ارتبطت كلمة «بيروسترويكا»، وتعني بالروسية «إعادة البناء «بفترة حكم الزعيم السوفييتي ميخائيل جورباتشوف الذي طرح هذه السياسة في عام 1986 بهدف إنقاذ الاتحاد السوفييتي فأدت بعد أربعة أعوام إلى انهياره.
وأصبحت هذه الكلمة بعد جورباتشوف لا تعني معناها اللغوي (إعادة البناء) بل تعني سياسيا (بداية الانهيار) حيث أصبحت مرتبطة بانهيار الاتحاد السوفييتي، وهذا هو المعنى الذي يراه الكثيرون الآن في السياسة التي تقودها داخل حلف شمال الأطلسي المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في تصريحاتها التي أطلقتها منذ أيام بعد اجتماع وزراء خارجية الحلف في بروكسل في الثالث من ديسمبر المنصرم، هذا الاجتماع الذي خصص في الأساس لبحث مسألتين، الأولى هي انضمام جورجيا وأوكرانيا للحلف وهو ما تريده واشنطن وتصمم عليه وتسعى لإقناع الأوروبيين به، والثانية علاقات الحلف مع روسيا والتي قرر الحلف تجميدها بعد الحرب في القوقاز في أغسطس الماضي بتجميد أعمال مجلس روسيا الناتو.
اجتماع بروكسل: لقد ذهبت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس لحضور اجتماع بروكسل وهي فاقدة الأمل في الخروج منه بقرار ضم جورجيا وأوكرانيا للحلف بسبب إعلان ألمانيا وفرنسا وإيطاليا رفضهم لهذا الأمر، لكنها كانت تأمل في الخروج بقرار رفض استئناف الحوار بين الحلف وروسيا بحجة بقاء قوات روسية في الأراضي الجورجية. وبادرت موسكو يوم انعقاد اجتماع وزراء خارجية الحلف في بروكسل بإعلان سحب كافة قواتها من أراضي جورجيا، وانسحبت القوات بالفعل في ساعات، مما دعم موقف الأوروبيين في مواجهة واشنطن، وأسقط في يدي الوزيرة الأميركية التي لم تستطع الاعتراض على قرار عودة حوار الحلف مع روسيا.
ولكن على ما يبدو أن الأوروبيين لم يكتفوا بذلك، بل أرادوا أن يستغلوا الظروف أكثر، خاصة في ظل الأوضاع الصعبة التي تمر بها الولايات المتحدة بسبب الأزمة المالية العالمية التي تهدد اقتصادها العملاق بالانهيار التام - على حد تصريحات جوزيف بايدن نائب الرئيس الجديد أوباما ? فسعى الأوروبيون للضغط أكثر على واشنطن ووضع حلف الناتو في الشكل الذي يريدونه هم ويعلمون جيدا أن واشنطن لن تقبله، وكأنهم على حد وصف البعض «يضعون العصا في العجلة» لأنهم في الأساس لا يريدون لهذا الحلف الذي يجلب لهم المشاكل والاستمرار ولم يعودوا في حاجة إليه بعد أن ذهبت التهديدات التي تأسس الحلف في مواجهتها منذ ستين عاما، وأصبحت العلاقات بين روسيا والأوروبيين أكثر حيوية وأهمية حتى عن علاقاتهم بالولايات المتحدة، خاصة مع اعتماد أوروبا على مصادر الطاقة من روسيا بنسبة تتعدى الأربعين في المئة.
عند بوابة براندنبرغ
في أبريل المقبل تحل الذكرى الستون لتأسيس حلف الناتو، وتستعد قيادة الحلف للاحتفال بهذه المناسبة في كل من فرنسا وألمانيا، وهما البلدان اللتان تقودان حملة الإصلاح داخل الحلف، هذه الحملة التي ترفع في ظاهرها شعار التعاون مع روسيا والدور السلمي للحلف، بينما في باطنها ترفع شعار (رفع الهيمنة الأميركية) عن الحلف، واستعدادا لهذه المناسبة انعقدت في برلين اجتماعات غير رسمية، وظهرت في منتصف ديسمبر المنصرم في وسائل الإعلام الألمانية والفرنسية وثيقة غير رسمية تحمل عنوان (حوار دول الناتو عند بوابة برندنبرج) ، وعلى ما يبدو أن التسمية مقصودة، حيث كانت بوابة برندنبرج تفصل الألمانيتين الشرقية والغربية وعندها وضع ستالين دباباته ليحدد نقطة الفصل بين الشرق والغرب، ووصفت وسائل الإعلام الألمانية هذه الوثيقة بـ (الثورية) ، وفيها تدعو المستشارة الألمانية ميركل لإعادة النظر تماما في دور حلف الناتو في الوقت الحاضر، وطالبت بـ «إعادة بناء الحلف «ووضع برامج جديدة لعمله وفق إستراتيجيات ومبادئ تتفق مع الظروف المعاصرة، كما طالبت ميركل بتحديد نطاق عمل جغرافي للحلف لا يجوز له تجاوزه.
ويحدد هذا النطاق وفق إستراتيجية الحلف الموضوعة عام 1999 التي حصرت نشاط الحلف داخل القارة الأوروبية فقط، كما طالبت ميركل بألا يتخذ الحلف أي قرار باستخدام القوة إلا في إطار قرارات مجلس الأمن الدولي فقط، ولا يجوز لأية دولة عضو في الحلف أن تفرض رأيها أو توجهاتها على الحلف، كما طالبت ميركل بتعديلات جذرية في توزيع القيادات العسكرية لدول الحلف على جميع قواته وعدم تركيزها في قادة عسكريين من دولة واحدة أو دولتين مثل ما هو جاري الآن، وطالبت ميركل أيضا بألا تتضمن خطط عمل الحلف أية أنشطة استفزازية تجاه روسيا، ورفضت تماما ضم جورجيا وأوكرانيا للحلف.
منظومة الدفاع الصاروخي
وتطرح الوثيقة الألمانية تساؤل : ضد من تريد واشنطن نشر منظومة دفاعها الصاروخية في أوروبا ؟، هذه المنظومة التي لا تتناسب مع أمن القارة الأوروبية الذي يرى الأوروبيين أنه ليس مهددا من أية جهة بدرجة تستوجب نشر مثل هذه المنظومة الإستراتيجية التي قررت واشنطن تأسيسها في إطار برنامج حرب النجوم في الثمانينات من القرن الماضي في زمن الحرب الباردة، وتجيب الوثيقة ان المنظومة بالقطع ليست موجهة ضد إيران أو كوريا الشمالية اللتان لا تملكان الصواريخ المعدة هذه المنظومة لمواجهتها، كما أنهما كدولتين لا تشكلان أي تهديد لأوروبا من بعيد أو قريب، إنها موجهة فقط ضد روسيا. وتقول الوثيقة إن إستراتيجية الحلف التي تقودها وتوجهها واشنطن موجهة ضد روسيا بالقطع ليس لأنها عدوة لأوروبا، ولا أحد يصدق أن روسيا تشكل أي تهديد أمني لأوروبا التي ترتبط معها الآن بمصالح اقتصادية وسياسية حيوية للغاية، لكن واشنطن توجه منظومتها لروسيا لأنها منافس رئيسي للولايات المتحدة على الساحة الدولية، ولهذا تسعى واشنطن لمحاصرتها بضم دول مثل جورجيا وأوكرانيا للحلف لتتخذ منها قاعدة لزعزعة الاستقرار والأمن في روسيا، الأمر الذي لا فائدة فيه للأوروبيين بل العكس تماما.
وقالت أنجيلا ميركل «نحن لا نريد خوض حرب في أفغانستان ولا نريد قصف المدن وقتل الأبرياء، إن حلف الناتو لا يحظى بأي احترام لدى شعوب هذه الدول التي يمارس فيها القتل والدمار».
وطالبت المستشارة الألمانية بضرورة إعادة النظر في دور الحلف في العالم ليتحول من العمل العسكري إلى العمل السياسي، كما أكدت على ضرورة إعادة النظر في علاقة الحلف بروسيا والتعاون معها على أساس حسن النية و«الشفافية «الكاملة، وأكدت أن الحلف لا يستطيع العمل بدون التعاون مع روسيا، مشيرة إلى أنه لا يمكن لـ «دولة واحدة «أو جهة واحدة في العالم أن تتصدى بمفردها للمشاكل التي تهدد الجميع.
حرب جديدة في القوقاز
لا شك أن الوثيقة الألمانية وتصريحات المستشارة ميركل موجهة كلها وبشكل مباشر للولايات المتحدة، حتى وإن لم تذكر اسمها علنا، وما تقوله ميركل يدور الآن في أرجاءالحلف في أوروبا، وهو ما صرح به السكرتير العام للحلف دي هوب شافير في اجتماع الجمعية البرلمانية للحلف في فالينسيا الشهر الماضي، حيث أكد شافير على ضرورة أن يعيد الحلف النظر في علاقاته مع روسيا التي لا يمكن العمل بدون التعاون معها.
ما يدور في ألمانيا وأوروبا حول إعادة بناء الحلف بالقطع لن يروق لواشنطن ولن تقبله، لأنه يعني بالفعل نهاية الحلف أو نهاية فائدته بالنسبة للولايات المتحدة، وبمعنى أدق نهاية العلاقات العسكرية والأمنية بين ضفتي الأطلسي (أميركا وأوروبا)، ولكن هل تخضع واشنطن للأمر الواقع وتخضع للضغوط والدعوات الأوروبية الجديدة ؟.
يقول الخبير الإستراتيجي الألماني «فالتر نيومان» لصحيفة إزفستيا الروسية (أتوقع أن تفتعل واشنطن قبل أبريل المقبل أزمة جديدة في القوقاز تجر روسيا فيها لحرب أخرى مع جيرانها، وخاصة جورجيا، لإقناع الأوروبيين بالعدول عن فكرة التعاون مع موسكو وإفساد خطة الأوروبيين لإعادة بناء الحلف )، وعلى ما يبدو أن ما يتوقعه نيومان سوف يحدث، خاصة بعد أن أعلنت واشنطن الخميس الماضي عن نيتها توقيع اتفاق شراكة إستراتيجية قريبا مع جورجيا، بينما نظام الرئيس ساكاشفيلي في جورجيا مازال يستعد ويعد قواته لحرب جديدة مقبلة في القوقاز
د.مغازي البدراوي


