إذا ما استثنينا الحالة اللبنانية فإن موريتانيا تعد البلد العربي الوحيد الذي يحتفظ برصيد من الرؤساء السابقين على قيد الحياة رغم سجله الانقلابي الحافل والذي سجل رقما قياسيا بعدد انقلابات تجاوزت 14 انقلابا بما فيها الفاشلة، فمنذ الاستقلال في مطلع الستينات كانت المؤسسة العسكرية هي من يدير من الواجهة أو من وراء الستار لعبة الحكم في بلاد ذات فسيفساء عرقية وقبلية تختلف في بنيانها عن دول الجوار المغاربي.

ففي موريتانيا اليوم يعيش المصطفى ولد محمد السالك الذي قاد اول انقلاب عسكري في تاريخ البلاد حينما كان قائد القوات المسلحة في 10 يوليو 1978 فاتحا الباب واسعا أمام مسلسل الانقلابات الذي كان آخره انقلاب أغسطس الماضي، لكن ولد السالك ترك السلطة في ظروف غامضة بعد عام واحد بسبب الخلافات التي نشبت داخل اللجنة العسكرية للإنقاذ الوطني حينذاك، فالعسكري القوي المقدم أحمد ولد بوسيف قام بفرض تغيير دستوري أصبح بموجبه رئيسا للوزراء وأصبح مصطفى ولد محمد السالك بصلاحيات شرفية، لكن ولد بوسيف لقي مصرعه في حادث سقوط طائرة غامض بعد حوالي شهر ونصف فقام الضباط بإبعاد ولد محمد السالك وحل محله ولد أحمد لولي سنة 1980 وأصبح محمد خونا لد هيداله رئيسا للحكومة لكن بعد أشهر قليلة قام العسكريون بتغيير دستوري جديد أصبح بموجبه ولد هيداله رئيسا للدولة والحكومة واللجنة العسكرية الحاكمة وظل الحاكم العسكري القوي حتى الإطاحة به من قبل ولد الطايع في 12 ديسمبر 1984.

وولد الطايع نفسه لم يكن بمنآى عن الانقلابات التي استهدفت نظامه من قبل العسكر في مناسبات عديدة آخرها نجاح مدير جهاز أمنه أعلي محمد ولد فال في الإطاحة به حينما كان يقدم واجب العزاء في السعودية في وفاة الراحل الملك فهد بن عبدالعزيز في أغسطس 2005، وإذا كان ولد فال قاد فترة انتقالية من سنتين انتهت بانتخابات أوصلت ولد سيدي الشيخ عبدالله إلى سدة الرئاسة فإن المؤسسة العسكرية القوية لم تتركه ليهنأ بالمنصب وأطاحت به أيضا في شهر أغسطس 2008. وبهذا فإن في موريتانيا اليوم رؤساء سابقون مثل ولد محمد السالك وولد هيداله وولد لولي وولد الطايع المقيم في الدوحة وولد فال وولد سيدي الشيخ عبدالله آخر العنقود الانقلابي الذي أطاح به قائد جنده ولد عبدالعزيز، ولهؤلاء جميعا خبرة واسعة في الحكم كما في الانقلابات لكنهم جميعهم نجحوا في البقاء أحياء من دون أن ينجحوا في تقديم حلول للمعضلة الموريتانية التي تبدو بيئة طاردة لحكم المؤسسات الدستورية وتتوفر على مختلف العوامل المهيئة للانقلاب والانقلاب عليه، فلا الموريتانيون باتت تخيفهم أنباء الانقلابات ولا العالم بات على ثقة في المساعي السياسية المدنية التي تبدو عاجزة هي الأخرى على التوحد لصياغة مشروع حكم مدني يتوافق مع إمكانيات البلاد وقدراتها التي لم يستفد منها الموريتانيون في زحمة انقلاباتهم، والرهان على العامل الخارجي على الدفع بالأزمة في اتجاه الحل يبدو ضعيفا في ظل الانشغال الإقليمي والدولي بما يحدث في غزة.

mohannachi@gmail.com

محمد الهادي الحناشي