كان من الملامح الأساسية التي أفرزها العدوان الإسرائيلي على غزة تعزيز حالة التظاهر في الشارع العربي بما في ذلك الدول التي لم تعتد على أن تشهد مثل هذه الحالة وبشكل خاص دول الخليج. فقد عمت المظاهرات مختلف أنحاء الدول العربية تنديدا بالعدوان ومطالبة للقادة العرب باتخاذ خطوات حاسمة توقفه. وكان المحور الجامع للمظاهرات التأكيد الجماهيري على أن الهدف من الحرب على غزة هو وأد القضية الفلسطينية والقضاء على فكرة الدولة المستقلة.
وإزاء تواصل العدوان وعدم تحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع لجهة وقف العدوان دعا الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين إلى تخصيص يوم الجمعة الماضية ـ 9 يناير ـ ليكون يوم غضب في العالم الإسلامي وهو ما كان بالفعل وعززه اتساع نطاق التظاهر ليشمل العالم كله، على نحو يمكن التأكيد معه على أن العالم لم يشهد هذه الحالة من التظاهر التي تعكس إجماعا من قبل الرأي العام العالمي على إدانة موقف ما سوى تلك التي خرجت منددة بالغزو الأميركي للعراق، والتي اكتست صورة مقاربة لذات الصورة التي اتخذتها المظاهرات الأخيرة.
وأدت المظاهرات إلى تسيد حالة من الجدل في مختلف الأوساط العربية بشأن جدواها في تحقيق أهدافها ففيما هاجمها البعض باعتبار أن تأثيراتها السلبية تفوق إيجابياتها فإن البعض رأى فيها المتنفس الوحيد للشارع العربي للتعبير عن رأيه إزاء حالة العجز التي يلمسها على كافة المستويات. وفيما ذهب البعض إلى أن المظاهرات تحركها أقلية متشددة وأنها لا تعكس إجماعا عربيا في ضوء ان قطاعا لا بأس به من المواطنين العرب يلقون باللوم على حماس باعتبارها المسؤولة عما يجري، حسب عدد من الآراء.
فإن آخرين أشاروا إلى أن هذا الطرح لا يعكس الحقيقة وهو ما يؤكده أن نطاق المظاهرات لم يقتصر على العالم العربي وحده وإنما شمل دولا مختلفة بما فيها الولايات المتحدة وبريطانيا وكافة الدول الغربية وأستراليا وآسيا حتى أنه يمكن التأكيد على أنه لا توجد دولة لم تشهد مظاهرات منددة بالعدوان بما في ذلك إسرائيل.
وأشار متظاهرون في تفسير غضبهم إلى أنهم لم يتحركوا بناء على خلفيات سياسية وإنما إزاء بشاعة وهول المشاهد التي تعرضها الفضائيات وتكشف انعدام الجانب الإنساني لدى قادة إسرائيل على نحو لم يرحموا معه طفلا كان أم امرأة ولم يسلم من عدوانهم أحدا في غزة، وفي ضوء ارتفاع ضحايا العمليات العسكرية والذي تجاوز 990 شهيدا خلال 17 يوما من الحرب. ورغم ذلك فقد بدأ أن تأثير المظاهرات محدود حيث لم ينعكس في قرارات جذرية وإن سعت بعض الحكومات العربية إلى التلاقي بشكل أو بآخر مع مطالب الجماهير لامتصاص غضبها ومن ذلك قيام موريتانيا باستدعاء سفيرها لدى تل أبيب.
وقد ركزت العديد من المظاهرات في بعض العواصم العربية على فتح معسكرات للتطوع للدفاع عن غزة وهو المطلب الذي برز بشكل واضح في المظاهرات التي خرجت في السودان واليمن بشكل خاص، المطلب الذي رأت فيه الحكومات ومراقبون مختلفون أنه غير عملي. وبعيدا عن الفعالية فقد أشارت مصادر عديدة إلى أن العمليات الإسرائيلية تعود بالصراع إلى مراحل متأخرة حيث أنها تصعب من فرص إدماج إسرائيل في المنطقة وتعرقل مساعي التطبيع التي تجرى المحاولات لإتمامها. وتشير تلك المصادر إلى أنه حتى في مثل هذه الحالة فإن السلام العربي الإسرائيلي لن يختلف بأي حال عن مثيله على الصعيد المصري الذي يوصف بأنه سلام بارد.