ليس غريباً على الكيان الصهيوني أن يحيل غزة إلى خراب ودمار ويسفك الدماء في وضح النهار ويستخدم زبانيته نيران فوسفورية محرمة دولية ضد الأطفال. فدعائم هذا الكيان قامت على جرائم الحرب التي ارتكبها حكامه الأوائل ـ وكلهم بلا استثناء سفاحون ومن يريد أن يتأكد عليه أن يتصفح أرشيف الانتداب البريطاني على فلسطين.
يكفيه أن يرى صورة مجرم قاتل مطلوب القبض عليه ضمن صفحات هذا الأرشيف وهو اسحق شامير الذي قاد إحدى العصابات الصهيونية (شتيرن) قبيل إعلان تأسيس الكيان الغاصب. هذا السفاح كان يتسابق مع رفيقه السفاح الأشهر مناحم بيغن زعيم عصابة «الأرغون» في الإعداد لحفلات قتل الفلسطينيين لإجبار من ينجو منهم على الخروج من فلسطين، ونجح القتلة في إبادة بلدة الشيخ ودير ياسين، وأتى بعدهم التلامذة الأوائل وعلى رأسهم شارون ليواصلوا مسلسل القتل في قبية وقلقيلية وكفر قاسم في الخمسينات. وهاهم القتلة الجدد أولمرت وباراك واشكينازي وليفي يسيرون على الدرب بمهارة فائقة أمام أعين العالم.
الأمر الغريب ليس فيما يفعله أحفاد وأبناء بن غوريون وبيغن وشارون وبيريز (رئيس الكيان الحالي حامل نوبل للسلام الذي تفنن في ارتكاب مذبحة قانا). ولكن في أولئك الذين يقودون المجتمع الدولي ويفترض أنهم يسهرون على تطبيق قوانينه ومواثيقه، ويلتزمون الصمت ـ ومعهم بني العروبة والإسلام ـ وكأن في ذلك شهوتهم، وفي ذبح الفلسطينيين لذتهم ومتعتهم.
جرائم الماضي.. أسقطها المجتمع الدولي بالتقادم ولسان حاله يقول للمتضررين والضحايا عفا الله عما سلف وكأن إسرائيل تستحق أن تنال العفو تحت ذريعة أنها لم تكن وقتها قد استوعبت نصوص القانون الدولي وأنها كانت عضوا مستجدا في المنظومة الدولية. وبخيبة أمل أو حسن نية وسذاجة.. ارتضينا والتزمنا الصمت حتى بعد ارتكاب السفاح ارييل شارون مذبحة صبرا وشاتيلا قبل ربع قرن.
أما جرائم الحاضر.. وهي أبشع من جرائم الماضي الذي لم تسجل فيه عدسة مصور أو كاميرا فيديو مشاهد الدمار والقتل وسفك الدماء. فليس مقبولا على الإطلاق السكوت عليها. الصمت فيما حدث ويحدث في غزة جريمة في حد ذاته ووصمة عار في جبين كل صامت سواء كان عربيا أو مسلما أو أجنبيا. جرائم الحاضر.. أولا ارتكبت في وضح النهار ورصدتها كاميرات المصورين في ظل إعلام لا يستطيع أن يخفي ما أخفاه القتلة الأوائل في الأربعينات والخمسينات.
كل ما حدث مرصود والجاني لا يخفي معالم جريمته بل لا ينكرها ويتباهى بها. وان أخفى شيئا فهناك معالم أخرى للجرائم.. من يريد أن يسأل عنها.. يراها على وجوه ضحايا الفوسفور الأبيض والأطفال المبتورة أطرافهم وأنقاض المستشفيات والمنازل التي قصفها بنو إسرائيل. وثانيا ـ يتوافر أمام أي محكمة دولية.. الادعاء الرسمي والدولي الذي يحمل وثائق الاتهام. ادعاء تمثله منظمة العفو الدولية ومجلس حقوق الإنسان والصليب الأحمر ووكالة «الأونروا»، ومع هؤلاء منظمة أميركية «هيومان رايتس»، وكلها منظمات أجمعت على أن ما حدث في غزة جرائم حرب تستحق العقاب.
وثالثا ـ هناك رأي عام عربي وإسلامي ودولي وإعلام غربي يضغط الآن بشدة على الصامتين عسى أن يتحركوا لمحاسبة حكام تل أبيب. فهل من مجيب؟
للأسف.. يحتمي القتلة بدرع الفيتو الأميركي. ويطمئنون أيضا أنهم بمنأى عن العقاب، لأن من عليه أن يحرك الدعوى الجنائية الدولية يستمتع بشهوة الصمت.