إذا كانت التساؤلات تثار بشأن طبيعة مواقف الإدارة الأميركية الجديدة من القضية الفلسطينية على نحو ما اشرنا في الموضوع السابق، فإن الحرب الإسرائيلية على غزة تمثل نموذجا تطبيقيا لهذه السياسة وتصلح أن تكون مؤشرا لما ستؤول إليه الأمور خلال الفترة المقبلة، وإن كانت لا تصلح بالطبع أن تكون معيارا كاملا للحكم. وللدلالة على الموقف الحرج الذي وجد الرئيس الأميركي الجديد نفسه فيه على خلفية الأزمة فقد امتنع عن التعليق عليها بدعوى عدم التداخل مع اختصاصات الرئيس القائم على الحكم وهو بوش رغم ضعف هذا المنطق خاصة في ضوء أن أوباما لم يتوان عن الإدلاء برأيه بشأن أزمات أخرى ومنها الأزمة المالية وعمليات مومباي في الهند.

وإزاء التطور الكبير الذي لحق بالأحداث على نحو تحولت معه إلى حرب شاملة وليس مجرد عملية خاطفة وجد أوباما نفسه في موقف يتطلب منه التخلي عن صمته إزاء الانتقادات التي وجهت له والإدلاء بدلوه بشأن الحرب القائمة. هنا يمكن الإشارة إلى نقطة هامة وتتمثل في أن أوباما يرث بهذه الأزمة تركة ثقيلة لم يكن له على الأقل خلالها وحتى توليه مهام السلطة رسميا أن يخرج فيها بما يناقض الموقف الأميركي الذي تعكسه مواقف البيت الأبيض والخارجية الأميركية. ليس هذا محاولة لتبرير ما أعلنه أوباما وإنما هو محاولة لتفهم منطق الأمور. ويمكن تفسير موقف أوباما بأنه محاولة منه لتجنب إقحام إدارته في الصراع قبل الأوان الأمر الذي قد يحرمه من فرصة المناورة التي كان يتطلع إليها وصياغة مواقفه الخاصة به.

وفي ذلك الصدد نلاحظ مثلا أن وزيرة الخارجية الأميركية رايس لم تتوان في أي ظهور علني لها وإثارة الحديث عن الوضع في غزة عن إدانة هجمات الصواريخ والهاون المتواصلة على إسرائيل من قبل حماس، الأمر الذي عبر عنه كذلك بأشكال مختلفة كذلك الرئيس الأميركي بوش. ولعل النتيجة المؤكدة التي يصل إليها أي مراقب محايد من قراءة الموقف الأميركي من الأزمة هي أن إدارة بوش تبنت موقف إسرائيل بالكامل ولم تحاول حتى التوصل إلى وقف النار.

لقد وجد أوباما نفسه في خضم هذه التطورات كمن يسير على حبل مشدود، وعلى ذلك فإن مهارته إنما تتبدى في عدم سقوطه، الأمر الذي حاوله على نحو تجلى في تصريحه الذي أعرب فيه عن قلقه الشديد من فقد أرواح من غزة وإسرائيل، وهو التصريح الذي يصعب انتقاده من الطرفين رغم كونه يميل في الحقيقة لإسرائيل في ضوء أنه ليس هناك أرواح إسرائيلية فقدت مقارنة بالمجزرة الجارية في غزة.

ربما يشعر أوباما بالنقمة على إسرائيل لأنها ورطته ووضعته في خضم أزمة لم يكن على كامل الاستعداد لها، وربما يشعر بالضيق من إدارة بوش التي يبدو أنها تسعى لتكبيله بمواقف قد لا تعكس قناعاته وتقوض خططه للتغيير، وتزيد نقمة الجماهير العربية والمسلمة التي يسعى إلى امتصاص غضبها، ولكن موقفه في النهاية حتى الآن يؤكد ما ذهبنا إليه من أن الأمور رهن بما ستقوم به أطراف الصراع الرئيسية وقد يكون الموقف العربي الحالي والذي يمكن توصيفه بأنه بالغ الضعف مؤشرا على طبيعة الرياح التي ستشتهيها سفينة أوباما!