في إحدى مستشفيات قطاع غزة المنكوب، وتحديدا في غرفة ثلاجة الموتى التي تعج بجثث وأشلاء الشهداء، جلس صامتا متألما مكتوف اليدين ينظر إلى جثة طفلين يجمعهما شبه كبير في الملامح، يظهر رغم الدماء التي غطت وجه احدهما. وبينما هو يقاوم دموعا ملأت مقلتيه، وحزنا شديدا يعتصر قلبه، خرجت الكلمات جزافا من شفتي أب تروي مأساة عائلة فقدت طفلين منهما، آثرا أن يطعما إخوانهما على أن يحتميا في حضن والديهما.
وبينما يتأمل ملامح طفليه لآخر مرة، تنهد محمد عاشور وبدأ يروي ل«البيان» قصة طفليه رضوان وعبد الرحمن محمد عاشور (12 عاما). وقال عاشور بحسرة وغصة: «نتيجة للقصف المتواصل في كل مكان، هربنا من منزلنا الذي نقطنه منذ سنوات إلى منزل آخر يفتقر إلى أدنى مقومات الحياة لاعتقادنا أنه قد يكون أكثر أمناً لنا جميعا». وتابع حديثه والدموع تملأ عينيه، «لم يكن في البيت ما يؤكل أو يشرب، وعندما لاحظ رضوان وعبد الرحمن ان إخوانهم الصغار ووالدتهم بلا طعام أو شراب، أرادوا أن يعودوا إلى بيتنا القديم لإحضار ما قد يجدوه من طعام هناك فما كان من الطائرات الإسرائيلية إلا وأن استهدفتهم.. هل هؤلاء الأطفال إرهابيين؟».
وبعد ان انهمرت دموعه كالمطر دون توقف، تابع عاشور قوله: «هذا ابني رضوان 12 عاما، كنت أتمني أن يكون طبيب في يوم من الأيام فقد كان متفوق جدا في الدراسة..
ولكن على ما يبدوا أن أحلامنا لن تتحقق مطلقاً». ومضى والد الشهيدين يقول: «إن إسرائيل حطمت كل أحلامي بقتل رضوان وعبد الرحمن الذي أيضا كان يحلم بأن يكون طيار يوما من الأيام»، وبعد بكاء وتنهيد واصل حديثه: «كان عبد الرحمن يقول لي دوما: يا بابا نفسي أكون طيار لكي أطير من غزة أوصلك إلي العالم وتري العالم.. كان يصف لي دائما حبه للطيران، وكان أيضا متفوقا في دراسته».
وأضاف عاشور، وهو يمسح الدماء عن رأس فلذة كبده رضوان: «هل هو إرهابي؟ تقصفه الطائرات الحربية الإسرائيلية وهو ذاهب لإحضار الطعام لأخوته.. كيف يعقل هذا وهي دوما تعلن انها تستهدف العسكريين؟ هل أطفالي هم من العسكريين؟».
وخلال الحوار مع والد الشهيدين، أوضح لنا أنه يعيل أسرة مكونة من 11 فردا، حيث يعمل بائعا للخضار ولا ينتمي لأي من التنظيمات الفلسطينية.
وقال: «كان كل همي أن اطعم أطفالي، وأن أوفر لهم قدر استطاعتي عيشة كريمة بعيدة عن أي خلافات أو ما يهدد حياتهم»، ثم يستدرك قائلا: «ولكن يبدو أن المشاكل والخلافات والأحزان أيضا تلاحقنا أينما كنا، حتى لو حاولت أن أبعد عنها..
فأنا فلسطيني من غزة، يبدو أن هذا هو ذنبي وتلك هي مشكلتي». وأشار عاشور وهو ينظر إلى طفليه الشهيدين، إلى أن «إسرائيل لا تريد أن يبقى أي فلسطيني على قيد الحياة، فهي تريد قتلنا جميعا استكمالا لمسلسل مجازرها التي لا زالت ترتكبها بحقنا».
ومضى الأب في حديث مشيرا إلى الشهداء من حوله، وهو يقول: «أنظر هنا 7 أطفال من عائلة الداية، وهذه امرأة من عائلة البيوك، وتلك هي أسرة قصفتها الطائرات على بكرة أبيها.. فهل عندما تقتل إسرائيل كل تلك الأسر والأطفال بإمكانها أن تمنع الإرهاب كما تدعي؟؟! هذا كله افتراء علي غزة وأهل غزة».
وأكمل حديثه بحسرة: «نحن تحت حصار خانق، لا يوجد طعام أو شراب في بيوتنا، ونعيش بدون كهرباء، لا نعرف ما هو ذنبنا؟». وبينما هو يكفن أبنائه تساءل الأب بألم يمزق قلبه: «أين الضمير العربي؟ أين الأمم المتحدة؟ أين العالم الأوربي؟ انظروا إلينا، هل أصبحتم صما وعميانا؟».
وليس بعيدا عن مأساة أطفال وأهالي غزة، يروي الطفل كرم جرادة (10 أعوام) قصته التي وصفها وكأنها «موعد مع طابور الانتظار الصباحي أمام باب المخبز». ففي الساعة السابعة صباحاً يستيقظ كرم من نومه، وقبل أن يتناول طعام الإفطار، يتوجه إلى المخبز القريب من منزله، والذي يعج بعشرات أو ربما المئات ممن سبقوه في انتظار الحصول على كمية قليلة من الخبز تسد جوع أطفالهم.
وكغيره ممن يصطفون أملا في توفير ما يلزمهم، يقف كرم الصغير في ذلك الطابور لساعات، وربما حتى المساء، دون أن يتحرك دوره للأمام سوى مرة أو مرتين، نتيجة شح كميات الدقيق المتوفرة لمخابز القطاع بسبب الحصار المفروض عليه منذ عامين.
ولكن الساعة الآن تجاوزت العاشرة صباحا، وبدأ الجوع والملل يسيطر على كرم، ورغم ذلك فالانتظار أمام المخبز أمر لابد منه، لأن العائلة واخوته الصغار ووالدته في انتظار ما يعود به لسد جوع الجميع. وبلهجة يعلوها الملل والضجر، يقول كرم: « لقد مللت من هذه الحال، كل يوم أقف من الساعة السابعة وحتى الواحدة ظهراً لأحصل على نصف ربطة من الخبز بالكاد تكفي عائلتي وأخوتي الصغار الخمسة».
وأضاف: «في السابق، كان الأمر سهلا نشتري الخبز من أماكن قريبة من منزلنا وبسعر زهيد، أما الآن فأقطع مسافات وأقف لساعات لأحصل على قليل من الخبز وبسعر مرتفع يصل إلى ضعف ثمنه في السابق».
وختم كرم حديثه، وهو يمسح جبينه الذي يتصبب عرقا: «حسبي الله ونعم الوكيل على من كان السبب في ذلك.. فما ذنبي أن أقف طوال هذه الفترة وأرهق جسدي لأحصل على لقيمات لا تسد ولا تغني عن جوع».
وعلى مقربة من كرم كانت تقف الطفلة نور رحمة (6 أعوام)، تنظر حولها تارة باستغراب وأخرى باستغاثة، لقد طال الانتظار وأنهكها الجوع والتعب، ومع ذلك عليها أن تواصل مسيرتها وإلا ستعود أدراجها مخيبة ظن عائلتها. وبعد انتظار طويل، حصلت نور على قليل من الخبز.
وقالت: «يا إلهي لقد سأمت هذا الحال ولن أعود في الغد إلى هذا المخبز الذي لا ينتهي طابوره»، ولكنها توقفت برهة وتابعت: «ولكن لا يوجد غيره في المنطقة فكل المخابز أغلقت أبوابها بسبب نفاذ الدقيق سأضطر إلى أن أتي هنا وأتحمل الهم الجديد الذي يتحمله الكثير من الأطفال».
وفي نهاية الصف، توجد طفلة أخرى تغلق بيديها علة بعض من النقود بحرص شديد، وتتأرجح يمينا ويسارا من طول الانتظار والتعب والجوع، فلابد أن ورائها هي الأخرى حكاية لا تختلف كثيرا في مضمونها، لأن لكل منهم حكاية حتى وإن كان للجميع حكاية واحدة.
غزة - حمادة حمادة

