ولعل من أكثر ما يثير التساؤل، في مسألة الأقليات، هو أن السلطات في البلدان التي برزت فيها هذه المسألة، ليس فقط في البلدان العربية، بل في معظم بلدان العالم الثالث، أنها، أي هذه السلطات، لم تبذل أي جهد في العمل لحلها. بل إن القوى التي وصلت إلى مواقع القرار في السلطة بعد حصول بلدانها على الاستقلال، تجاهلت هذه المسألة، ومارست كل أشكال القمع للأقليات القومية والدينية في بلدانها.

والمفارقة العجيبة هنا هي أن القوى السياسية الممثلة للأكثريات القومية والدينية في هذه البلدان، وفي بلداننا العربية خصوصاً، قد سلكت في تعاملها مع الأقليات القومية والدينية الطريق ذاته الذي سلكته الدول الاستعمارية في تعاملها مع تلك القوميات الكبيرة بالذات، ومنها قوميتنا العربية بالتحديد، خلال عقود طويلة في حالات معينة، وخلال قرون عديدة في حالات أخرى. واستمرت حكومات هذه البلدان وقومياتها الكبيرة في العهود المختلفة، على امتداد نصف قرن ونيف، بعد الحصول على استقلال بلدانها، في ممارسة أنواع شتى من القمع والقهر والإذلال للأقليات القومية، بما في ذلك باللجوء إلى ما يشبه الإبادة الجماعية بواسطة الأسلحة المحرمة دولياً، كالأسلحة الجرثومية وسواها.

ومثال مدينة حلبجة في كردستان العراق هو النموذج الحي الصارخ على تلك الهمجية، باسم القومية الكبرى عدداً ضد القومية الأصغر عدداَ. وكان الهدف من وراء سياسة القمع تلك هو استيعاب تلك الأقليات، أو قتالها إذا هي رفضت الاستيعاب، وتمردت على أصحابه، وتمسكت بهويتها القومية، وناضلت دفاعاً عنها.

المنطق الذي استندت إليه الحكومات المتعاقبة في هذه البلدان إزاء الأقليات القومية، من أقاصي القارة السوداء إلى أقاصي الشرق الآسيوي، مروراً ببلداننا العربية، هو اعتبار أن مجرد الاعتراف لهذه القوميات بحقوقها القومية، هوية وثقافة ولغة، والسماح لها بممارسة تلك الحقوق، سيقودها إلى الانفصال عن الدولة الأم، التي تتحكم بها القومية الأكبر عدداً. وكان ذلك يعتبر، بنظر حكومات تلك الدول، تهديداً للوحدة الوطنية في البلاد، وفق المفهوم المبتذل المتداول للوحدة الوطنية. فهذا الفعل الذي تتجرأ الأقليات القومية على ارتكابه دفاعاً عن حقوقها، هو إذن، بهذا المعنى، وفق منطق أرباب القومية الكبرى، الخيانة بعينها، التي يستحق مرتكبوها العقاب في أقصى درجاته، بما في ذلك بالإبادة الجماعية، أو ما يشبهها، أو يصل إلى حدودها.

وفي هذا الموقف بالذات، من قبل تلك البلدان ومن قبل قياداتها، وحتى من قبل أقسام واسعة من نخبها السياسية والثقافية، إزاء الأقليات القومية وإزاء مطالبتها بحقوقها في حدود البلاد وفي إطار وحدتها الوطنية، وخارج المطالبة بالانفصال كحق مشروع لها، هو تعبير فظ عن التنكر لمبدأ أساسي قديم هو الحق المقدَّس للشعوب وللقوميات في تقرير مصائرها بحرية، إما داخل الدول التي تعيش فيها، او في الانفصال عن هذه الدول، وتشكيل دولها الخاصة بها. وقد كان من أروع الأمثلة على احترام هذا الحق المبدئي من قبل الأكثريات القومية إزاء الأقليات القومية هو ما اتخذه لينين، في أعقاب انتصار ثورة أو كتوبر، وبداية تشكل الإتحاد السوفييتي. إذ استجاب، يومذاك، لمطلب الفنلنديين بالاستقلال عن روسيا وبإعلان دولتهم المستقلة خارج نطاق الإتحاد السوفييتي. وتكونت، بفعل ذلك القرار الحكيم، علاقة صداقة قوية بين الإتحاد السوفييتي وبين الدولة الفنلندية المستقلة على امتداد عمر الدولة الاشتراكية الأولى في التاريخ.

موقف النخب

المفارقة هنا هي، كما أشرت إلى ذلك قبل قليل، أن قادة هذه البلدان، ومن ضمنها بلداننا العربية، ونخبها السياسية والثقافية في السلطة وخارجها، الذين ينتمون إلى القومية الأكبر، كانوا ذات يوم، قبل أن تنتزع بلدانهم استقلالها من الدول الاستعمارية، هدفاً مباشراً لشتى أنواع الاضطهاد والقمع والقهر، وأن ثقافتهم وهويتهم القومية كانتا هدفاً للإلغاء والإدماج، بالإكراه، في ثقافات الدول المستعمرة، وأن لغتهم القومية كانت مهددة بالإزالة من الوجود لصالح لغة الدولة الاستعمارية (التتريك والفرنسة نموذجاً!).

سيكون من الصعب في هذا المجال الدخول في بحث عام يشمل هذه المساحة الشاسعة من الكرة الأرضية التي تضم سدس سكان المعمورة، في شرق العالم وفي جنوبه. لذلك سأتوقف عند الجانب الذي يعنيني في هذه المسألة، الجانب الخاص ببلداننا العربية تحديداً. ذلك أن هذه المسألة تشكل في بلداننا الحقل الأكثر إغراءً للبحث وللجدل، والأكثر إثارة للاهتمام وللاستنكار، في الوقت عينه. والمؤلم في المشهد الذي يتكرر في بلداننا منذ عقود طويلة ـ المشهد الشديد الإيلام ـ هو أن ثمة ما يشبه الإجماع بين التيارات والنخب السياسية، على مستوى السلطات الرسمية وعلى مستوى الأحزاب والمؤسسات، القومية الطابع في أيديولوجيتها، وفي وسط المثقفين كذلك من الاتجاه ذاته، الإجماع ـ أو ما يشبهه ـ على رفض الإقرار للأقليات القومية في بلداننا بحقوقها القومية، حتى في أبسط أشكال التعبير عن هذه الحقوق.

حقوق الانسان

ولا يتعلق الأمر، هنا، بحق تقرير المصير، فقط، الحق الذي يشكل أحد العناصر الأساسية في شرعة حقوق الإنسان التي يجري الاحتفال بالذكرى الستين لإعلانها. بل هو يتعدى ذلك الحق المقدس إلى ما هو أبسط من ذلك، أعني حق هذه الأقليات بأن تعبِّر بحرية عن ذاتها، عن هويتها الثقافية والقومية، وأن يكون لها في البلد الذي تنتمي إليه وتصر على أنها جزء مكون منه ومن شعبه، حقوقها المتساوية مع الآخرين في كل ما يتصل بالشأن العام، وفي كل ما يتصل بالشؤون الخاصة بالمجموعات وبالأفراد، على حد سواء.

والغريب، في هذا المشهد بالذات ـ الشديد الغرابة ـ هو أن هذا السلوك من قبل القومية الأكبر عدداً ضد القوميات الأصغر عدداً، إنما يتم، في بلداننا، في الوقت الذي تتمادى فيه السلطات الإسرائيلية في قمعها للشعب الفلسطيني، ومنعه من تحقيق أمانيه الوطنية في الاستقلال، وفي التعبير عن ذاته، هوية قومية وثقافية، وكياناً بشرياً، وأرضاً، ودولة، وخصوصيات تاريخية أخرى. يتم ذلك القهر القومي للشعب الفلسطيني، وسط عجز مطلق من قبل الدول العربية ومن قبل قواها السياسية، عن التضامن الفعلي مع هذا الشعب، وعجز مطلق من قبلها جميعاً، عن دعمه في كفاحه البطولي الحافل بالتضحيات.

أكثر من ذلك وأشد مرارة هو أن أقساماً واسعة من القيادات السياسية ومن النخب الثقافية الفلسطينية، المناضلة من أجل حقوقها القومية، لا تزال عاجزة عن تحديد المعنى الحقيقي، التاريخي والواقعي، لهذه الحقوق. ولا تزال عاجزة عن فهم الوقائع الصعبة والمعقدة، التي تحيط بالقضية الفلسطينية منذ قيام دولة إسرائيل، والوقائع الصعبة والمعقدة التي تسود في منطقتنا وفي مناطق أخرى في العالم. وسيكون من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، أن يؤدي غياب هذا الفهم لمجمل هذه الوقائع إلى تحقيق الأماني الوطنية للشعب الفلسطيني. إذ سيظل هذا الشعب، في هذه الظروف، يقدم التضحيات الجسيمة، وسيظل عاجزاً عن سلوك الطريق الذي يقوده إلى تحقيق مطامحه القومية وأهمها إقامة دولته الوطنية الكاملة السيادة على أرض وطنه فلسطين، وعاصمتها القدس.

ما سر هذه الحالة «الإنسانية» البشعة، التي تشوه تاريخنا بفعل استمرارها في بلداننا، ولا تجد من القوى السياسية والشعبية ما يمكِّن هذه البلدان من التحرر منها؟! فالتحرر من هذه الحالة هو شرط ضروري لتحقيق الحرية الحقيقية لبلداننا، الحرية في كل معانيها، والتقدم الحقيقي لها في المجالات كافة.

مرارة الحروب الاهلية

إن تاريخاً طويلاً من الحروب الأهلية في العراق وفي السودان وفي بلدان عربية أخرى يكفي لإثبات أن سياسة الاضطهاد القومي تدمر ولا تبني، تؤخر ولا تقدم، وتجعل الأكثرية الساحقة من أبناء الوطن، قومية كبرى وقوميات أصغر، الضحية المباشرة لتلك السياسات. إلاَّ أن المشكلة في العراق لا تنحصر في الأكراد وحدهم. بل هي تشمل جميع الأقليات القومية من تركمان وكلدان وأشوريين ويزيديين وصابئة. لكن الأكراد هم الأقدم والأكثر عراقة في تاريخ المنطقة كلها، والأكثر عدداً بالنسبة إلى الآخرين من الأقليات في العراق. إذ هم، أي الأكراد، يشكلون ربع أو خمس عدد سكان هذا البلد. ورغم أن للشعب الكردي جذوراً تاريخية قديمة، فإنه لم يستطع، كما يقول المؤرخون، لأسباب ولظروف عديدة أهمها قمع القوميات الكبرى له في بلدان المنطقة، من أن يشكل له كياناً مستقلاً في أي من هذه البلدان. ويضيف المؤرخون بأن هذا الشعب قام بأكثر من ألف ثورة لتحقيق طموحاته القومية.

وقمعت جميع تلك الثورات. وتعطَّلت بذلك إمكانية تحقيق الحلم القومي الكردي، أو تأجَّلت، ليتخذ المطلب القومي المشروع صيغة، أو صيغاً أخرى، داخل كيانات تلك الدول، ويحتل الشعب الكردي مع تلك القوميات مكانه كجزء مكوِّن من هذه الدول ومن شعوبها، وكجزء مكون من تاريخها الحديث، وكجزء مكون من مستقبلها، في الآن ذاته..

ولا يختلف الوضع في السودان في الجوهر عما ساد في العراق. فالسودان دولة افريقية قديمة. دخلت إليها العروبة عن طريق الإسلام. لذلك فإن السودانيين العرب، بهذا المعنى، هم عرب مستعربون، أسوة بالعديد من العرب في الأزمنة القديمة والمعاصرة، مثل مصر وشمال افريقيا. وقد شكَّل الإسلام مع مرور الزمن دين الأكثرية في هذا البلد، مع وجود أقلية افريقية مسيحية كبيرة في جنوب البلاد، وفي شرقها وغربها.

وإذا كان قد تأخر السودانيون الأفارقة في جنوب البلاد في طرح قضيتهم بشقَّيها القومي والديني داخل الوطن السوداني، فإن مجرد البدء بطرح مسألة الحقوق القومية قد وضعهم في قفص الاتهام، بذريعة تهديد وحدة الوطن ووحدة الشعب، فاستحقوا العقاب. وإقليم دارفور، اليوم، هو النموذج الآخر للاضطهاد القومي في السودان، بعد اتفاق السلام مع الحركة الشعبية في الجنوب. ومعلوم أن الحرب ضد الجنوبيين استمرت أكثر من نصف قرن، في أعقاب حصول السودان على الاستقلال. فهل سيكون على الحرب في إقليم دارفور أن تستمر طويلاً لكي يكون بالإمكان الوصول إلى حل سلمي لها، أسوة بما حصل في الجنوب؟!

مقولات القومين

يقول بعض «القوميين العرب»، ممن جعلوا أنفسهم في موقع أصحاب القضية القومية الحصريين بالنيابة عن كثيرين سواهم، أن ممثلي الأقليات القومية من نخب سياسية وثقافية واجتماعية هم الذين يتحملون المسؤولية عن الوضع الذي هم وقضيتهم القومية فيه. فهم، بإصرارهم على التمسك بحقوقهم القومية، قد وضعوا أنفسهم في موقع المتميز عن المواطنين من القومية الأكبر! ويضيف هؤلاء «القوميون» بأن الخطأ المميت لممثلي الأقليات القومية، سواء في العراق أم في السودان، أم في بلدان شمال أفريقيا، هو استقواؤهم بقوى خارجية للدفاع عن مطالبهم، ضد أشقائهم وضد الوطن الذي هو وطن الجميع!

الأمر الذي جعلهم، في نظر هؤلاء الأشقاء، أشبه بطابور خامس في قلب الوطن، ضد وحدة أرضه ووحدة كيانه ووحدة شعبه! ولم يسأل أحد من هؤلاء القوميين نفسه عن السبب، أو الأسباب التي خلقت الظروف لكي ترتكب تلك القيادات من الأقليات القومية مثل تلك الأخطاء، والتي كانت قد سبقتها إلى ارتكاب مثلها قيادات القومية الأكبر. وغاب عن هؤلاء أن ثمة، في هذا الوضع المأساوي، فعلاً ورد فعل. وبقدر ما اتخذ الفعل خلال عقود طويلة طابع الثبات فإنه قد ولّد مع الزمن ردود فعل من الطبيعة ذاتها. لنتذكر، هنا، أن بعض الأقليات القومية والدينية التي انتقلت، في صدف تاريخية، إلى مواقع السلطة بعد عقود طويلة من الاضطهاد، قد مارست وسائل القهر ذاتها، التي كانت هي ضحيتها في السابق، ضد القوميات والأديان الأخرى الأكبر.

لكن الأكثر إثارة للدهشة في هذا المجال هو أن هؤلاء «القوميين» ونظرائهم يتجاهلون، في التعبير عن مواقفهم العنصرية هذه، الموضوعة التي تشبه القانون الموضوعي، القائلة بأن أي شعب يسعى لفرض السعادة على شعب آخر بالقوة والاكراه- السعادة التي يحددها هو لذلك الشعب بالنيابة عنه يقع هو ذاته ضحية تعسفه. ألا تشير الى ذلك بوضوح قاطع أوضاع بلداننا العربية من المحيط إلى الخليج؟ وهي الأوضاع التي تسود في بعضها، منذ زمن طويل، أنظمة الاستبداد التي تعيث فيها فساداً وتدميراً مادياً وروحياً، وتبقيها في حالة متفاقمة من التخلف الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. وتتفكك فيها المجتمعات.

ويتحول الشعب الواحد الى قبائل من شتى الأنواع، تتصارع فيما بينها بشتى الوسائل. ويتحول فيها المواطنون الى رعايا من الدرجات الدنيا، رعايا لأنظمة لا يفكر القيمون عليها إلا بتأبيد سلطاتهم وتعظيم مصالحهم فيها. ويتشوه مفهوم الوطن، بفعل انكفاء المواطنين عن الانتماء إليه، من خلال تحولهم إلى انتماءاتهم الدينية والطائفية والقبلية، بديلاً من انتمائهم إلى هذا الوطن.

لا بد من إعادة نظر شاملة بأفكارنا القديمة، وبشعاراتنا، وبمفاهيمنا حول المسألة القومية في بلداننا، وحول المسألة القومية في شكل عام. وهي إعادة نظر ينبغي أن تأخذ في الاعتبار أن وحدة بلداننا، أسوة بوحدة بلدان العالم قاطبة، هي النموذج المفترض للوحدة التي يتجه نحوها العالم. وهي وحدة، هنا وهناك، محلياً وإقليمياً وعالمياً، لا يمكنها أن تتحقق في صيغة إنسانية عادلة إلا على قاعدة الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والاعتراف المبدئي والعملي بالتعدد والتنوع في القوميات والثقافات والأديان، وبالتفاعل الإنساني بين هذه القوميات وثقافاتها، وذلك لمصلحة الحرية والتقدم، بمضامينهما المختلة، للأفراد وللمجموعات في كل بلد، وللبشرية جمعاء.

مواقف مؤلمة

والمؤلم في المشهد الذي يتكرر في بلداننا منذ عقود طويلة ـ المشهد الشديد الإيلام ـ هو أن ثمة ما يشبه الإجماع بين التيارات والنخب السياسية، على مستوى السلطات الرسمية وعلى مستوى الأحزاب والمؤسسات، القومية الطابع في أيديولوجيتها، وفي وسط المثقفين كذلك من الاتجاه ذاته، الإجماع ـ أو ما يشبهه ـ على رفض الإقرار للأقليات القومية في بلداننا بحقوقها القومية، حتى في أبسط أشكال التعبير عن هذه الحقوق.

تجديد الرؤية

لا بد من إعادة نظر شاملة بأفكارنا القديمة، وبشعاراتنا، وبمفاهيمنا حول المسألة القومية في بلداننا، وحول المسألة القومية في شكل عام. وهي إعادة نظر ينبغي أن تأخذ في الاعتبار أن وحدة بلداننا، أسوة بوحدة بلدان العالم قاطبة، هي النموذج المفترض للوحدة التي يتجه نحوها العالم. وهي وحدة، هنا وهناك، محلياً وإقليمياً وعالمياً، لا يمكنها أن تتحقق في صيغة إنسانية عادلة إلا على قاعدة الديمقراطية، وحقوق الإنسان.