخصيات بارزة مثل جورج سوروس، اعتبروا أن «الحرب ضد الإرهاب» قد تهدد أسس وحدة البلاد نفسها. ونفس المقاومة على الصعيد الدولي، إذن اعترض البرلمان الأوروبي، مثلا، عام 2001 على تعزيز التعاون القضائي مع الولايات المتحدة الأميركية.
ويشير المؤلف إلى أنه في الساعات التي أعقبت تفجيرات 11 سبتمبر بدا الريس جورج دبليو بوش وكأنه يريد توجيه الاتهام للإسلام عبر تبنّيه مقولة «صدام الحضارات» وحديثه عن «حرب الخير ضد الشر». لكنه أدرك بسرعة «الفخ» فتحوّل لاستخدام تعبير «الحرب ضد الإرهاب».
ويفتح المؤلف هنا قوسين كي يشير إلى «غموض» هذا التعبير إذ لا يوجد أي تعريف مُعترف به كونيا للإرهاب. ثم إنه في كثير من الحالات يصعب كثيرا التمييز بين المقاومة والإرهاب، هذا إذا لم يكن مثل هذا التمييز مستحيلا. هكذا مثلا صرّح خوسيه ماريا أزنار رئيس وزراء اسبانيا السابق قوله أنه «لا يفرّق أبدا» بين «مجرمي 11 سبتمبر» و«مجرمي» منطقة الباسك المطالبين بالاستقلال والذين ينضوون في إطار المنظمة المعروفة باسم «ايتا». ولم يتردد قادة إسرائيل في القيام بنفس التشبيه حيال المقاومين الفلسطينيين.
وفي سياق ما بعد 11 سبتمبر 2001 شنّت الولايات المتحدة الحرب ضد أفغانستان ابتداء من يوم 7 أكتوبر ـ تشرين الأول من نفس السنة وحددت هدفا لها الإطاحة بنظام طالبان وتدمير مراكز القاعدة والقبض على رؤسائها. ويشير المؤلف إلى أنه، على عكس ما يُكتب غالبا ويقال، كانت تلك الحرب ذات طبيعة كلاسيكية بين دولتين وقد حققت أهدافها «جزئيا» بسرعة. فطالبان أُبعدوا عن السلطة والبني الأساسية للقاعدة جرى تدميرها.
وفي الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش عن حالة الاتحاد في مطلع عام 2002 سمّى «الدول المارقة» التي تؤلف محور الشر. فبعد «تسوية أمر أفغانستان أصبح الهدف هو إيران والعراق وكوريا الشمالية، بل وبدا «المفهوم» واسعا كي يضم، «عندما تحين اللحظة»، دولا مثلا سوريا وليبيا. وارتسم في الأفق احتمال تدخل أمريكا عسكريا في العديد من الدول في ظل «إستراتيجية وقائية» شاملة.
لكن مبدأ التحرك الوقائي لقي معارضة جديّة حتى من قبل حلفاء الولايات المتحدة المقرّبين مثل بريطانيا. ذلك أن واشنطن أعطت لنفسها حق التدخل من جانب واحد، دون موافقة مجلس الأمن الدولي. وكانت حالة العراق في صميم اهتمام الجميع، خاصة أن الرئيس بوش كان قد وضع في رأس أولوياته والإطاحة بالرئيس العراقي آنذاك صدام حسين.
ولم يكن الأمر يتعلق فقط باستكمال ما كان قد بدأه والده عام 1991، لكن بتنصيب نظام موالٍ في بغداد يكون الأميركيون قد عززوا أمن إسرائيل وزادوا كثيرا من هامش مناورتهم حيال إيران وحيال السعودية أيضا التي كانت «شكوكهم» تحوم حولها بعد تفجيرات 11 سبتمبر.
بصورة عامة كان شركاء أميركا يعتبرون أنه لا يحق لأية دولة أو مجموعة دول الهجوم على دولة أخرى بحجة أنها «قد» تشكل خطرا على مصالحها الحيوية. وفي أسوأ لحظات الحرب الباردة لم يخطر للولايات المتحدة مثلا أن تشن هجوما ضد الاتحاد السوفييتي، حتى في الفترات التي كان ميزان القوى لصالحها.
مثل هذا الواقع يفسر السبب الذي دفع دولا كانت قد أعلنت بصدق سخطها ضد تفجيرات 11 سبتمبر أظهرت بعد ذلك تحفظاتها حيال بعض جوانب سياسة واشنطن. وكانت فرنسا هي الحالة الأكثر بلاغة بهذا الصدد.
أثارت تفجيرات 11 سبتمبر سريعا عملية إعادة توازن في النظام الدولي. ويجد المؤلف سمته الأساسية في تعزيز الدول، الأمر الذي قد يثير دهشة البعض، بل وربما قلقهم، في فترة يفقد فيها مفهوم «السيادة» الكثير من وزنه.
مؤشر تعزيز موقع الدول يتم تحديده أولا بعودة روسيا القوية إلى مسرح العلاقات الدولية. هكذا حدّ فلاديمير بوتين من سلطة «الأثرياء الجدد» وأخذ مسافة عن «العائلة» ؟ المقصود حاشية بوريس يلتسين ـ ولم يتردد إثر تفجيرات 11 سبتمبر في الإعلان صراحة عن إقامة نوع من «التحالف المقدّس» مع الولايات المتحدة. لقد كان يريد إدراج المشكلة الشيشانية في نفس المنظور الإرهابي الذي أنتج التفجيرات في أمريكا.
وضمن نفس الإطار أيضا لم يعترض الروس على نشر قوات أميركية في القوقاز وآسيا الوسطى. لكن بنفس الوقت كانت هناك حدود لمدى «القبول» الروسي إذ لم تكن موسكو تحسّ بالراحة أمام تعاظم النشاط الأميركي في الجمهوريات السوفييتية السابقة. ما يراه المؤلف هو أن الكرملين كان يعتمد بنفس الوقت على توجهات قادة البلدان المعنية وعلى حذر الجيران الآخرين وخاصة الصين وإيران. «إن المستقبل سوف يقرر مدى براعة هذه الحسابات»، كما نقرأ.
ويذكّر المؤلف قارئه أنه ينبغي تذكّر الكلمة الشهيرة التي قالها بسمارك وجاء فيها: «إن روسيا لم تكن أبدا بدرجة القوة أو درجة الضعف اللتين تبدو عليهما». بكل الحالات قرر الأميركيون والأوروبيون بعد 11 سبتمبر الاعتراف لروسيا أنها أصبحت تتمتع بمكانة كاملة في اقتصاد السوق مع منظور انضمامها إلى منظمة التجارة الدولية.
ما يؤكده المؤلف هو أن الأميركيين والأوروبيين حرصوا بنفس الوقت على تعميق الشراكة مع روسيا في ميدان الطاقة. لقد كانوا يرون بخصومهم القدامى من الروس شركاء أكثر أمنا وأمانا من حلفائهم في الشرق الأوسط العربي. كان ذلك يعني إمكانية أن تتغير جميع جيوسياسة الشرق الأوسط والقوقاز وآسيا الوسطى. ذلك كنتيجة مباشرة لإعادة النظر في التوازنات الدولية الجديدة.
لم تتردد الصين، لكن بطريقة أقل استعراضا، في الانضمام إلى «التحالف» الدولي الجديد وإعلان التقارب مع الولايات المتحدة بعد «علاقات صعبة» خلال الأشهر الأولى من إدارة جورج دبليوبوش الذي لم يكن قد قرر إذا كان عليه اعتبار الصين كشريك أو كمنافس قادم أو كخصم بدلا من الاتحاد السوفييتي السابق. ولقد كان للصين أيضا حساباتها وتطلعاتها في الانضمام إلى اقتصاد السوق وعبره الانفتاح على العالم.
بكل الحالات وفي مواجهة تفجيرات 11 سبتمبر كانت تعبئة الأميركيين قوية ومستدامة. ووصلت شعبية جورج بوش إلى قمة لا سابق لها منذ عهد الرئيس فرانكلين روزفلت. وسادت لدى جميع الأميركيين تقريبا، بمن فيهم بوش نفسه، فكرة أن «الموديل الأميركي» هو الأفق الذي ستصل إليه البشرية كلها. الأصوات النشاز كان يتم تجاهلها ويتم نعتها ب«الظلامية». مع ذلك ارتفعت أصوات كثيرة في العالم الثالث ضد مزاعم الغربيين وسعيهم إلى فرض قيمهم على الآخرين.
إن السياسة الخارجية آنذاك عكست حذرا عميقا حيال المؤسسات الدولية، وبصورة أشمل، حيال نزعة تعدد الأطراف في العالم. وفقد الحلف الأطلسي بالتوازي من مكانته المركزية في العلاقات عبر الأطلسي بسبب أرجحيه وزن «الأخ الأكبر» في علاقته مع الآخرين.
وبدا الانعطاف أيضا في السياسة الأميركية الخارجية حيال القضية الفلسطينية حيث أعلن بوش منذ 2 أكتوبر وأكّد ذلك أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 10 نوفمبر 2001 ضرورة إقامة دولة فلسطينية. وصدر عن الأمم المتحدة في شهر مارس 2002 القرار 1397 القاضي بتأكيد «رؤية للمنطقة على أساس دولتين تعيشان جنبا إلى جنب ضمن حدود آمنة معترف بها».
هنا يفتح المؤلف قوسين أيضا ليؤكد أن بوش ترك، مع ذلك، المجال حرّا أمام ارييل شارون كي يفعل ما يشاء ووصفه أنه «رجل سلام»، مما أثار دهشة شارون نفسه. ويشير المؤلف أيضا إلى أن جميع المراقبين رأوا في موقف بوش نتيجة لتأثير اللوبي اليهودي والمسيحيين المحافظين في أميركا. لكن مغامرة أميركية جديدة كانت ترتسم في الأفق القريب، مغامرة تواجه فيها جورج بوش ضد صدام حسين.


