بعد انهيار سور برلين، انهارت الإمبراطورية السوفييتية. وكان ذلك بمثابة زلزال جيوسياسي كبير ستبقى له نتائجه لعقود طويلة قادمة. وانتهت معه فترة الحرب الباردة لتبرز الولايات المتحدة قوة عظمى وحيدة في العالم على قاعدة تفوقها الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري. لكن انهيار الاتحاد السوفييتي جعل من القارة الأوروبية القديمة المسرح الذي قد يشهد أكبر الأخطار السياسية ذات البعد الكوني أيضا.

ويبقى السؤال الكبير المتعلق بمستقبل القارة الأوروبية وصيغة التوازن التي سيتم التوصل إليها مع روسيا التي تريد المحافظة بأي ثمن على نفوذها في جوارها القريب وأن تكون عنصرا أساسيا في أية منظومة أوروبية شاملة، ولها كلمتها في قضايا العالم المصيرية. وإذا كانت أوروبا تسعى من جهة إلى توسيع إطار مسيرة توحيدها وإيجاد سبل الوصول إلى التوازن مع روسيا وأميركا. فإن هذه الأخيرة بدت «جمهورية إمبريالية» لديها مقومات الهيمنة والسيطرة في العالم، وذلك حتى تفجيرات 11 سبتمبر 2001.

تختلف رؤية البشر للتاريخ وللزمن. علماء الفيزياء الفلكية يحسبون بمليارات السنوات وعلماء الجيولوجيا وطبقات الأرض بمئات الملايين، والمؤرخون قد يعودون إلى قرن مضى، ومراقبو الأحداث تهمهم العقود، وبمقابل هذا كله تشكل الثانية وحدة زمنية «عملاقة» بالنسبة لعالم الفيزياء النووية. بكل الحالات، يشير مؤلف هذا الكتاب إلى أن اهتمامه بعالم السياسة يدفعه إلى تبنّي تعريف عبّر عنه ذات يوم رئيس وزراء بريطانيا الأسبق هارولد ويلسون بالقول: «الأسبوع يمكن اعتباره مدًى طويلا في عالم السياسة». لكنه يقدّم بنفس الوقت تحليلاته آخذا باعتباره الآثار التي تتركها الأحداث الكبرى على مدى أجيال لاحقة. هكذا لا تزال آثار انهيار الإمبراطوريتين العثمانية والنمساوية-الهنغارية قائمة في نهاية القرن العشرين.

انهارت الإمبراطورية السوفييتية ما بين 1989 و1991. لقد كانت الشيوعية، على الأقل بصيغتها الماركسية-اللينينية التي كانت سائدة في الاتحاد السوفييتي ومعسكره. وبرز عندها السؤال: من كان يمكنه أن يفكر جديّا أنه يعد مثل الحدث الهائل يمكن استعادة التوازن الدولي بعد حفنة من السنوات فقط؟ لقد بدا العالم باختصار مختلّ التوازن، ربما لأجيال قادمة. لكن ذلك لا يمنع واقع أن السنوات التالية شهدت ازدهار الصين والهند وعدد من بلدان آسيا وانفتاحها على الأسواق العالمية. أما الولايات المتحدة الأميركية تراوحت الآراء بين الأخذ بأطروحة «التقهقر الأميركي» التي كان الباحث الأميركي بول كندي قد دافع عنها واعتبر أن بلاده ضحية لتوسعها الإمبريالي وللوزن المفرط للقطاع العسكري، وبين الأطروحة القائلة أن الولايات المتحدة لا تتراجع بل وأن وضعها «جيّد» بالمقارنة مع بقية العالم. ويشير المؤلف بهذا الصدد إلى أعمال جوزيف ناي، الأستاذ في جامعة هارفارد.

ويرى المؤلف أنه مهما كان الدور الأميركي كبيرا في العالم في فترة ما بعد الحرب الباردة ومهما كان صعود آسيا سوف يغيّر من آليات عمل المنظومة الدولية خلال القرن الحادي والعشرين، فإنه في أوروبا تقع منذ عقدين الأخطار السياسية التي قد يكون لها آثارا كونية. ذلك أن انهيار الاتحاد السوفييتي، ومعه الإمبراطورية الروسية، يشكل «زلزالا جيوسياسيا كبيرا» لم تشهد حتى الآن سوى نتائجه الأولى، فنتائجه كلها قد يستغرق فعلها لمدة قرن كامل. ولا يتردد المؤلف في القول أن الغربيين عامة، والأوروبيين خاصة، انخدعوا عندما أعربوا عن «فرحتهم» الكبيرة بالديمقراطية التي أعلن بوريس يلتسين عن قيامها في روسيا بعد انهيار النظام الشيوعي. ذلك أن روسيا لم تغيّر أبدا من أهدافها بتغيير أنظمتها السياسية منذ حقبة بطرس الأكبر.

فماذا تريد روسيا؟ الإجابة المقدّمة تقول أنها تريد أولا أن تكون لها كلمتها المسموعة في «جوارها القريب»، أي ما يتناظر مع الجمهوريات السوفييتية السابقة. وهي تريد ثانيا الاعتراف بها كعنصر أساسي في منظومة الأمن الأوروبية على مستوى القارة. ثم إنها لن تقبل بالتأكيد الانضواء في إطار «السلام الأميركي» إلا إذا حصلت على مشاركة حقيقية بقرارات الحلف الأطلسي الخاصة بالمنطقة. وتريد بشكل عام أن تحتفظ لنفسها بمكانة قوة لها كلمتها في قضايا العالم الكبرى، وذلك على أساس الوزن الذي تستمده من مساحتها الشاسعة ومن قوتها النووية وجيشها الضخم.

ويفتح المؤلف في هذا السياق قوسين كي يشير إلى أن نهاية الحرب الباردة مع انهيار الاتحاد السوفييتي عززت كثيرا من موقع إسرائيل في الشرق الأوسط، عبر تقليصها لهامش المناورة لدى خصومها. وكانت حرب الخليج الأولى عام 1991 قد وضعت العراق «خارج اللعبة»، وعزلت إلى حد كبير منظمة التحرير الفلسطينية. وعلى خلفية تطلّع أغلبية الفلسطينيين للسلام واطمئنان الإسرائيليين على تنحية العراق انفتح واقعيا أفق اوسلو. ويرى المؤلف أن تلك المصافحة الشهيرة التي جرت يوم 13 سبتمبر-ايلول 1993 كانت بمثابة استمرار منطقي للزيارة التي قام بها الرئيس أنور السادات إلى إسرائيل يوم 17 نوفمبر 1977.

إن التوصيف الذي يقدمه المؤلف لحالة العالم في أواسط عقد التسعينات الماضي، وما يترك آثاره حتى اليوم، هو وجود حالة من الارتباك تتمثّل أكثر مظاهرها بروزا في ضعف الأسس التي قام عليها ما سمي ب«النظام الدولي الجديد». بنفس الوقت إذا كانت الأطروحات التي قال بها المفكر الأميركي صموئيل هنتنغتون حول «صدام الحضارات» لم تتحقق فإنه لم يكن هناك ما يبرر الأطروحات «المتفائلة» التي أعقبت انهيار سور برلين والقائلة ب«نهاية التاريخ» والتبشير بعالم يسوده السلام والازدهار.

لقد انهار الاتحاد السوفييتي وأثبت التاريخ مرّة أخرى أن البنى التي كانت تبدو «خالدة» يمكن أن تهوي وتصبح حطاما كقصور من الورق. وسرعان ما ارتفعت أصوات النخب في أوروبا الوسطى والشرقية باتجاه أوروبا الغربية بما يشبه القول: «ما عليكم سوى أن تدمجونا بسرعة في إطار مؤسساتكم»، أي ما كان يعني دمجهم بالحلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي. كان وضعا جديدا قد برز في أوروبا وتميّز بالدعوات ل«إعادة توحيد» القارّة، لكنه في الواقع لم ينه أشكالا عميقة من الشقاق على خلفيات إثنية وقوية وعقائدية. ويرى المؤلف أن أي تحليل جيوسياسي يتجاهل هذه «الجروح» سوف يقود إلى الخطأ في الإستراتيجيات.

بالتوازي مع ذلك برز أيضا تباين كبير في وجهات النظر حول العديد من القضايا العالمية الرئيسية وفي مقدمتها الموقف من العراق بعد حرب الخليج الأولى. وتتم الإشارة إلى أن الولايات المتحدة كانت تصرّ على الاستمرار في فرض العقوبات على العراق رغم أن الرئيس العراقي كان قد قبل آنذاك الانصياع إلى قرارات الأمم المتحدة «خاصة بفضل الضغوط التي مارستها روسيا»، كما يحدد المؤلف القول ويضيف أنه قد اعترف بالحدود الدولية بين العراق والكويت حسبما قامت بترسيمها لجنة تابعة للأمم المتحدة يوم 10 نوفمبر 1994 والتزم باحترام عدم المساس بها، وشرع بتدمير أسلحته الكيماوية والبيولوجية. ذلك تبنّى مجلس الأمن ؟ تحت ضغط الولايات المتحدة- تجديد الحظر التجاري والبترولي ضد العراق. البلدان الأوروبية، خاصة فرنسا، وروسيا والصين عارضت ذلك.

كانت هموم أوروبا تنصب آنذاك على مسألة توسيع إطار الاتحاد الأوروبي كعنصر جوهري في سياستها الخارجية. ومنذ غداة سقوط سور برلين ردد كثر بضرورة إعادة توحيد القارة «من المحيط الأطلسي إلى جبال الأورال»، أي مع روسيا، وذلك على أساس أن «الستار الحديدي» الذي قام في القارة القديمة طيلة فترة الحرب الباردة كان قد قطع أواصر جرى نسجها خلال عدة قرون. لكن ذلك الحماس الأوروبي خفّ كثيرا بعد عدة سنوات فقط ولم يكن هناك من يتصوّر جديا مدّ حدود الاتحاد الأوروبي في الأفق المنظور إلى ما وراء حدود الاتحاد السوفييتي السابق، مع استثناء هام يخص بلدان البلطيق «الأوروبية». إن بلدان الاتحاد الأوروبي أدركت الأعباء الكبيرة المترتبة على ما بعد الحقبة الشيوعية، كما أدركت أن إمكانياتها على «هضم» البلدان الجديدة محدودة.

مالت الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب الباردة إلى التصرف باعتبارها قوى «منتصرة». وإذا كان من الصحيح القول، كما يشير المؤلف، إلى أنها لا تحمل إيديولوجية إمبريالية بالمعنى الذي ساد في الإمبراطوريات الاستعمارية التاريخية، فإنه من الصحيح أيضا أن الحكومات الأميركية قد تصرفت غالبا بطريقة قليلة الانسجام ولا تتوافق مع إستراتيجيات محددة بوضوح. مع ذلك ظهر إصرار وحزم الإدارات الأميركية، في سياق ما بعد الحرب الباردة، على فرض سيطرتها على الأسواق في مختلف مناطق العالم. وكان الرئيس بيل كلنتون قد جعل هذه المهمة في أولوياته منذ انتخابه عام 1992.

ولا يخفى على أحد أن إيديولوجية أميركا وعملتها وثقافتها المدعومة باللغة الإنكليزية وبضاعات الإعلام والاتصال تنتشر كلها في العالم. وبدا أنه ينبغي على أولئك الذين يعارضون ذلك الانضواء في إطار مواقف «دفاعية» مع مواجهة الاتهام بتمسّكهم ب«أفكار رجعية» عفا عليها الزمن. باختصار تصرّفت الولايات المتحدة على أنها القطب الوحيد في عالم يُفترض أنه «متعدد الأقطاب». ذلك على أساس أنها تمثل القوة الاقتصادية الأكبر في العالم وكذلك القوة العسكرية الأعظم، بما لا يقاس وأنها الوحيدة القادرة على الوجود في أية منطقة من أصقاع الأرض بما تمتلكه من تفوّق صناعي وتكنولوجي وعسكري ساحق. ذلك التفوق جرى رفده أيضا بسلسلة من التحالفات ـ الحلف الأطلسي وغيره ـ مما جعله يبدو وكأنه «مستدام».

في مثل ذلك السياق يغدو من المفهوم أن تتوجه أنظار بلدان أوروبا الوسطى والشرقية ـ الشيوعية سابقا ـ نحو التطلع إلى الانضمام للحلف الأطلسي باعتبار أن واشنطن هي مركزه وليس باريس أو برلين أو لندن. وبنفس الوقت عمّت القناعة أن الولايات المتحدة سوف تلعب لفترة طويلة من الزمن دور «حجر الزاوية» في المنظومة الأمنية الإقليمية بمنطقة شرق آسيا. وعززت أميركا من سلطتها تدريجيا في الشرق الأوسط. كان الهدف الأميركي، كما يبدو، هو إعادة تركيب المنطقة التي يطلق عليها الجغرافيون تسمية «غرب آسيا» بحيث تجمع في إطار نفس المنظومة، الخاضعة للهيمنة الأميركية، منطقة تمتد من حوض المتوسط إلى الباكستان وبلدان آسيا الوسطى التي تحررت من الاتحاد السوفييتي. و«هذا كله على خلفية المصالح البترولية»، كما يحدد المؤلف القول. ولم يكن اهتمام الولايات بالقارة الإفريقية بعيدا أيضا عن الموارد الطبيعية التي تمتلك عليها هذه القارة.

النتيجة التي يخرج فيها المؤلف من التوصيف الذي يقدمه تتمثل في قوله إنه «ليس من المستحيل أن يكون القرن الحادي والعشرون، وأكثر من القرن العشرين، هو قرن الولايات المتحدة مع إمكانية قيام نوع من الإمبريالية الأميركية». هذا مع الإشارة إلى أن مثل هذه «الإمبراطورية» لن يتم الوصول إليها بقوة السلاح ونشر الجنود وإنما بواسطة نوع من «الحكومة غير المباشرة». ثم يستدرك المؤلف قائلا إنه «لا ينبغي أبدا التقليل من قيمة مواطن الضعف، السياسية والاجتماعية خاصة، التي تعاني منها أميركا والتي سوف تظهر نتائجها بالضرورة على مدى يقصر أو يطول».

وفي مثل هذا النهج من التحليل ينتهي المؤلف إلى القول: «إذا كان القرن العشرون لم يكن أسوأ مما كان فإننا ـ يقصد الأوروبيون ـ مدينون بذلك إلى اللبرالية وإلى إشعاع الحضارة الأميركية. فخلال سنوات 1947-1949 - ما بعد الحرب العالمية الثانية ـ أنقذت الولايات المتحدة أوروبا من الشيوعية عبر مشروع واقعي وعادل - مشروع مارشال ـ وتجاوزت بذلك مصالحها الوطنية بالمعنى الضيّق للكلمة. لكن في المستقبل لن يكون أي سلام أمريكي قابل للحياة إذا لم يقم على عقد واضح وعادل ومتوازن مع جميع دول المجموعة الدولية». وجاءت تفجيرات 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن لتكون منعطفا جديدا وليكون هناك ما قبلها وما بعدها.

الصفحات: 390 صفحة (متوسط)

الكتاب: عشرون عاماً هزت العالم

تأليف: تييري دي مونبريال

عرض ومناقشة : د. محمد مخلوف

الناشر: دونو، باريس ـ 2008