مرة تلو المرة وأزمة بعد أزمة، تتعرّض هيبة الأمم المتحدة للمزيد من التآكل. بعد كل ملف يطرح أمامها وبالتحديد أمام مجلس الأمن، تخرج وصورتها ومكانتها باهتة ومهمشة أكثر. يجري إفشالها في لعب الدور المنوط بها، فيتضاءل حضورها وتتقلّص فعاليتها. قرارات مجلس الأمن، إما يجري القضاء عليها في المهد، بسيف الفيتو؛ فلا تبصر النور. وإما تصدر وتنتهي مرميّة على الرفوف بدون تنفيذ؛ لأن الآليات معقّدة أو معطّلة. آخر ضحيّة، من هذا النوع الأخير؛ كان القرار 1860 قبل أيام؛ الذي دعا إلى وقف فوري لإطلاق النار في الحرب على غزة.

عملية تآكل المنظمة الدولية وإضعافها،تعود في جذورها إلى العلّة الأصلية، التي رافقت ولادتها. الامتياز الخاص الذي تمّ منحه للخمسة الكبار والمتمثل بحق النقض؛ أسّس للعجز الذي يكاد يجعل من هذه المرجعية، هيئة مقعدة. كان لذلك التدبير ظروفه.

كما كان المأمول، أن يتحقق معه قدر مطلوب من التوازن داخل المجلس. لكن الحيتان الكبيرة خطفته وحوّلته إلى واحدة من أدوات صراعاتها، زمن الحرب الباردة. الكل لجأ إليه، في تلك الحقبة ولو بدرجات. لكن الأرقام الأميركية، المتعلقة بإسرائيل، ضربت الرقم القياسي. آخر سبع فيتوات استخدمتها واشنطن، كان ستة منها لصالح إسرائيل. في تاريخ المجلس لجأت أميركا إلى هذا الامتياز 76 مرة، من أصلها 35 مرة لتعطيل مشاريع قرارات ضد تل أبيب!

لكن التخريب على الأمم المتحدة وفعالية دورها؛ لم يقتصر على الفيتو. الشق الأكبر منه، تمثّل في تجاوزها. خاصة من جانب الولايات المتحدة. وبالذات، خلال السنوات الثماني الماضية. كانت عوارض القفز فوق المنظمة، قد بدأت تتجلّى بوضوح؛ مع مجيء إدارة ريغان في مطلع الثمانينات. أخذ ذلك عدة أشكال. مع وصول بوش والمحافظين الجدد، إلى البيت الأبيض؛ أخذ الاستهتار بالأمم المتحدة يتحول إلى خلخلة، بل إلى شطب، لدورها.

الرئيس بوش، سارع من دون خسارة وقت إلى ترجمة هذا التوجه، على كل صعيد. وقف بوجهها، في قضايا البيئة. كذلك وقفت إدارته ضد اتفاقية حظر استخدام الألغام الأرضية، التي رعتها الأمم المتحدة. كما أخذت الموقف نفسه إزاء مشروع المحكمة الجنائية الدولية.

ثم تجاوزت الأمم المتحدة بصورة فاضحة، عندما افتعلت الحرب الجائرة على العراق. والأخطر، أن هناك تفكيرا متداولا في أميركا، تجلّى خلال حملة المرشح الرئاسي ماكين، بالتخلي عن المنظمة الحالية واستبدالها بأخرى لـ »الدول الديمقراطية» فقط. أدّى كل ذلك، إلى شحن العدوانية الإسرائيلية بالمزيد من عوامل الانفلات والتمرّد، مع مواصلة تأمين الحماية لها.

وقد جاء قرار مجلس الأمن الأخير، ليؤكد ذلك. بامتناعها عن التصويت عليه ؟ رفعاً للإحراج والعتب ر تركت واشنطن سيف الفيتو معلقاً فوق رقبة القرار اللاحق؛ الذي لابدّ من اللجوء إليه، لتحديد آلية تجبر إسرائيل على التنفيذ. بذلك تكون، عملياً، قد عطّلت، من البداية، دور مجلس الأمن في هذه الأزمة. علماً بأنه كان على إسرائيل، بحسب المادة 25 من ميثاق الأمم المتحدة. قبول 1860 وتنفيذه. لكن التعطيل الأميركي، ترك إسرائيل طليقة.

حالة الشلل المتمادي، للأمم المتحدة؛ لا تهدّد دورها فحسب؛ بل أيضاً وجودها. إدارة أوباما القادمة مطالبة بتصحيح التخريب الكبير الذي تركته إدارة بوش؛ لتجديد وتزخيم دور المنظمة الدولية،كحارس للأمن والسلام العالميين. بخلافه، هي باتت محكومة بالمزيد من التلاشي.

Vic-shal@hotmail.com