ثلاثة أيام ويختفي الرئيس جورج دبليو بوش وإدارته عن المسرح، ليصبح باراك أوباما الرئيس الفعلي للولايات المتحدة. وقبل رحيله حرص بوش على توزيع عبارات الأسف تجاه بعض الأخطاء الداخلية والخارجية، فمثلا اعتذر للاميركيين عن الأزمة الاقتصادية، كما أعلن ندمه عن تسرعه في الاعلان من فوق حاملة الطائرات (يو اس اس انتربيد) بأن الحرب انتهت في العراق.
هذا الأسف الذي تلوى فيه بوش لم يكن ليحدث لولا الاخفاق الذي مني به، وهو يغادر مقعده الرئاسي، فلو أنه نجح في تحقيق أهدافه في العراق مثلا لما تأسف، ولغادر بيته الأبيض منتفخا بالغرور، لأن جوهر تأسفه يعني اعترافا منه بالفشل تجاه ما حاول تحقيقه. لقد أدرك بوش بعد فوات الأوان أن هناك فجوة بين أمنياته وواقعها، فعندما كان يتحدث عن إنجازها كان يتحرك فقط من موقع قوتة، لكن قلة عربية صلبة استطاعت تعرية هذه القوة وكشف مواطن ضعفها.
وهذه القلة هي حركات المقاومة العربية الاسلامية في العراق ولبنان وفلسطين، ولولاها لاستطاع بوش إذلال العالم العربي كلة، ولاستطاع فرض مشروعاته ومخططاته عنوة على المنطقة، ومن ثم فإن كل عربي مدين بقدر حياته وعزة نفسه لحركات المقاومة، تلك التي لاتزال تتحمل العبء وحدها عنا الآن في فلسطين، فأهل غزة يدفعون حياتهم كي نعيش نحن، لكن نفرا منا يتجاهلون عمق هذا الدرس. هؤلاء هم بعض الساسة الذين يقدمون الهدايا السياسية وغير السياسية إلى كل إدارة أميركية واسرائيلية من دون تدقيق في جرائمها.
لقد كشفت الحرب الاسرائيلية الحالية في غزة، ومن قبلها في لبنان عورات النظام العربي، وبينت عمق الفجوة بين الرسمي والشعبي، فبينما تهدر الشعوب في الشوارع كراهية لاسرائيل والسياسة الأميركية فإن أغلب النظام الرسمي لايزال يخاطب ودهما بشتى الطرق .
وهكذا يعيش العرب مرحلة مصيرية، مر بها غيرهم، ومنهم الأميركيون الذين نجحوا في في تصعيد أوباما إلى المقعد الرئاسي ( مع الفارق). والآن وقد أوشك العرب على التعامل مع أوباما فإنهم (بحالتهم هذه) لن يحققوا أي إنجاز لأنفسهم ولقضاياهم، لأنهم لم يتفقوا بعد على حدها الأدنى، ويجب ألا نستغرب فنحن السبب في مآسينا قبل الأميركيين أو الاسرائيليين أو غيرهم.
ولقد قالت كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية قبل أيام إن العرب سيحترمون أميركا مع الوقت لأنها سعت إلى مساواتهم بها ليكون لهم نفس الحقوق ونفس القدرة على العيش بحرية. وهذه النظرة الاستعلائية العنصرية لم تكن لتحدث لولا ماخبرته رايس من حال العرب. وهذا الكلام هو ربما ماستقوله وريثتها في المنصب هيلاري كلينتون بعد أعوام مالم نغير أنفسنا، فليكن شعار العرب تجاه أنفسهم وتجاه أوباما هو التغيير، وإلا فسوف تظل دماؤنا مستباحة على مائدته أيضا، وهو صاحب شعار التغيير، الذي سيكون معناه (إذا استمر حالنا هكذا) هو التوجه إلى التهام عظامنا مباشرة، ليتفوق على ماكانت تفعله بنا إدارة جورج بوش.
