دمار كلي كما لو أن زلزالا قويا قد ضرب المنطقة، لكن هذه لم تكن كارثة طبيعية. كانت توجد هنا بساتين ليمون وزيتون ومنازل واسعة ذات أفنية وساحات يربى فيها الدجاج، والآن لا يوجد سوى مبان مدمرة نصف مدفونة في بحر من أرض مجرفة في مشهد دمار غريب.
إنه الدمار الذي خلفه هجوم إسرائيلي استمر 22 يوماً ضد قطاع غزة، قالت إسرائيل إنه يهدف لمنع نشطاء حركة حماس من إطلاق صواريخ على بلدات ومدن إسرائيلية.
وفي احد أحياء شرق جباليا. التي لجأء اغلب سكانها إلى مدارس الأمم المتحدة. الآن، أصبحوا بلا مأوى، ويقيمون وسط الكتل الخرسانية المدمرة لما كان في السابق منازلهم ويصنعون النزر اليسير من الطعام على مواقد في غرف معيشة يغطيها السواد وبلا جدران خارجية. ويبحث الرجال بشكل محفوف بالمخاطر تحت قطع الخرسانة المحطمة عن أغطية أو إطارات أبواب أو قطع خشبية أو صور أو كتب أو أي شيء عزيز عليهم أو لا يزال صالحا للاستخدام يمكنهم انتشاله من تحت الأنقاض.
وتقول آمنة أبو عيد التي دمر منزلها الذي كان مكونا من ثلاثة طوابق وأصبح أشبه بكعكة من الإسمنت سحقت بمطرقة ثقيلة «لا توجد حديقة.. لا أشجار.. لا حجارة.. ولا منزل». وكانت ابنتها فاطمة «29 عاما» تحدق في قط كانت ترعاه الأسرة وهو يتنقل فوق الحوائط المدمرة وهو يشم منزله السابق الذي تغير شكله.
وعلى مقربة كانت هناك شاة نافقة، لكن أحد الجيران وجد الجدي يثغو طلبا للطعام. وجمع محمد عابد«47 عاما» سبع دجاجات بيضاء في الهيكل الخرساني لمنزله في حين كانت عبوات قذائف إسرائيلية منفجرة من عيار 155 مليمترا ملقاة بالخارج.
ويقول عابد «كان هذا ما جلب الفوسفور. كان شكله جميلا إلى حد بعيد.. مثل الألعاب النارية. حاول الأطفال إطفاء النار.. لكن تلك المادة تشتعل حتى في الماء».
ويستخدم عابد عبوة فارغة لقذيفة يغطيها السواد كثلاجة لحفظ الطعام. ويطهو إحدى الدجاجات لصنع حساء. وتقول فاطمة «سأقيم خيمة صغيرة وأعيش هنا مجددا. لكن من سيساعدني في إعادة بناء منزلنا».
وتنبعث من تحت الأنقاض رائحة نتنة هي على ما يبدو لبعض الجثث التي لم يتم انتشالها بعد. وتتنقل الأسر الفلسطينية العائدة بحذر شديد عبر الحي القديم الذي اختلطت معالمه. ويقول أحد الرجال «لم نكن متأكدين في البداية من مكان المنزل.. لأن الشوارع اختفت».
ولا يوجد الآن سوى أرض مجرفة وعليها آثار جنازير الدبابات والجرافات وأشجار فاكهة سويت بالأرض وسلخت قشور فروعها، بينما ينسلّ كلب بمنطقة قريبة في خوف وارتباك.
ولا يتوقف صوت طنين طائرات الاستطلاع الإسرائيلية التي تحلق فوق المنطقة، فيقول صبي وهو يحدق في السماء بنظرات حادة «هذه الأشياء دمرت غزة».
(وكالات)