مسألة الأقليات هي واحدة من كبريات قضايا العصر. وهي موجودة في كل مناطق العالم. لكنها تتخذ في كل منطقة، وفي كل بلد، صيغة مختلفة عن المناطق والبلدان الأخرى. فهي في بعض البلدان تتخذ صفة وطابع مسألة قومية. وتتخذ في بلدان أخرى صفة وطابع مسألة دينية.
لكن المفارقة، في تعدد الصيغ التي تبرز فيها هذه المسألة، هي أنها تتخذ صفة وطابع مسألة قومية داخل الدين الواحد. كما تتخذ صفة وطابع مسألة دينية، أو مذهبية، داخل القومية الواحدة. فهي، بهذا التنوع والتعدد في أشكال وجودها، تزداد تعقيداً. والمقصود بالتعقيد في هذه المسألة هو أنها تصبح، في كثير من الأحيان، مستعصية على الحل. ويقود هذا الاستعصاء إلى صراعات لا تنتهي.
إذ تتحول هذه الصراعات في حالات كثيرة إلى حروب أهلية مدمرة لكل من الأقلية القومية أو الدينية ذاتها، ومعيقة لتطور البلد المعني برمته، في الوقت عينه.الحديث في مسألة الأقليات لا يعني، بالضرورة، أننا أمام مأساة تعاني منها هذه الأقليات القومية أو الدينية لوحدها. ذلك أن بعض الأقليات القومية والدينية تمكنت، في ظروف تاريخية معينة، من الاستيلاء على مقاليد السلطة في البلد الذي وجدت فيه، وشكلت جزءاً من تاريخه على امتداد عقود، أو أكثر. ومارست، من موقعها في السلطة، دور الجلاد للأكثرية التي كانت تضطهدها.
وثمة حالات أخرى تمكنت أكثريات كانت مقموعة من أقلية قومية من استعادة موقعها في السلطة كأكثرية، وانتقلت إلى ممارسة دور الجلاد ضد الأقلية التي كانت تضطهدها في الزمن السابق. ولن أدخل هنا في تعداد الأمثلة، التي لا تحتاج إلى كبير جهد من قبل القارئ لكي يعرفها بالأسماء وبالتفاصيل، سواء في العالم العربي، أم في بلدان آسيوية وافريقية، وحتى أوروبية كذلك.
أريد من هذا التحديد لأنواع الأقليات في تعدادها وتعداد أوضاعها أن أشير إلى التعقيدات التي تواجه البحث في مسألة الأقليات، قبل الدخول في البحث في أشكال تجليها في عالمنا العربي. والأساسي السائد في عالمنا العربي لوجود هذه المسألة هو الأقليات القومية، على وجه الخصوص، من دون التقليل من شأن الجانب المتعلق بالأقليات الدينية. وأمامنا صورتان بارزتان للشكل الأول المتصل بالأقليات القومية، هما الأكراد في العراق والجنوبيون في السودان.
ولكل من الحالتين تاريخها والشروط التي أدت ولا تزال تؤدي إلى استمرار تفاقمها. وإذا كانت قضية الجنوب في السودان تنحصر في بلد واحد هو السودان ذاته، إلا أن قضية الأكراد تشمل، إلى جانب العراق، كلاً من سوريا وتركيا وإيران. لذلك فإن المسألة الكردية، بهذا الاتساع، تتخذ صفة المسألة الأكثر صعوبة والأكثر استعصاء على الحل.