على غير عادتهم .. خرجوا عن المألوف.. كانوا أعلى صوتا في تعبيرهم الرافض للهجمات الإسرائيلية على قطاع غزة.. فأخذ بهم الشارع شرعية التعبير عن نبضه.. إنهم المصريون البسطاء الذين كانوا الأكثر حضورا في التعبير عن رفضهم للحرب الإسرائيلية على غزة.. وعبروا بكل ما لديهم من وسائل مشروعة دون انتظار لدعوات المشاركة.
والمتابع للمشهد في الشارع المصري خلال محنة غزة يجده حمل صورا جميلة، ومعبرة عن حضارة قديمة وثرية، حيث أصبحت المقاهي ودور الرياضة ووسائل المواصلات وسيلة سهلة للتواصل بين المواطنين في نقل مشاعر كل منهم إلى الآخر حول القضية التي أثارت الرأي العام العالمي والإقليمي والمحلي وهي قضية العدوان على غزة..
تجد المصريين يتحدثون ويتفقون بل كانوا أكثر قدرة على التحليل رغم تجنبهم الدائم الخوض في دهاليز السياسة المظلمة التي يفضلون عليها مشاغلهم ومصادر رزقهم، ورغم ذلك تجدهم يتحدثون بفهم عال عن الدور العربي والدولي وتوقعاتهم ليس لمستقبل غزة وحدها بل مستقبل المنطقة كلها على ضوء الأحداث الراهنة.. فاستشف المصري البسيط الموقف برمته، وأدلى بدلوه استنادا إلى مخزونه المتراكم حول التداعيات المتلاحقة في أمور المنطقة ومصر منذ سنوات طويلة..
فهو يسمع ويفهم وبين هذا وذاك تتولد رؤيته المحايدة البعيدة عن مصالح السياسة ومحترفي الأدلجة وأساتذة المحاور فتتفوق فطرته على مكر الخبراء، أو كما يطلق عليهم «مقالب محترفي السياسة». ومن هنا، كما يقول الخبراء والمحللون، كان دور المواطن البسيط في مصر مؤثرا حتى على مستوى القرار السياسي وصوته واضحا وسلوكه منضبطا، فعندما اتخذت السلطات المصرية قرارها بإلغاء حفلات رأس السنة تضامنا مع غزة كانت الإشارة قادمة بقوة من أوساط هؤلاء من بين حناجرهم وتعبيراتهم وتلميحاتهم، فهم متحفزون ليسوا على استعداد للرقص والغناء، ولا هم ينطلقون من مشاعر زائفة ومتناقضة؛ فكان القرار بردا وسلاما عليهم.
هؤلاء البسطاء أيضا كانوا أصحاب القرار عندما أحجموا عن التعامل مع وسائل الترفيه فخلت دور العرض السينمائي من روادها، وانفض الناس عن مجالس البرامج الغنائية والترفيهية في الأجهزة الإعلامية والقنوات الفضائية فاحتلت القنوات المتابعة والمتواصلة مع قضية غزة أولوية اهتماماتهم فالتفوا حولها، ومنها تتبلور مشاعرهم وتنتفض انفعالاتهم ليعبروا وفق رؤية ثاقبة عن أنفسهم. وبالرغم من المساهمات المصرية التي قدمتها الدولة وقطاعات عديدة من دعم عيني لسكان غزة، كان المصريون البسطاء هم الذين يمثلون الشريحة الأكبر في تقديم الدعم الحقيقي فقلبوا في جيوبهم الخاوية، وسحبوا جنيهات من بين ما تبقى معهم، وقدموها بحب وقناعة تامة ولم يتخلف الأطفال عن ساحة المعركة، تفاعلوا مع نظرائهم أطفال غزة واستقطعوا من مصروفهم ودفعوا بوعي يحسدهم عليه الكبار.
وعلى أبواب معبر رفح أقبلوا متطوعين للمساعدة في نقل المصابين، وشحن وتفريغ الشحنات التي تحمل الإغاثة لأهل غزة، رغم المخاطر من قصف المعابر والشريط الحدودي، ودموع نساء وأطفال لا تقل سخونة وحسرة عن دموع المفجوعين تحت القصف والقنابل، وأخرى تخلع خاتمها وأساورها تبحث عن جهة توصل لها تبرعها تضامنا غير مشروط. وما يلفت النظر في تعامل المصريين البسطاء مع قضية غزة، هو تقمص بعضهم لدور المؤرخ للأحداث فمع استمرار العدوان تجدهم يحفظون أعداد الشهداء والمصابين والمفقودين ودائما تجدهم في كل مكان يسألونك عن آخر الحصيلة، وبعدها يوجهون اللعنات للصهاينة ويدعون للشهداء بالجنة والمصابين بالشفاء.
وفي النهاية، ووفق تحليلات الغالبية من المحللين والخبراء.. يبقى المواطن نبضا للشارع.. وموجها للسلطة .. ورقيبا على كل تحرك من شأنه أن يجلسه هادئا وقانعا، أو يقفز به إلى الشارع ليقول كلمته ويعبر عن رأيه، وبعد إسدال الستار عن أحداث غزة يلف الصمت السياسي مجالس البسطاء إلا من شتات ذكريات ظلت عالقة بأذهانهم، ويستمر البحث والسعي وراء لقمة العيش ويتحول الحديث إلى الأسعار والأمطار وزحمة المواصلات.. حتى إشعار آخر.
القاهرة ـ «البيان»
