لم يعد خافيا على أحد في ظل التغطية الإعلامية المتلاحقة للأحداث في قطاع غزة، حجم الخسائر الفادحة التي أوقعتها آلة القتل العسكرية الإسرائيلية العنصرية من قتل ودمار وخراب واستهداف المدنيين العزل واستخدام أسلحة محرمة دوليا، وهو ما أثار ردود فعل متعددة تتفق جميعها على أن ما حدث يجب التوقف عنده على جميع الأصعدة القانونية والإنسانية، الأمر الذي نحاول رصده على الصفحات التالية من «مدارات عربية».

فمن ناحية أجمع فقهاء القانون الدولي والإنساني أن الحرب البربرية الإسرائيلية على غزة بما شابها من انتهاكات لحقوق الإنسان تمثل جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية وجريمة إبادة بكل ما تعنيه هذه العبارات والتوصيفات القانونية من معان، وهو ما يستلزم أيضا تحركا عربيا ودوليا مكثفا لملاحقة هؤلاء المجرمين المسؤولين عن ارتكاب هذه الجرائم قانونيا لضمان الحد الأدنى من كرامة وحقوق ضحايا هذه الآلة العسكرية الجهنمية المجرمة المعروفة بالجيش الصهيوني.

في البداية، يقول أستاذ القانون الدولي الإنساني بجامعة الأزهر الدكتور محمد منصور: إن ما تقوم به إسرائيل من قتل ودمار وخراب واستهداف المدنيين الأبرياء يتعارض مع مبادئ القانون الدولي والقانون الإنساني وقرارات الأمم المتحدة ، مشيرا إلى أن هذا النوع من العدوان البربري يرفضه القانون الدولي ويجرمه.

مطلوب موقف حاسم

وشدد على أن المجتمع الدولي مطالب باتخاذ موقف حاسم من العدوان الإسرائيلي وأن يتعامل معه بما يتناسب والانتهاكات الإسرائيلية الإجرامية وغير المبررة وارتكابهم جرائم ضد الإنسانية. وطالب منصور باللجوء للمحكمة الجنائية الدولية لتعقب القادة الإسرائيليين على اعتبار أن ذلك أشد تأثيرا وأشد مخالفة للقانون الدولي والقانون الإنساني وقرارات الأمم المتحدة من تلك التي ترفعها المحكمة الجنائية الدولية في مواجهة المسؤولين السودانيين.

وأشار إلى أن عدم التعاطي مع الأوضاع في غزة بنفس الحماس الذي يتم تناول الوضع به في دارفور، سيؤكد ويرسخ ازدواجية القرارات الدولية في مواجهة العرب فقط دون غيرهم وهو ما يفقد القانون الدولي والإنساني ومؤسسات المجتمع الدولي المصداقية والحجية القانونية في مواجهة الخارجين عليهم ويتم تفسيره في الأمتين العربية والإسلامية باعتباره تمييزا عنصريا دوليا ضد العرب والمسلمين .

وأضاف منصور: أن جامعة الدول العربية والسلطة الوطنية الفلسطينية والمنظمات الأهلية مثل اتحاد المحامين العرب والنقابات المختلفة وأسر الضحايا وعائلاتهم يمتلكون الحق في ملاحقة قادة إسرائيل قانونيا. وقال نائب الأمين العام لاتحاد المحامين العرب عبد العظيم المغربي: إن اتحاد المحامين العرب قام قبيل العدوان الإسرائيلي على لبنان في عام 2006 بإنشاء «المركز العربي لتوثيق جرائم الحرب والملاحقة القانونية» وأنه منذ ذلك التاريخ يوثق العدوان والجرائم التي ترتكب في حق الشعب العراقي واللبناني والفلسطيني وأخيرا في سوريا بعد الاعتداء علي منطقة «الكمال». وأضاف: أنه من المعروف أن جرائم الحرب من الجرائم التي لايلحقها التقادم ، ومن المعروف أيضا أن بعض المتهمين الأول في هذه الجرائم يتمتعون بالحصانه الدبلوماسية، مشيرا إلى أن المركز يقوم بتوثيق الجرائم والربط بين الجريمة والمسؤول عنها ثم ننتظر المسؤول حتى يترك وظيفته لملاحقته قانونيا.

أنواع الملاحقة القانونية

وأشار المغربي إلى وجود نوعين من الملاحقة القانونية، النوع الأول. ويتمثل في اللجوء إلى المحاكم الجنائية الدولية ولكن هذا النوع من الملاحقة يقتضي أن يكون المتهم ينتسب إلى دولة مصدقة على بروتوكول روما الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية ، وللأسف فهذه الدول ليس من بينها الولايات المتحده الأمريكية ولا إسرائيل فإذا ما تم اللجوء إلى مجلس الأمن وهو يملك إحالة أي مسؤول للمحكمة الجنائية الدولية كما تم فيما يتعلق بأزمة دارفور وإحالة عدد من المسؤولين السودانيين بما فيهم الرئيس السوداني عمر البشير فإننا بالطبع سنواجه بالفيتو الأمريكي.

وقال: لذلك لم يبق إلا اللجوء إلى المحاكم التي يختص قضاؤها بالاختصاص الشامل أو العالمي أي بنظر الجريمة حتى ولو لم يكن المتهم أو المجني عليه من رعاياها ولو لم ترتكب الجريمة على أرضها طالما أن الجريمة منصوص عليها في القانون الدولي أو القانون الإنساني ومنها جرائم الإبادة الجماعية أو الجرائم ضد الإنسانية أو جرائم الحرب.

وشدد على أن ما فعلته إسرائيل في لبنان وفلسطين بإجماع الآراء في الفقه الدولي من جرائم الحرب وقد سبق ولجأنا إلى القضاء الاسكتلندي ضد أحد الجنرالات الإسرائيليين وإستصدرنا قرارا باعتقاله فور الحضور إلى بريطانيا وكاد يحدث هذا فعلا لولا أن المخابرات الإسرائيلية تنبهت في اللحظات الأخيرة لهذا الأمر ونبهته قبل هبوطه من الطائرة بمطار هيثرو الدولي وأضطر للبقاء على طائرة العال الإسرائيلية والعودة ثانية عليها، وعقب ذلك أصدر المستشار القانوني لوزير الدفاع الإسرائيلي فتوى يطلب بمقتضاها عدم سفر الجنرالات للخارج لعدم الملاحقة القانونية ضدهم.

متطوعون للدفاع

وأعرب المغربي عن اعتقاده بأن الملاحقة القانونية هذه من أهم وسائل المقاومة التي لا ينبغي التقاعس عنها ضد هذا العدو النازي ،مطالبا القادرين بالوطن العربي دعم المركز للإنفاق على هذه الدعاوى التي وإن كان المركز يجد أحيانا محامين أجانب يتطوعون للدفاع فيها إلا أن مصاريف هذه القضايا قد يتعدى عشرات الآلاف من الدولارات.

ومن جانبه، أكد مدير الإدارة القانونية بجامعة الدول العربية السفير رضوان بن خضرا أنه لا خلاف في أن ما يرتكب من جرائم في غزة يعد طبقا للقانون الدولي والقانون الإنساني جرائم حرب وجرائم إبادة شاملة تستحق الملاحقة القانونية الدولية . وأضاف: أن القانون الدولي حدد آليات محددة لملاحقة المتورطين في جرائم الحرب ومنها المحكمة الجنائية الدولية، وللأسف فإن إسرائيل ليست طرفا في المادة «13» من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية إلا أن مجلس الأمن يحق له إحالة من يرتكب جرائم الحرب إلى المحكمة الدولية. وأوضح أنه يمكن لأي محكمة وطنية تأخذ بالاختصاص الجنائي العالمي أن تتعقب قانونا أي متهم بارتكاب جرائم الحرب وقد تم بالفعل رفع عدة دعاوى في محاكم أوروبية ضد مسؤولين وجنرالات إسرائيليين ، بل إنه بموجب اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 فإن كل دولة عضو بالأمم المتحدة ملتزمة بمحاكمة المتورطين في جرائم الحرب حتى وإن لم تقع على أراضيها.

القاهرة - «البيان»