المتابع للسجال العربي الجاري حالياً على خلفية الحرب على غزة يلمس دون جهد كبير، تزايد وتيرة حالة يمكن وصفها بقصف مكثف بالمدفعية على قضية المظاهرات التي يشهدها العالم احتجاجاً على وحشية العمليات العسكرية الإسرائيلية التي أدت حتى لحظة كتابة هذه السطور إلى استشهاد وإصابة أكثر من 5 آلاف شخص أغلبهم من المدنيين ـ الأطفال والنساء.
فبعد فتوى الشيخ صالح اللحيدان رئيس مجلس القضاء السعودي بتحريم المظاهرات دينياً أياً كان سببها والتي عرضنا لها بالنقد والتحليل الأسبوع الماضي ـ راجع «البيان» 9 يناير ـ خرج علينا آخرون من بينهم الكاتب شاكر النابلسي والفنان عادل إمام بما يمكن اعتباره تحريماً سياسياً وفنياً لها.
ففي مقال حمل عنوان «خواطر شيطانية في اللعبة الحمساوية» راح النابلسي يكيل للمظاهرات الانتقادات على نحو يجد المرء معه نفسه في حيرة بشأن أيهما يصدق النابلسي الليبرالي الذي يدعو إلى تعزيز حرية الرأي والتعبير في تناوله لمفهوم الديمقراطية ضمن موسوعته حول «الفكر العربي في القرن العشرين» وتعزيز المجتمع المدني، أم النابلسي الذي يصف هذه الظاهرة الجماهيرية بالغوغائية ناعتاً أصحابها بالأمية الأبجدية والثقافية على نحو يشي بأنهم لا يفقهون شيئاً في حياتهم؟ ما يمثل تقويضا لأهم دعائم حرية الرأي. وهي رؤية يثور في مواجهتها التساؤل حول ماذا لو كانت هذه المظاهرات قد خرجت ضد نظام لا يرضى عنه النابلسي والأميركيون مثلاً.. هل كان يدرجها في عداد الغوغائية أم الطبيعة الديكتاتورية لمثل هذا النظام؟
وعلى المنوال ذاته راح الفنان عادل إمام يسخر من المظاهرات التي تجوب العالم منددة بالهجوم ومناصرة أهل غزة معتبراً إياها تفيد إسرائيل أكثر مما تضرها لأنها ـ حسب تعبيره ـ تضر باقتصاد بلادنا. تأتي هذه الانتقادات، من قبل النابلسي وامام، كمقدمة لتدشين هجوم من نوع آخر على المقاومة الفلسطينية في غزة الأمر الذي يستحق مناقشة تتجاوز هذا الحيز.
وإذا كان موقف إمام يعود لحسابات خاصة يدركها المتابع للشأن المصري، فضلا عن عدم ضرورة أن يكون الممثل على قدر كبير من الوعي والفكر، فإن ما أثاره النابلسي يستحق وقفات في ضوء كم المغالطات الكبيرة التي شابت ما ذهب اليه. يخبرنا النابلسي في تعريفه للحركة الوطنية بأنها هي التي تحافظ على أرض الوطن وتصونه وتسعى لإسعاده؟. والسؤال هو عن أي وطن يتحدث النابلسي؟ وفي الحالة الفلسطينية بالتحديد أين هو هذا الوطن ؟ وهل هو يريده لنا وطناً ذليلاً كسيحاً محتلاً أم وطناً معافى؟ إذا كان الأول فبئس الوطن الذي يختاره لنا.
يوجهنا النابلسي إلى أنه لو كانت المقاومة حركة دينية قويمة ؟ يقصد حماس ـ لاتبعت تعاليم الإسلام في مواجهة الأعداء من إعداد كامل للقوة والسلاح قبل مواجهتهم؟ والتساؤل الذي يرد على هذا الطرح هو كم مضى على الدول العربية مجتمعة وهي تحاول الاقتراب من مستوى الترسانة الإسرائيلية دون جدوى فما بالنا بالمقاومة التي تفرض عليها رقابة صارمة تحول دون تسلحها، ما يعني أنه حال الأخذ بنصيحته لن تكون هناك مقاومة ولن يكون هناك استعادة للوطن من المحتل؟
هذا إذا كان النابلسي يقر في الأصل بوجود احتلال! لا نجد فيما سبق من دعوات سوى توصيفها بما عنون به بلال الحسن أحد كتبه من أنها ليست سوى تعبير عن «ثقافة الاستسلام» وهي الثقافة التي تعكس أفكاراً تعمل بوعي من أجل هدم عوامل الصمود الذاتي في وجه الهجمات الاستعمارية الخارجية، أفكارا تتبنى الأجنبي والمحتل وتمهد الطريق لقدومه وسيطرته، الأمر الذي يتطلب النقاش معها من أجل كشف زيفها!