تواجه المظاهرات في عالمنا العربي في أغلب الأحوال بإجراءات احترازية مكثفة من قبل السلطات، فيما نجد في المقابل أغلب الأسر تحول بين أولادها وبين هذه التجمعات، خوفا من التداعيات التي غالبا ما تصاحبها، منها الهتافات الخارجة التي تخرج عن مضمون التظاهرة أو الهدف منها، وكذلك الصدامات وعمليات التخريب التي تطول حتى المواطن العادي بأضرار كبيرة، وتحدث إصابات في أوساط المشاركين فيها أو المارة من الأبرياء، ما يستدعي تدخل السلطات ويتفاقم الصدام الذي يجر إلى نتائج غير محمودة.

ومن هنا انتقد خبراء السياسة والقانون ورجال الدين تلك المظاهر التي دائما ما تشهدها البلدان العربية التي تكون غالبًا مصحوبة بأعمال التكسير والتخريب والهدم، مطالبين الحكومات والمسؤولين داخل هذه البلدان بضرورة وضع قوانين تنظيمية تسمح لهؤلاء بالتعبير عن حاجاتهم، خاصة أن ذلك حق مكفول للجميع لتحقيق التوازن الاجتماعي والاستقرار السياسي. كما رفض الخبراء كذلك السلوكيات التي يقوم بها هؤلاء المعتصمون من سب واستخدام ألفاظ جارحة، خصوصًا أن العديد منهم ليس صاحب حق، مما يؤكد حرمة وعدم شرعية الخروج عن الأهداف المطلوبة.

الكاتب والمفكر السياسي صلاح عيسى ينظر إلى هذه الاعتصامات والاحتجاجات في ضوء ضوابط محددة ويقول: أهم هذه الضوابط أن أكون أنا المعتصم صاحب حق فيما أطالب به، حيث نرى العديد من الأشخاص الذين يستخدمون بعض الآليات المحظورة قانونًا كالتكسير والتخريب ليس للمطالبة بالحقوق، ولكن لأخذ ما هو ليس من حقهم.. ولفت إلى أن الاعتصامات والإضرابات لابد أن تكون سلمية، ولذلك فغالبًا ما نسمع في الدول الأجنبية اعتصاما أو إضرابا سلميا، وهذا ما يفترض أن يمارس في البلدان العربية، فالديمقراطية تعني ألا أفرض رأيا بالعنف، وأن أتخذ الحوار وسيلة وأداة للتفاوض للحصول على حقي.

وانتقد عيسى القوانين العربية عامة لأنها تحظر الاعتصامات والإضرابات، مطالبًا بإلغائها، وإيجاد قوانين منظمة لهذه الوسائل الاجتماعية، وخلق قواعد يلتزم بها جميع الأطراف، بهدف وجود حقوق مقننة.. مطالبا عند القيام بمثل هذه الأمور إخطار الجهات المسؤولة عن ذلك، ومسار هذا الإضراب أو غير ذلك كنقطة البداية والنهاية، والمكان الخاص بذلك، لأنه من حقي المطالبة بحقوقي، ولكن ليس من حقي تعطيل الطرق ومصالح الآخرين، موضحًا أن هذا ليس معناه استئذانًا من قبل المسؤولين وإنما إخطار، وهناك فرق بين الاثنين، فالأول معناه أن الحكومة قد توافق أو ترفض، أما الثاني فمعناه أنك سوف تقوم بما تنوي به، وعلى الجهات المسئولة توفير الأمان لك، وضمان عدم التعدي عليك.

وأشار عيسى إلى أن هناك بعض الأشخاص قد يطالبون ببعض المطالب ويقيمون مظاهرات بغرض ذلك، وهناك بعض الأشخاص يرفضون هذه المطالب، ويقيمون أيضًا مظاهرات لمنع ذلك، ولذلك فرجال الشرطة يقع عليهم دور حماية الطرفين من مثل هذا الأمر، واللجوء إلى الحوار والمناقشة بين الطرفين للتوصل إلى حل سلمي.

وسائل حديثة للتعبير

من ناحيته يستنكر الدكتور رفعت سيد أحمد - مدير مركز يافا للدراسات الاستراتيجية تصادم المحتجين أو المضربين مع رجال الشرطة، أو الدخول في مهاترات ومعارك قد تؤدي إلى إصابة البعض، وموت البعض الآخر. وأشار في هذا الصدد إلى أن هناك العديد من الوسائل الحديثة التي يمكن استخدامها كأجهزة الإعلام سواء المرئية أم المقروءة للوقوف بجانبي إن كنت فعلاً على حق، وإقامة بعض المؤتمرات والندوات لبيان حقيقة الأمر، حول ما أطالب به، فإن لم تأت هذه الوسائل بحل، فمن حقي أيضًا الإضراب عن العمل، وعدم العودة إليه إلا بعد حصولي على حقوقي كاملة، وتنظيم المظاهرات السلمية بدون سباب أو شتائم جارحة، لأن في هذه الحالة قد أتعرض للمساءلة القانونية، ولكن يجب أن يتم ذلك عن طريق رفع لافتات مكتوب بها ما أريد دون التنديد بأي شخص أو جهة، والذهاب بهذه اللافتات إلى الجهات المسؤولة لإعلامهم بمطالبي، رافضًا كل ما يحدث حاليًا من مظاهر وإضرابات هدامة أكثر منها بناءة.

حرية عامة

في السياق ذاته يرى المستشار محمد حامد الجمل - رئيس مجلس الدولة الأسبق أن حرية الإضراب والاعتصام هي إحدى الحريات العامة التي ينبغي أن تكون مكفولة للجميع كأساس للتوازن الاجتماعي والاستقرار السياسي، ولذلك فلابد من وجود قوانين تنظيمية لها، وأماكن خاصة بها كما يحدث في بعض الدول الأجنبية، ومنها انجلترا التي خصصت حديقة «الهايد بارك» لمثل هذه الأمور لكي تضمن عدم خروج المواطنين على الشرعية من جانب، ومن جانب آخر ضمان استمرار باقي هيئات الدولة في عملها، دون التطرق لمثل هذه الأمور أو الانضمام لهؤلاء مما يزيد الأمر حدة.

وانتقد الجمل القوانين العربية التي تحظر مثل هذه الأمور، والتي تكون السبب الرئيسي فيما يحدث حاليًا من قبل بعض المواطنين، من تخريب وتكسير وهدم منشآت حيوية مهمة في الدولة، ويكون الخاسر في هذه الحالة جميع المواطنين، وليس هيئة أو جهة معينة. وكما كان لخبراء السياسة ورجال القانون رأي في هذا الأمر، فكان أيضًا هناك رأي العلماء الدين حيث أكدت الدكتورة آمنة نصير - أستاذ العقيدة والفلسفة أن إبداء الغضب عند التقصير في حق المواطن له ضوابط أهمها عدم الإتلاف والإسفاف والتجريح والكلام الفج، ولذلك يجب على المواطن أن يعتصم أو يضرب طبقًا لهذه الضوابط، كما أن له الحق في أن يسير إلى بيت الحاكم لإبداء رأيه دون منعه أو الدخول في شجار معه، ودون إحداث أي ضرر، وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار».

وأضافت أنه يجب أيضًا على الحكام والمسؤولين الاستماع لهؤلاء المعتصمين وعدم تجاهلهم، وذلك لقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه «والله لو عثرت بغلة في العراق لسألني الله عنها لماذا لم أمهد لها الطريق؟». وانتقدت نصير التخريب والتكسير الذي في مثل هذه الاعتصامات داخل هذه البلاد عند قيام هذه المظاهرات، مشيرة إلى أن الخاسر الوحيد في هذه الحالة غير أصحابها هم العمال الذين يعملون بهذه المحلات، والذي يكون معظمهم من أهل البلد الموجود بها هذه المحلات. ووصفت نصير الشعوب العربية بالصبر المرير وعندما يفيض بهم الكيل يخرجون بشكل فيه همجية يخربون كل ما يصادفهم وهذا أمر مرفوض، فلا الصبر على الظلم أمر محمود، ولا تدمير وتخريب منشآت البلد أمر معقول.

أما الداعية الإسلامية يوسف البدري - عضو مجمع البحوث الإسلامية فقد أكد أن الاعتصامات والإضرابات بشكلها الحالي أمر محرم شرعًا، وذلك لقوله تعالى{وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله}، ولذلك فالمولى عز وجل يدعو إلى العمل لا إلى التخريب والتكسير والهدم، وأيضًا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها»، فضلاً عن ذلك التصادم مع الدولة والدخول في مهاترات قد تؤدي إلى إهلاك البعض، مطالبًا باستخدام الأساليب الشرعية كالقضاء وغيره للحصول على الحقوق واعتبار سيادة القانون فوق كل شيء.

تنظيم المظاهرات

انتقد الكاتب الكبير صلاح عيسى القوانين العربية عامة لأنها تحظر الاعتصامات والإضرابات، مطالبًا بإلغائها، وإيجاد قوانين منظمة لهذه الوسائل الاجتماعية، وخلق قواعد يلتزم بها جميع الأطراف، بهدف وجود حقوق مقننة.. مطالبا عند القيام بمثل هذه الأمور إخطار الجهات المسؤولة عن ذلك، ومسار هذا الإضراب أو غير ذلك كنقطة البداية والنهاية، والمكان الخاص بذلك، لأنه من حقي المطالبة بحقوقي، ولكن ليس من حقي تعطيل الطرق ومصالح الآخرين.

الصدام وارد

رغم التأكيد على ضرورة وضع ضوابط للمظاهرات العربية والتي يصحبها في غالب الأحيان قدر من العنف، إلا أن ذلك الأمر يبقى واردا في كل الأحوال حتى في المظاهرات في دول أخرى أكثر تقدما حيث ان المظاهرات تعبر عن قدر من الغضب ينتاب المشاركين فيها على خلفية قضية محددة وقد ينفعل المتظاهرون بالحشود المشاركة وطبيعة المشهد الذين يمثلون جزءا منه الأمر الذي ينعكس في سلوكيات خارجة بعض الأحيان. ويتوقف الأمر هنا على تعامل رجال الأمن مع هذه المواقف حيث أنه في غالب الأحوال في دولنا العربية ما تلجا الشرطة إلى القمع باعتباره الوسيلة الوحيدة لمواجهة المظاهرات.

القاهرة ـ دار الإعلام العربية