خرج الفلسطينيون في ذهول الى شوارع غزة التي تناثر فيها الانقاض لانتشار موتاهم وسط رحلة البحث عن احبائهم، فيما اقتربت حصيلة الشهداء والجرحى من السبعة آلاف، وعمت صور الفوضى والدمار كل مكان.
وأعلنت مصادر طبية فلسطينية أمس، انتشال أطقم وفرق الإسعاف جثامين أكثر من مائة شهيدا فلسطينيا، منهم 18 شهيدا من عائلة واحدة، من تحت الأنقاض بعد تراجع الدبابات والآليات الإسرائيلية من شرقي القطاع وشماله. وقال الطبيب معاوية حسنين مدير عام الإسعاف والطوارئ في وزارة الصحة الفلسطينية: إن عددا كبيرا من جثامين الشهداء تم انتشالها من مناطق شرقي التفاح وجباليا وجبلي الريس والكاشف ومنطقة العطاطرة والقرم ومن عائلة السموني شرقي حي الزيتون شرق غزة».مضيفا أن هناك عشرات القتلى لا يزالون في مناطق متفرقة من قطاع غزة، خاصة التي كانت مسرحا للعمليات العسكرية لم تتمكن أطقم الإسعاف من الوصول إليها.
وتابع: «سيجري العمل على إخلائها اليوم بعد التنسيق مع الجانب الإسرائيلي لتتمكن طواقم الإسعاف من الدخول لتلك المناطق». وأعلن حسنين ارتفاع عدد القتلى الفلسطينيين منذ بدء العملية الإسرائيلية على قطاع غزة في السابع والعشرين من الشهر الماضي إلى أكثر من 1300 شهيد، بينهم 418 طفلا و110 سيدات و120 مسنا و14 من طواقم الإسعاف والدفاع المدني وأربعة صحافيين وخمسة من الأجانب و5400 جريح.
ومن جانبهم، قال مسعفون شاركوا في انتشال الجثث إنهم رأوا مشاهد «تقشعر لها الأبدان»، وأن أغلب الجثث بدت مقطعة إلى أشلاء وتظهر عليها بداية علامات التحلل وتنبعث من تلك المناطق روائح كريهة.
وأشاروا إلى أن غالبية الجثث التي عثر عليها كانت لأطفال ونساء مكثوا في بيوتهم مع بداية القصف، ولم تتمكن طوقم الإسعاف من إنقاذهم. كما أكد المسعفون أنه يتم دفن الجثث التي يتم العثور عليها مباشرة ولا يتم نقلها إلى المستشفيات نظرا لوضعها ووصولها إلى درجة من التحلل، قائلين إن تحديد هويات القتلى يرجع إلى ذويهم الذين يتعرفون عليهم.
وقال أحد رجال الشرطة الفلسطينية في بلدة بيت لاهيا شمال القطاع: «بعض الناس لا يمكنهم حتى التعرف على المكان الذي كان يوجد به منزلهم كي يصلوا للتعرف على من تركوهم خلفهم. وعلى الرغم من محاولة الجرافات التابعة للسلطات البلدية إزاحة الخرسانة المتساقطة بعيدا عن الشوارع، كي تفتح الطرق أمام عمليات الإنقاذ، إلا أن لا شيء يمكنه اخفاء نطاق الدمار الذي جلبته الآلة العسكرية الاسرائيلية. كما واجهت عربات الاسعاف صعوبة بالغة في التعامل مع الطرق الممزقة جراء القنابل وجنازير الدبابات كي تنتشل الجثث التي ترقد وسط الانقاض، وكأنها في مهمة للتوغي في جبال وعرة.
وبعد أن عاود الفلسطينيون المصدومون الظهور في شوارع قطاع غزة المغطاة بالانقاض لانتشال موتاهم، وفحص منازلهم المحطمة بعدد 22 يوما من الضربات الجوية والقصف الاسرائيلي المدمر. بدت الخسائر المادية في القطاع بكامله فادحة جدا، وجلست السيدات تنتحب بكاء فوق ركام منازلهن، وهم يخفين وجوههن وكان معظمهمن غير قادرات على الحديث جراء الحزن الشديد.
وكانت اخريات تفتش الانقاض ليجمعن المتعلقات العزيزة على قلوبهن في حقائب بلاستيكية. وقالت إحداهن بينما هي تمسك بقلادة: «هذا كل ما تبقى.»، بينما حاول الاطفال انقاذ الحقائب المدرسية والكراسات الممزقة.
وفي حين بدأت العائلات التي فرت من زحف القوات الاسرائيلية في العودة الى احياء يمكن التعرف عليها بالكاد لمعرفة من نجا بحياته ومن قضي أمره ، جلس الجميع يبكي حاله وحال من فقدهم أو أصبحوا يعانون ألما جما في المستشفيات وما تبقى لهم من البيوت.
وظل ما يجري، بدأ الأقارب والجيران يواسون بعضهم البعض، وقال لأحدهم لصديقه: «الحمد لله انك حي.. يمكن اعادة بناء المنزل.. ان شاء الله.». وبين الصدمة والبكاء، والألم والفراق، أضحى أهالي غزة في نكبة حقيقة شبيهة بتلك التي عايشها آباؤهم وأجدادهم من قبل.
وبدأ الكل يحاول التعرف على ما تبقى من ملامح اهلهم وذويهم. ففي حين تعرفت سيدة على رفات زوجها، وقالت وهي تحمل طفلا: «كان مقاتلا...لم نكن نعرف انه قتل...هذا الطفل اصبح يتيما.»، وبدأت بالدعاء قائلة: «عسى الله أن يعاقب اسرائيل ويعاقب أميركا... لقد قتلوا زوجي».
وفي الجهة المقابلة منها، تجولت «سرية»، وهي سيدة عجوز ترتدي ملابس سوداء بين انقاض المجمع السكني التي كانت تعيش فيه، وانتحبت وهي تصارع دموعها قائلة: «ماذا يتعين علي أن اقول.. هل يتعين علي أن اتحدث عن منزلي الذي دمر أمن أرضي التي جرفت...لقد خرجت بما ارتديه فقط.».
تلك هي حال الفلسطينيين في غزة، أحزان ودموع لا تتوقف وحطام وركام جعل كل ما تركوه خلفهم ذكرى، ودمار وخراب لا تقوى العين على تصديق ما تراه. وفي حين تبقى حصيلة الشهداء في تزايد مستمر لحين الانتهاء من عمليات انتشال الجثث، قدر المركز الفلسطيني المركزي للاحصاءات كلفة دمار البنى التحتية في قطاع غزة ب476 مليون دولار.
واضاف المكتب ان اربعة آلاف مبنى سكني دمر في القصف الاسرائيلي فضلا عن عن 48 مبنى ومقرا حكوميا و30 مركزا للشرطة، و20 مسجدا من اصل 795 موجودة في القطاع، كما قدر المكتب كلفة رفع الانقاض والركام بـ 500 مليون دولار اضافية.
وكانت الحكومة الإسرائيلية قد أعلنت أن وقفا لإطلاق النار من جانب واحد دخل حيز التنفيذ عند الساعة الثانية من فجر أمس الأحد. وذكرت الإذاعة الإسرائيلية صباح أمس أن هدوءا نسبيا ساد مختلف مناطق قطاع غزة بعد الإعلان عن هذا القرار.
في الوقت ذاته أكدت مصادر فلسطينية أن الآليات الإسرائيلية تراجعت من عدة مناطق كانت متوغلة فيها خاصة مدينة غزة لكنها أبقت على آليات في مناطق أخرى مثل شرق جباليا وبيت لاهيا.
غزة- ماهر إبراهيم والوكالات

