مع قرب تولي الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما مهام منصبه خلال أيام، فإن السؤال الذي يشغل بال الكثيرين على الصعيد العربي وغير العربي هو: هل يمكن التعويل على أوباما في إيجاد حل نهائي للقضية الفلسطينية؟ وما هي صيغة هذا الحل ومدى توافقه مع المطالب العربية؟
تنبع الآمال التي تقدم هنا مما يمكن توصيفه بثورة التوقعات المتزايدة التي أفرزها فوز أوباما وشعاره الذي رفعه خلال الحملة الانتخابية وهو «التغيير» ما يجعله ؟ إلى جانب كونه أول أسود يدخل البيت الأبيض، فضلا عن ظروف أخرى عديدة ؟ رئيس استثنائي في تاريخ الولايات المتحدة. وعلى ذلك قد لا نكون مبالغين إذا أشرنا إلى أن هذه الآمال لا تقتصر على القضية الفلسطينية وإنما تنسحب على باقي القضايا الداخلية والدولية كذلك.
ولكن ما هو المدى الذي ستحتله القضية الفلسطينية في أجندة أوباما؟ من خلال متابعة مواقف الرئيس الأميركي الجديد ومتغيرات السياسة الأميركية ذاتها يمكن القول أنها ستحتل مرتبة متقدمة تستحوذ معه على جزء كبير من نشاط إدارته، وهو ما يؤكده تصريحه الأخير والذي تعهد فيه بالتوصل إلى حل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي بمجرد وصوله إلى البيت الأبيض، وأن ما يحدث في الشرق الأوسط يجعله أكثر إصرارا على محاولة إنهاء الطريق المسدود منذ عقود من الزمان.
تحدي الإنجاز
غير أن التحدي هنا ليس حجم الاهتمام وإنما حجم ما إنجازه، وعلى ذلك فإنه إذا كانت إدارة كلينتون فشلت في حل القضية من خلال المساعي السلمية فيما فشلت إدارة بوش في حلها من خلال تعزيز نهج الصراع، فإن إدارة أوباما يجب عليها البحث عن طريق ثالث، يمكنّها - إذا توافرت لها الإرادة - من تحقيق إنجاز تاريخي يتوازى مع طبيعتها الاستثنائية التي أشرنا إليها.
في معرض تحليل الرؤى المختلفة بشأن الدور الذي يمكن لإدارة أوباما لعبه في القضية يمكننا القول، أن تحديد اتجاه هذه الإدارة يصيب بالحيرة في ضوء الإشارات المتناقضة الصادرة من الإدارة حتى الآن على نحو يؤدي إلى تفسيرات متعددة لهذه الإشارات.
فهناك فريق يرى أن الإدارة الأميركية الجديدة لن تختلف كثيرا عن سابقاتها على صعيد تبني مواقف إسرائيل. والحجج التي يستند إليها هذا الفريق عديدة على رأسها أن الولايات المتحدة دولة مؤسسات وأن مساحة تحرك الرئيس فيها محدودة، هذا فضلا عن تصريحات أوباما خلال زيارته لإسرائيل فترة الحملة الانتخابية والتي راح يلتمس لها العذر في الرد على قصف حماس لها بالصواريخ،وهو موقف يسانده تصريح آخر له ذهب فيه إلى وصف حماس بأنها منظمة «إرهابية» ويجب عزلها ومحاصرتها. هذا فضلا عن التصريح الذي أدلى به أكثر من مرة بشأن تأييده بقاء القدس عاصمة موحدة لإسرائيل.
غير أن ذلك لا ينفي وجود فريق ثان يتوقع نهجا مختلفا عن مواقف الإدارات السابقة ويعتمد هذا الفريق على حقيقة أن أوباما يأتي على خلفية أجندة بالغة الاختلاف عن سلفه بوش بشأن مختلف القضايا الدولية، فضلا عن أصوله الأفريقية والتي جعلت الكثيرين يتصورون أن ذلك قد يكون مسوغا لمزيد من التعاطف من قبله مع قضايا العالم الثالث على سبيل المثال، فضلا عن التصور بأنه وقد أحدث اختراقا غير مسبوق في بلاده قد يحقق اختراقات متوازية على صعيد قضايا أخرى دولية.
ومع تأكيدنا دوما على أنه لا يجب التعاطي مع القضايا السياسية بالأمنيات وإنما من خلال المعطيات القائمة على الأرض، فإن الحذر في التفاؤل يبقى مطلوبا، كما أن الإغراق في التشاؤم يبقى أمرا يعبر عن غياب القراءة الصحيحة للواقع. وما نؤكد عليه في هذا الخصوص هو أنه ينبغي علينا كعرب إزاء هذه القضية التخلي عن ثنائية «الطيب والشرير» في التعامل مع أوباما وميراث بوش، وكذا التخلي عن النظر للرئيس الجديد على أنه المهدي المنتظر، دون استبعاد إمكانية التأثير على سياسته.
أسس التغيير
بعيدا عن هذا الطرح النظري يبقى التساؤل قائما حول ماهية السيناريوهات المتوقع أن تلتزمها إدارة أوباما تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي؟
على الصعيد الرسمي نشير إلى تصريح لأوباما نفسه يعزز فرضية التغيير التي مثلت شعاره الانتخابي وتطبيقه على مجريات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وفيه انتقد الرئيس الأميركي الجديد نهج بوش في التعاطي مع قضية السلام في المنطقة معلنا أنه سيبدأ مباشرة في مساعي تحقيق حل الدولتين.
وعلى ذلك فقد يعمل أوباما على تعزيز نهج كلينتون القائم على محاولة جمع الأطراف المختلفة والدفع بها إلى التوصل إلى اتفاق الأمر الذي بدا واضحا في مفاوضات كامب ديفيد الثانية وكاد يتم خلالها إنجاز حل نهائي حال دونه، بشهادة مصادر أمريكية تعنت باراك وعدم قدرة كلينتون على التدخل الفعال في ضوء الظروف التي تمت فيها المفاوضات والتي دخلت مرحلة سباق مع الزمن إزاء قرب انتهاء ولايته. ورغم أنه قد يكون من السابق لأوانه استنتاج مواقف محددة لإدارة أوباما تعزز فكرة التغيير إلا أن الإشارات تعزز ذلك ومنها تأكيد أوباما الاستعداد للحوار مع حماس، ما يمثل قطيعة مع ميراث بوش في ضوء القناعة بأن ذلك النهج لم يكن الأسلوب الأمثل إزاء محورية دورها.
ورغم محاولة فريق أوباما نفي هذا التوجه في مراحل مبكرة من فوز الرئيس، إلا أن أوباما نفسه ألمح إليه بشكل غير مباشر في حديثه لمحطة أيه بي سي الأميركية بتأكيده على أهمية التعامل مع كل اللاعبين من أجل التوصل إلى أسلوب استراتيجي يضمن تحقيق الإسرائيليين والفلسطينيين لتطلعاتهم.
تحسين الصورة الأميركية
من ناحية ثانية فإن أحد التوجهات الجديدة التي تركز عليها إدارة أوباما هي تحسين صورتها في العالم العربي والإسلامي ما يدلل عليه اعتزامه توجيه خطاب للمسلمين من عاصمة دولة إسلامية. وعلى ذلك فقد تسعى الإدارة الى تحقيق حل يحقق قدرا من التطلعات العربية في ضوء حقيقة أن القضية الفلسطينية تعكس الإحباط وخيبة الأمل التي تنتاب العرب والمسلمين تجاه الولايات المتحدة.
وهو أمر أجمعت عليه مثلا ثلاثة كتب صدرت مؤخرا عن الصراع العربي الإسرائيلي في الولايات المتحدة حسب مراجعة نشرت في العدد الأخير من مجلة «نيويورك ريفيو أوف بوكس» مؤخرا عن الصراع العربي الإسرائيلي أكدت على ضرورة إيلاء الرئيس الجديد أولوية كبرى لتحسين الصورة الأميركية عربيا وإسلاميا.
ولعله مما يعكس هذا المناخ الكتابات الأميركية المقدمة من قبل خبراء ومستشارين سياسيين والتي تشير الى اختلاف اللغة السائدة بشأن التعامل مع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي حتى من قبل بعض اليهود ومنهم مارتن إنديك ؟ دون أن نقع في فخ ما نصفه بمكيدة الموضوعية من قبل بعضهم ؟ حيث يشير إنديك وريتشارد هاس ؟ المرشح ليكون مبعوث أوباما للشرق الأوسط - في مقالة عدد يناير فبراير من دورية «فورين أفيرز» الى ضرورة توجيه اوباما اهتمامه للقضية الفلسطينية والدفع باتجاه حلها للحيلولة - وهنا يأتي التحريض - دون استغلال إيران لها، وفي ضوء حقيقة أن إهمال إدارة بوش للقضية كلف الولايات المتحدة الكثير حسب رأيهما.
فضلا عما يذهب اليه الكاتبان من أن الفشل في حل القضية يتيح للزعماء العرب صرف الأنظار عن فشلهم في الحكم بتصدير القضية كبؤرة توتر في الشرق الأوسط. ويعزز هذا الاتجاه دعوة ديفيد ميللر، الذي عمل مستشارا لعدة إدارات ديمقراطية وجمهورية، في مقال له بمجلة نيوزويك، أوباما الى الصرامة مع إسرائيل إذا ما كان جادا في تحقيق السلام في الشرق الأوسط. والخلاصة أن قراءة الظروف التي تتولى فيها إدارة أوباما الحكم يشير الى أنه يمكن لنا رؤية بذور حل للقضية الفلسطينية على أرض الواقع، غير أن إنضاج هذا الحل وإنماءه إنما يعتمد على صراع الإرادات العربية الإسرائيلية لجهة الاستحواذ على عقل القائم في البيت الأبيض.
وإذا كانت إسرائيل أثبتت على مدى العقود الماضية نجاحا كبيرا في هذا الخصوص، فإنه ينبغي على العرب تجاوز ذهنية العجز في مواجهة الطرف الإسرائيلي فائق القدرة في التأثير على الولايات المتحدة. ومن المتصور أن الإخفاق العربي قد يعزز أطروحات تروج في الأوساط الأميركية وأشارت إليها مقالة إنديك وهاس حول أن زعماء المنطقة أنفسهم ليس لديهم اهتمام بتسوية القضية، وهي الأطروحات التي عززت الحرب الأخيرة على غزة وتطوراتها من قوتها.
يعني ما سبق أن مخرجات السياسة الأميركية بشأن القضية الفلسطينية إنما ستتحدد بناء على التفاعلات التي ستعكس حسن إدارة القضية من قبل أطرافها بالأساس وليس الولايات المتحدة وهى رؤية يعززها البعض بإشارته إلى «إن أوباما مهما بلغت شجاعته لن يمكنه تغيير الأوضاع في المنطقة ما لم يظهر الفلسطينيون والإسرائيليون استعدادا لاتخاذ القرار السياسي المطلوب لتجاوز الخلافات».
ونضيف هنا إلى طرفي الصراع الرئيسيين الطرف العربي بمختلف مكوناته وبشكل خاص الدول ذات الدور المحوري في الصراع. ونتجاسر لنعلن أن الميزة الأساسية في أوباما أنه يمثل ما يمكن وصفه بـ «عجينة لينة» يمكن تشكيلها أو الإسهام في توجيه مواقف إدارته في الوجهة التي يريد الطرف صاحب المصلحة، غير أن المهم هنا من هو الذي يمكن أن يتمتع بتلك القدرة على التشكيل!
مصطفى عبد الرازق
