في غمرة نشوته بالمنصب استقبل آخر رؤساء موريتانيا المخلوعين سيدي ولد الشيخ عبدالله في 2 أبريل 2008 أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في نواكشوط وهي أول زيارة رسمية يقوم بها إلى موريتانيا بعد الإطاحة بولد الطايع، يومها طلب الشيخ حمد من ولد الشيخ عبدالله ترتيب عودة الرئيس المخلوع ولد الطايع الذي تستضيفه الدوحة، كانت إجابة ولد الشيخ عبدالله للضيف القطري انه لا يملك من أمر ولد الطايع شيئا وأن أمره بيد القادة العسكريين، غضب الأمير يومها وفق تسريبات بعض من حضر اللقاء في القصر الرئاسي.

لم يتسرب للإعلام فحوى الحوار الذي جرى بين الرجلين، لكنه اليوم وولد سيدي الشيخ عبدالله خارج السلطة يمثل اعترافا صريحا من رئيس منتخب ديمقراطيا أن القرار الفعلي في موريتانيا تمسك بخيوطه السلطة العسكرية القوية ذات المراس الطويل في الحكم وفي الانقلابات.

واليوم يجتهد رجل موريتانيا القوي الجنرال ولد عبدالعزيز في الاستفادة من خبرات الرؤساء السابقين بمن فيهم ولد الطايع وولد سيدي الشيخ عبدالله وولد فال وغيرهم ممن تطول بهم القائمة لكثرة الانقلابات التي شهدتها بلاد المليون شاعر، فقد وجه الجنرال الدعوة لنحو الف من الشخصيات السياسية الموريتانية ومن ضمنهما الرؤساء السابقين للمشاركة في الأيام التشاورية أو منتديات الديمقراطية التي دعا إليها للبحث بعد ورطة لم يحسب لها احد حسابا، وإذا كانت الأيام انطلقت فعليا وسط مقاطعة الجبهة الرافضة للانقلاب فإن مواقف الرؤساء السابقين تبدو متباينة وتعكس المشهد الموريتاني السياسي فولد سيدي الشيخ عبدالله الذي أطلق العسكر سراحه تحت الضغوط الدولية المتزايدة عبر عن رفضه المشاركة مهما كان نوعها في ظل وجود الانقلابيين مبررا رفضه بكونه وحده دون سواه الرئيس الشرعي وإن كان بلا سلطة وأن مجرد قبوله بفكرة الأيام سيمنح الإنقلابيين شرعية تحسب لهم.

ويبدو أن موقف ولد سيدي الشيخ عبدالله يستند إلى موقف واشنطن القوي الذي ورد على لسان سفير الولايات المتحدة الأميركية لدى نواكشوط الداعم بقوة لعودة الرئيس المخلوع وعدم الإعتراف بالانقلابيين، وهو المدى الذي ذهب إليه ايضا الاتحاد الإفريقي حينما طلب من ولد الشيخ عبدالله تعيين مندوب من قبله لدى الاتحاد في اجتماعاته المقبلة والتي تمهد لقمة إفريقية في أديس أبابا في شهر فبراير المقبل، كما يحظى الرئيس المخلوع بدعم التيار الرافض للانقلاب والذي بدوره امتنع عن المشاركة في هذه الأيام بدعوى عدم اتيانها بجديد سوى تكريس الأمر الواقع.

وفي بادية الشمال الموريتاني يمضي العقيد أعلي ولد فال أوقاته بعد أن قاطع بدوره الأيام التشاورية وهو الذي قاد انقلابا ناجحا على سلفه ولد الطايع وتولى السلطة لمدة سنتين أجرى خلالها عديد الإصلاحات التي انتهت بانتخابات رئاسية وتشريعية، وبعد أن تحول ولد فال إلى علامة سوقتها موريتانيا في الخارج وحصل على دعم كبير ومباركة من المجتمع الدولي فإن دوره الداخلي قد تراجع وبات يختار العزلة إلا أن أنصاره الذين شاركوا في هذه الأيام التشاورية قاموا بتوزيع مناشير كانت لا فتة في مضمونها فهي ترفض الاعتراف بالإنقلابيين من ناحية

وتدعوهم إلى ترك القصر الرئاسي وبالمقابل تطلب من ولد سيدي الشيخ عبدالله التنحي عن رئاسة منزوعة عنه أصلا وتطرح مقابل ذلك عودة ولد فال لمواصلة الورشة الإصلاحية التي بدأها قبل ثلاث سنوات وهي الدعوة التي يتبناها عدد كبير من اركان نظام ولد فال السابقين، لكنها بالمقابل لاتجد التجاوب الكامل من قبل الفئات السياسية الموريتانية التي ترى شريحة كبيرة منها أن ولد فال شخص ينفع موريتانيا فقط في الخارج أما داخليا فهو لايتعدى مجرد أداة من أدوات قمع نظام ولد الطايع حينما كان مديرا للأمن الوطني في عهده قبل الإنقلاب.

ومن المحيط إلى الخليج العربي حيث يقيم الرئيس المخلوع سيدي أحمد ولد الطايع في الدوحة في ضيافة قطرية والذي تجاهل كليا دعوة الجنرال ولد عبدالعزيز للعودة إلى نواكشوط والمشاركة في هذه الأيام رغم الإشارات المتعددة التي تؤكد لولد الطايع إمكانية عودته إلى البلاد متى ما قرر ذلك، إلا أنه شخصيا لا يرى في الواقع الموريتاني الحالي ما يشجعه على العودة فالرجل وإن كان له أنصار فإن عدد خصومه هو الأكثر في بلاد حكمها بقوة الحديد والنار زهاء ثلاثة عقود، وهو يدرك جيدا أنه لايزال مستهدفا من قبل بعض الفئات الاجتماعية والقبلية، وأنه مهدد في سلامته الشخصية في صورة عودته لذلك فإن تجاهله المشاركة وعدم استفادته من إمكانية العودة يخرجه كليا من المعترك السياسي الموريتاني ويدفع به إلى التقاعد الهادئ بعيدا حتى تغير الظروف والمعطيات.

انشغال الموريتانيين

تزامن انطلاق العدوان الإسرائيلي على غزة مع انطلاقة الأيام التشاورية وهو ما دفع بالموريتانيين إلى الانشغال عن الأيام والخروج إلى الشوارع في العاصمة نواكشوط في مظاهرات غاضبة عمت أيضا جميع المدن وشقت الرأي العام شطرين في التعامل مع علاقة موريتانيا مع إسرائيل.. فبرزت بقوة المطالبة بقطع العلاقة مع إسرائيل من قبل مختلف الأطياف فيما سارع المجلس العسكري الحاكم إلى إيفاد رئيس الوزراء سيدي ولد لغضف إلى طرابلس للقاء الزعيم الليبي معمر القذافي والتباحث معه بشأن هذه الأوضاع التي قد تمنح في صورة إقدام المجلس العسكري الحاكم على قطع علاقة نواكشوط مع تل أبيب جرعة من الشرعية الشعبية التي يحتاجها في هذه الظروف، وهو ما تنبه له الرئيس المخلوع سيدي ولد الشيخ عبدالله الذي سارع بدوره إلى إصدار بيان يندد فيه بشدة بالعدوان بإسمه وباسم الشعب الموريتاني، فيما ذهبت بعض الأطراف المشاركة في الأيام التشاورية إلى طرح موضوع قطع العلاقة بقوة من دون إغفال تصوراتها للخروج بالبلاد من أزمة رئيسين أحدهما مدني بلا سلطة والثاني عسكري بلا شرعية.

ذهب حزب التحالف من أجل العدالة والديمقراطية (حركة التجديد) إلى مطالبة المشاركين في المنتديات العامة للديمقراطية بوضع أسس سليمة لقيام دولة عصرية وإلغاء قانون العفو الذي سنه البرلمان الموريتاني الأسبق بعد الاضطرابات السياسية التي عاشتها موريتانيا نهاية الثمانينات مع ترسيم اللهجات المحلية وفرض التجنيد على الشبان البالغين والمطالبة بتشكيل لجنة محايدة تضم ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان لوضع حد للمأساة وكفالة أيتام تلك الأحداث وأرامل الجنود الزنوج.

ملفات انقسام

ورغم التوجيه الواضح من قبل الوزراء المشرفين على هذه الأيام التشاورية نحو طرح الجنرال عبدالعزيز بتنظيم الانتخابات في شهر يونيو المقبل إلا أن انقساما بدا واضحا في تحديد الفترة الانتقالية التي يرى البعض أنها يجب أن تمتد إلى سنة كاملة تتم خلالها مراجعة الدستور وتحديد آليات قانونية لوضعية العسكر ومعالجة المشكلات العرقية والثقافية والإنسانية المتفاقمة التي تعد مفصلا مهما في كل أزمات ومن ضمنها أيضا الشكل الذي يجب أن تكون عليه الرقابة في الانتخابات.

من هنا برزت المطالبة بإنشاء لجنة دائمة لمراقبة الانتخابات، وتوسيع هذه الرقابة، وكذا مراجعة اللوائح الانتخابية وهي القضايا التي تمنح مجالا واسعا للجدل حولها وهو ما يوفر وقتا أطول للمجلس العسكري الحاكم الذي يبدو مراهنا على عامل الزمن بعد أن تحولت المعضلة إلى مسألة «ماء الوجه» بالنسبة لكافة الأطراف فالجنرالات لن يستجيبوا تحت جميع الضغوط الداخلية والخارجية للتنازل عن مواقعهم خشية المحاسبة والرئيس المخلوع ايضا لن يتنازل عن وضعه الهش متحصنا بالشرعية الإنتخابية التي أوصلته إلى السلطة. ومن هنا فإن سيناريو الجمود والمحافظة على الأمر الواقع حتى الإنتخابات المتوقعة هو الأمر الأقرب إلى الواقع السياسي الموريتاني.

ورغم المواقع القوية لكل من الجنرال والرئيس المخلوع على الأقل من الناحية التفاوضية فإنه لا يبدو في المدى المنظور الاستفادة من هذه المواقع لحل الأزمة بسبب رفض ولد سيدي الشيخ عبدالله التفاوض من أساسه، وهو ما سيدفع بالعسكر إلى قلب هذه المعادلة في شهر مارس المقبل حينما يتم التجديد لثلث أعضاء مجلس الشيوخ وهو ما يراهن عليه الجنرالات من أجل قلب المعادلة الدستورية لحسابهم، ويبقى لولد الشيخ عبدالله الرضى بشجاعته التي واجه بها الانقلاب وهو ما يسعى كثيرون لإقناع الرئيس المخلوع بضرورة قبوله التنحي لعدم وجود جدوى في عودته في الوقت الراهن.

وهو ما يرجح أكثر المبادرة القطرية ويجعلها قابلة للتحقق في صورة رعاية الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والجامعة العربية لمؤتمر موريتاني تشارك فيه جميع الأطراف بما فيها الجنرالات والرئيس المخلوع والدخول في حوار مباشر لوضع صيغة دائمة لعمل المؤسسات الدستورية في البلاد وقطع الطريق على أية ثغرات قد تمكن المؤسسة العسكرية لاحقا من الإنقلاب على السلطة، وهذا الطرح يلاقي تأييدا من طرف شريحة واسعة من الموريتانيين، التي ترجع الأزمة إلى جذورها وهي غياب بنية أساسية دستورية وتشريعية قوية للدولة في موريتانيا بعد نحو نصف قرن من استقلالها.

وسيسفر المؤتمر على تشكيل حكومة وحدة وطنية يتم الإجماع عليها كما يعلن كل من الرئيس المخلوع والجنرال ولد عبدالعزيز الاستقالة أمام المؤتمر وتتولى الحكومة تسيير شؤون البلاد في فترة انتقالية تنتهي بانتخابات عامة لا يترشح لها أي من الفريقين المتخاصمين، إلا أن هذا الطرح بدوره لن يصمد أمام طموحات الجنرال ولد عبدالعزيز الذي يراهن على الترشح في انتخابات منتصف 2009 وهو ما يدفع في اتجاهه بقوة فريق الجنرالات وفي مقدمتهم العسكري القي ولد الغزواني المقرب من ولد عبدالعزيز وشريكه في انقلاب السادس من أغسطس.

ويبرز المعطى الحاسم في حل الأزمة في الموقف الفرنسي الذي اتسم بالمناورة فهو من ناحية يتمسك بالشرعية ويغمز بعين ثانية في اتجاه الجنرالات بعد حديث عن وعود من العسكر بمنح فرنسا امتيازات بترولية وأخرى لها علاقة بالصيد، فيما تبقى الخطوة الأهم التي ينتظرها الموريتانيون من قادة الحكم هي قطع العلاقة مع الكيان الصهيوني بعد قرار التجميد الذي اتخذته في قمة الدوحة حول غزة وهو ما لقي تجاوبا كبيرا من الشارع الموريتاني.