أعلن العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز بدء صفحة جديدة في العلاقات العربية ـ العربية بتأكيده أمس «تجاوز مرحلة الخلاف»، وفتح «باب الأخوة العربية والوحدة لكل العرب».
واعتبر خادم الحرمين الشريفين في كلمته التي ألقاها أمام القمة العربية الاقتصادية والتنموية والاجتماعية التي بدأت أعمالها في العاصمة الكويتية أمس، أن الخلافات العربية «كانت عوناً للعدو الإسرائيلي وأدت إلى شتات أمرنا»، وحذر العاهل السعودي الذي أعلن تقديم مليار دولار للمساهمة في إعادة إعمار غزة، من أن «مبادرة السلام لن تبقى على الطاولة والخيار بين الحرب والسلام لن يبقى طويلا».وبعد الجلسة الافتتاحية عقدت قمة خماسية في مقر إقامة العاهل السعودي ضمت كلاً من مصر والكويت وقطر وسوريا. وعبر الملك عبدالله في بداية كلمته عن الأمل بالخروج بنتائج واضحة لهذه القمة التي «تبشر بمستقبل من الأمن والرخاء للمواطن العربي والمسلم في كل مكان إن شاء الله».
إلا أنه أشار إلى أن الاقتصاد مهما كانت أهميته، لا يمكن أن يساوي الحياة نفسها ولا الكرامة التي لا تطيب الحياة بدونها، وأشار إلى العدوان الإسرائيلي على عدوان غزة بالقول: «شاهدنا في الأيام الماضية مناظرا بشعة ودامية ومؤلمة ومجازر جماعية تنفذ تحت سمع العالم وبصره على يد عصابة إجرامية لا مكان في قلوبها للرحمة ولا تنطوي ضلوعها على ذرة من الإنسانية».
ووجه كلامه إلى إسرائيل بالقول: «لقد نسي القتلة ومن يناصرهم أن التوراة قالت.. إن العين بالعين . . ولم تقل التوراة . . إن العين بمدينة كاملة من العيون».
وأشار إلى أن على إسرائيل أن تدرك أن الخيار بين الحرب والسلام «لن يكون مفتوحا في كل وقت، وأن مبادرة السلام العربية المطروحة على الطاولة اليوم لن تبقى على الطاولة إلى الأبد».
وتوجه العاهل السعودي في كلمته بالتحية إلى شهداء غزة وأبطالها وصمودها، كما توجه بالتحية أيضاً إلى «كل من بذل جهده وفكره لوقف النزيف، خاصة أشقاءنا في مصر بقيادة أخينا الرئيس حسني مبارك، وتقتضي الأمانة هنا أن نقول لأشقائنا الفلسطينيين إن فُرقتهم أخطر على قضيتهم من عدوان إسرائيل. واذكرهم بأن الله عز وجل ربط النصر بالوحدة وربط الهزيمة بالخلاف مستذكراً معهم قوله تعالى: «واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا». وتوجه العاهل السعودي بصراحة كبيرة لقادة الأمة العربية بالقول: «إخواني.. يجب أن أكون صريحا صادقا مع نفسي ومعكم فأقول..
إن خلافاتنا السياسية أدت إلى فرقتنا وانقسامنا وشتات أمرنا، وكانت هذه الخلافات ومازالت عونا للعدو الإسرائيلي الغادر ولكل من يريد شق الصف العربي لتحقيق أهدافه الإقليمية على حساب وحدتنا وعزتنا وآمالنا.. إننا قادة الأمة العربية مسؤولون جميعا عن الوهن الذي أصاب وحدة موقفنا، وعن الضعف الذي هدد تضامننا، أقول هذا ولا أستثني أحد منا.
وفي خطوة كبيرة توجه الملك عبد الله للحضور بالقول: «لقد مضى الذي مضى، واليوم أناشدكم بالله جل جلاله ثم باسم الشهداء من أطفالنا ونسائنا وشيوخنا في غزة باسم الدم المسفوح ظلما وعدوانا على أرضنا في فلسطين المحتلة الغالية، باسم الكرامة والإباء، باسم شعوبنا التي تمكن منها اليأس، أناشدكم ونفسي أن نكون أكبر من جراحنا وأن نسمو على خلافاتنا وأن نهزم ظنون أعدائنا بنا، ونقف موقفا مشرفا يذكرنا به التاريخ وتفخر به أمتنا.
واختتم مناشدته بالإعلان باسم الجميع «أننا تجاوزنا مرحلة الخلاف، وفتحنا باب الأخوة العربية والوحدة لكل العرب دون استثناء أو تحفظ، وأننا سنواجه المستقبل بإذن الله نابذين خلافاتنا صفاً واحداً كالبنيان المرصوص، مستشهدين بقوله تعالى: ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم».
وختم العاهل السعودي كلمته بالقول: «أعلن نيابة عن أشقائكم شعب المملكة العربية السعودية عن تقديم مليار دولار مساهمةً في البرنامج المقترح من هذه القمة لإعادة إعمار غزة، مدركا في الوقت نفسه أن قطرة واحدة من الدم الفلسطيني أغلى من كنوز الأرض وما احتوت عليه».
وبعد ذلك عقدت قمة مصغرة في مقر إقامة العاهل السعودي في الكويت ضمت بالإضافة للملك عبد الله كلا من الرئيس المصري حسني مبارك والكويتي صباح الأحمد الصباح والقطري حمد بن خليفة آل ثاني والسوري بشار الأسد والملك حمد بن عيسى آل خليفة والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني.
وشهدت هذه القمة مصالحة سعودية سورية بعد خلافات كبيرة إثر تراكمات منذ اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري في 14 فبراير 2005.
كما شهدت القمة المصغرة مصالحة مصرية قطرية إثر الخلاف الذي نشب بين البلدين على خلفية الموقف من العدوان الإسرائيلي على غزة ودعوة قطر لقمة قاطعتها العديد من الدول العربية.
ولقي إعلان خادم الحرمين الشريفين عن تبرع بلاده بمليار دولار لإعادة إعمار قطاع غزة ترحيبا كبيرا من قبل القادة العرب المشاركين في القمة، وقاموا بالتصفيق لجلالته على لفتته الإنسانية الكريمة والتي تأتى في سياق حرص المملكة على دعم الأشقاء العرب في كل البلدان العربية وخاصة التضامن مع أهالي القطاع.
كما استقبل خادم الحرمين الشريفين العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، وثمن الأخير خلال اللقاء المضامين التي اشتملت عليها كلمة العاهل السعودي أمام مؤتمر القمة العربية الاقتصادية.
وبحث الزعيمان، بحسب وكالة الأنباء السعودية، الموضوعات المدرجة على جدول أعمال القمة بحضور مستشار خادم الحرمين الشريفين الأمير عبد العزيز بن عبدالله بن عبد العزيز. وكانت القمة العربية الاقتصادية بدأت أعمالها أمس وسط خلافات كبيرة داخل البيت العربي توجت بالانقسام إزاء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة الذي انتهى بوقف إسرائيل لإطلاق النار الأمر الذي قابلته الفصائل الفلسطينية بالمثل ممهلة جيش الاحتلال أسبوعاً للانسحاب من القطاع.
وكان الرئيس المصري حسني مبارك اقر في كلمته أمام القمة العربية الاقتصادية أن العلاقات العربية ـ العربية ليست في أحسن أحوالها، وأن هذه العلاقات يجب أن تقوم على أساس الوضوح والمصارحة وتطابق الأقوال والأفعال، مؤكدا أنه لا مجال في هذه العلاقات للالتواء والتطاول، ولا مجال للتخوين وسوء القول والفعل والتصرف وكأننا نعود بعالمنا العربي الى الوراء بدلا من أن ندفع به معا الى الأمام.
من جهته أكد الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى أن رأس مسؤولياته هو حماية البيت العربي من التصدع بل وتطويره وتحديثه، معتبرا أن «العيب يكمن داخل أسرة البيت العربي أكثر من خارجه».
وبدوره قال الرئيس السوري بشار الأسد إن الكل يعرف ويعيش تذبذب العلاقات العربية ـ العربية خلال العقود الماضية، وكلنا يعي أن مثل هذا التذبذب لا يمكن أن يؤدي إلى علاقات اقتصادية سليمة ومتطورة لأنه يضع لها سقفاً من الصعب تجاوزه مهما عقدنا من اتفاقيات ومعاهدات طالما لم نوفر لها الآليات والبنى التي تؤسس هذه العلاقات وتفصلها عن توجهاتنا السياسية وأمزجتنا الشخصية وهذا من شأنه أن يعطي الثقة والطمأنينة للمستثمرين والعاملين وينعكس إيجاباً على المواطنين.
الكويت ـ سباعي إبراهيم والوكالات

