اعتبارا من يوم الثلاثاء المقبل يصبح باراك أوباما رئيسا للولايات المتحدة الأميركية رسميا. خلفا للرئيس جورج دبليو بوش الذي تنتهي فترة حكمه. بمجرد أداء أوباما للقسم الدستوري. وما بين الرئيس القديم والجديد تتراكم تركة مثقلة من المشكلات والأزمات الأميركية والعالمية.

تتنوع ما بين السياسة والاقتصاد. مما يلقى على الرئيس أوباما مهام ثقيلة ستحدد المسارات التي ستحكم سياساته المستقبلية. ومدى قدرته على تحقيق شعار (التغيير) الذي رفعه خلال حملته الانتخابية. وتمثل الأزمة الاقتصادية التحدي الأول للرئيس الجديد أمام الشعب الأميركي. فقد كانت القوة الرافعة التي صعدت به إلى كرسي الرئاسة. ورجحت كفته عند الناخبين في مواجهة خصمه الجمهوري جون ماكين، وإذا كان بوش عند الأميركيين عنوان الأزمة فان أوباما عندهم هو الحل، ولهذا ينتظرون منه الكثير، ومن غير المبالغة القول إنهم متلهفون إلى الحلول، ويعقدون آمالا عظام عليه لتجاوز هذه الأزمة، فهم كانوا الأشد والأسرع تأثرا بها، لأنها بدأت من داخلهم.

ومن جانبه يبدي أوباما اهتماما بالأزمة الاقتصادية يتناسب مع الطموحات المعقودة عليه، واعتبرها التحدي الأول له، ولذا حرص منذ انتخابه على التواصل مع الأميركيين انطلاقا من خطته الاقتصادية، تعبيرا عن استمرار التزامه معهم ببرنامجه الذي طرحه إبان الانتخابات، واعتمد في ذلك إستراتيجية تقوم على محورين أساسيين هما: (التضخيم والتحفيز) .

*الأول: حرص أوباما منذ حملته الانتخابية على التضخيم من حجم الأزمة التي تسبب فيها الرئيس جورج بوش، واعتبرها الأسوأ منذ الثلاثينات، متهما سياسات الرئيس جورج دبليو بوش والجمهوريين بأنها السبب المباشر في حدوثها، وقد اشتدت وتيرة هذا الاتهام طوال الحملة الانتخابية في إطار هجومي مباشر، مقدما البديل التصحيحي المتمثل في برنامجه الاقتصادي الذي أطلق عليه (خطة إنقاذ الطبقة الوسطى)، وبعد نجاحه في الانتخابات لم تتوقف هجمات أوباما وفريقه، لكنها اتبعت نهجا جديدا من واقع البيانات الرسمية للدولة، فتم الحديث عن الوضع الحقيقي للأزمة بعبارات شديدة القسوة والوضوح.

ومن ذلك ما قاله نائب الرئيس جوزيف بايدن (الأزمة أسوأ مما كان يعتقد)، وقول أوباما (إن إصلاح الاقتصاد يستغرق سنوات وليس مجرد أشهر للتعافي)، وذلك عقب استكمال فريقه الوزاري، ولتوثيق هذه التصريحات، كشف عن الحجم الحقيق لعجز الموازنة، فكان أوباما أول من قال أنه يصل إلى نحو تريليون دولار، وكان هذا العجز لا يزيد في الموازنة السابقة على نحو 455 مليار دولار، ويهدف من وراء إظهار هذه الصورة الكارثية إخلاء مسؤوليته المباشرة عن التركة الاقتصادية الرهيبة التي يرثها عن سلفه.

*الثاني: حرص أوباما،، إلى جانب تقديم هذه الصورة القاتمة لواقع الاقتصاد الأميركي، على تقديم الأمل للأميركيين، من خلال تأكيد مقدرته على حل الأزمة، والترويج لخطته الاقتصادية التي أطلق عليها مؤخرا اسم (التحفيز)، وقد استطاع أن يجعل الخطة محورا تنطلق منه الرؤى الأميركية المتطلعة للحل، بأن حولها إلى حالة حوارية شعبية من خلال تعاملها مع مشكلات القطاع الأعظم من الأسر الأميركية المنتمية للطبقة الوسطى، وذلك على خلاف للإدارة الجمهورية التي تركزت خطتها على تحفيز الشركات فقط من دون الأفراد.

وهو في ذلك لم يسقط في الأخطاء والأجواء التي صاحبت خطة بوش، كما حرص على تقديمها كخطة مستقلة بعيدا عن خطة سلفه، وكي لا يفرط الأميركيون في التفاؤل بعيدا عما هو ما هو ممكن، طالبهم أوباما بالصبر والتضحية: «سيتطلب الأمر تضحية شخصية من الأميركيين، وتراجع بعض الأولويات» و«أريد أن أكون واقعيا، فليس كل شيء تحدثنا عنه خلال الحملة الانتخابية سيكون بوسعنا انجازه بنفس الوتيرة التي كنا نأملها». وبين انتهاء ولاية بوش، وبدء ولاية أوباما ينحدر الاقتصاد الأميركي نحو مرحلة مقلقة من الركود المصحوب بتباطؤ النمو العام وازدياد حالات الإفلاس وارتفاع معدلات البطالة المقترنة بالفقر والجوع، كل ذلك مصحوبا بالإعلان عن عجز الموازنة العامة.

مرحلة الكساد

وقد أقر مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بالدخول فعلا في مرحلة الكساد منذ ابريل الماضي، وكشفت دراسة له هذه الحالة سوف تستمر لما لا يقل عن أربعة عشر شهرا، وتبين الإحصاءات تراجعا في معدل النمو الإجمالي في الربع الثالث من العام الماضي الى5،% مقارنة بالشهور الثلاثة السابقة، كما انكمش إنفاق المستهلكين بنسبة 8. 3%، وتراجعت الاستثمارات بنسبة5. 7% (حسب إحصاءات وزارة التجارة الأميركية)، وتراجعت أيضا تجارة التجزئة منذ أكتوبر الماضي بنسبة 8. 1%.

وكانت صناعة السيارات الأشد تأثرا بعد امتناع المؤسسات المالية عن تمويل الشراء، مما أدي إلى تراجع المبيعات بنسبة 36% في شهر ديسمبر الماضي، وعانت شركة كرايسلر من أسوأ انخفاض بنسبة 53%، وحدا هذا التراجع بالشركات إلى إغلاق بعض من مصانعها داخل أميركا وخارجها، والى تخفيض الإنتاج بنسبة 60%، (حسبما فعلت جنرال موتورز)، والى التهديد بإشهار الإفلاس، ومن ثم تسريح مئات الآلاف من العمال، فهذه الصناعة يعمل بها مليون أميركي. وقد دفع هذا المأزق بإدارة الرئيس بوش إلى تقديم دعم للشركات بمبلغ 4. 17 مليار دولار من مبلغ 34 مليارا طلبتها الشركات، واشترطت الحكومة الأميركية على هذه الشركات إعادة الهيكلة الإدارية والمالية لخفض النفقات.

خسائر الشركات

وقد انعكست أجواء الركود على شركات أخرى عملاقة فتكبدت خسائر مثل شركة (انتل) للرقائق الالكترونية التي كشفت تراجع مبيعاتها بنسبة 23%، وتحمل خسائر بنحو مليار دولار، وشارفت شركات أحرى على الإفلاس مثل (ايه آي جي) للتأمين، و(سيتي جروب) المصرفية التي تدخلت الحكومة لإنقاذها، وكانت الصدمة الكبرى بعد إفلاس بنك (ليمان براذرز) في إفلاس مجموعة (تربيون) الصحفية التي تملك عددا من أشهر الصحف ومحطات التلفزة، بعدما عانت من ديون قدرها3. 12 مليار دولار، بسبب تراجع الإعلانات، كما اتجهت كثير من الشركات إلى الاستغناء عن العمالة، ومن ذلك شركة بوينج التي استغنت عن4500 وظيفة، وشركة (الكوا) لإنتاج الألومونيوم التي استغنت عن 15 ألف وظيفة، إلى جانب خفض إنتاجها بنسبة 18%، وأعلنت (سيتي جروب) عن اعتزامها الاستغناء عن 50الف وظيفة عالمية.

وأدت هذه الأوضاع الاقتصادية السيئة إلى ارتفاع أرقام العاطلين عن العمل مع سياسة الاستغناء عن العمالة، فقد كشفت الإحصاءات الأميركية أن البطالة بلغت أعلى معدلاتها منذ ستة عشر عاما بنهاية العام2008، بنسبة 2. 7%، حيث يخسر الاقتصاد الأميركي نحو6. 2 مليون وظيفة خلال العام الماضي، والعدد مرشح للارتفاع، مما يعقد المشكلة في ظل وجود 2. 10 ملايين عاطل، وبذلك ارتفع عدد المسجلين في قوائم إعانات البطالة ليصل الى43. 4 ملايين عاطل في أعلى مستوى منذ 26 عاما، وقادت هذه الأجواء بعض الصناديق في ولايات أميركية إلى الإفلاس والعجز عن دفع الإعانات، مثلما حدث في ولايتي أنديانا وميتشجان، وهناك نحو ثلاثين ولاية تواجه خطر نضوب أموال الإعانات، منها نيويورك وأوهايو ورود ايلاند، ويدفع صندوق الإعانة نحو 300 دولار أسبوعيا لكل متعطل عن العمل مسجل لديه.

ومن النتائج الكارثية الأخرى للأزمة أن الولايات المتحدة بدأت تعاني من أزمة جوع مع ارتفاع اعداد العاطلين عن العمل، وازدياد الأسر المحتاجة إلى كوبونات الغذاء، وهي الأسر المكونة من أربعة أفراد ويقل دخلها السنوي عن 5. 27 ألف دولار سنويا، وتوجد في الولايات المتحدة 63 ألف وكالة ومنظمة تقوم على تقديم المعونات الغذائية لنحو25 مليون شخص، إلا أن عدد المسجلين ارتفع في سبتمبر الماضي الـ 5. 31 مليون شخص، ومع هذا الازدياد صارت هذه المنظمات عاجزة عن تلبية حقوق المحتاجين للطعام. ووصف بعض الاقتصاديين الأميركيين هذه الأزمة بأنها الأسوأ منذ الحرب العالمية الثانية، وهو ما يضع على الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما أعباء جمة، وسط تحديات ليس أسوأها العجز في الموازنة العامة، والذي رآه أهون الشرور، فركز اهتمامه في خطة تحفيز الاقتصاد كأولوية على خفض العجز في الموازنة.

ويأمل أوباما وإدارته ومعهم الأميركيون من وراء هذه الخطة الكثير للخروج من الأزمة، وتعتمد الخطة على رصد مبلغ يتراوح مابين 700 مليار إلى تريليون دولار لتنشيط الاقتصاد، عبر زيادة معدل النمو وخفض الضرائب، بما يؤدي إلى تقوية المواقف الإنتاجية للشركات، فتتوقف الاستغناءات عن العمالة، وتعمل أيضا على إيجاد وظائف جديدة فتزداد القوة الشرائية للأفراد، لتتعود بالتالي عجلة الاستهلاك إلى الدوران بمعدلاتها المعتادة، وتطمح إدارة أوباما إلى توفير مابين ثلاثة إلى أربعة ملايين وظيفة بحلول العام 2010.

بنود الخطة

وتتضمن الخطة تخصيص نحو 40% منها، بواقع 300 مليار دولار، لسياسة التخفيضات الضريبية، يذهب الجانب الأكبر منها للأفراد، حيث تمنح نحو تسعين بالمئة من الأسر الأميركية خفضا ضريبيا يقدر بحوالي ألف دولار سنويا، كما تتضمن التوسع في التأمين ضد البطالة والرعاية، إذ يبلغ عدد المحرومين من الخدمات الصحية نحو 40 مليون شخص، ويسعى أوباما إلى تشجيع الولايات للإنفاق على الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة والأمن، وهذه الإجراءات هي خطة مطورة لما سبق وأعلنه أوباما ناخبيه تحت مسمى (خطة حماية الطبقة الوسطى).

ومن المتوقع أن يتقدم الرئيس الأميركي الجديد إلى الكونجرس بخطته لإقرارها فور توليه مسؤولياته، ويرجح أن تتم هذه الخطوة في شهر يناير الجاري أو في فبراير على الأكثر، فالأميركيون تواقون لما وعدهم به رئيسهم الجديد خلال حملته الانتخابية، وهو ما نجح أوباما في أن يحوله إلى عنصر ضغط يحول بين الكونجرس وبين تعطيل أو تعويق إقرار الخطة، مثلما حدث مع إدارة الرئيس بوش في خطته التي حملت اسم (الإنقاذ).

وعلى الرغم من الطموحات التي تتضمنها خطة التحفيز إلا أن الأمر لن يخلو من تحديات، يقف على رأسها التريليون دولار الذي يمثل عجز الموازنة في العام المالي الجديد(بدأ من أكتوبر الماضي)، وكذلك حجم الدين العام الذي يقدر بنحو 7. 10 تريليونات دولار، فمع اعتزام أوباما تنفيذ خطته يتوقع أن يزداد كلا من العجز والدين العام، كما أن تراجع الإيرادات العامة المتوقع حدوثه مع الإعفاءات الضريبية قد يؤثران أيضا على مصادر التمويل.

لكن الجانب الأكثر تعقيدا، والذي لا يمكن حسابه عدا ونقد، هو ضعف الثقة الداخلية والعالمية في السوق الأميركية، خاصة مع ظهور أزمات مثل أزمة صندوق مادوف، وخسائر الصناديق السيادية العالمية، والخوف من انفجار فقاعة بطاقات الائتمان، يضاف إلى ذلك أن أكثر المتفائلين يتوقعون ازدياد معدلات وأرقام البطالة حتى 2010 في ظل تطبيق خطة التحفيز، وهو ما يعني أن الخطة لن تؤتي ثمارها سريعا، بل تحتاج إلى بعض الصبر الذي قد تطول حباله وتمتد، فالأزمة عالمية وليست أميركية فقط، وكذلك تكون حلولها، ويبدو أن أوباما مطالب أيضا بخطط تطمين وتحفيز عالمية أخرى، وهذا ما تركه له أيضا الرئيس جورج دبليو بوش لينجزه مع القوى الاقتصادية الكبرى في العالم، والتي ترفض استمرار الهيمنة الأميركية على الاقتصاد العالمي.

تريليون الائتمان

تمثل مشكلة بطاقات الائتمان تحديا قويا للاقتصاد الأميركي. مما دفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي مؤخرا إلى وضع ضوابط جديدة تتشدد تجاه الإقراض والسداد. إذ يقدر الإحصاءات ديون مستخدمي البطاقات بنحو4. 1 تريليون دولار. توقف منهم تماما عن السداد حوالي 10%. بما لا يقل عن 100 مليار دولار. وكان الأميركيون قد استخدموا في عام 2007 فقط نحو 694 مليون بطاقة تابعة لشركات ماستر كارد وفيزا وأميركان اكسبريس. وقد وصف بعض الاقتصاديين حال هذه البطاقات بأزمة الرهن العقاري التي فجرت الأزمة المالية والاقتصادية الحالية. وذلك في إشارة إلى خطورة الموقف المالي للبطاقات واحتمال انعكاسه على الاقتصاد الأميركي. خاصة مع احتمال انفجار فقاعتها في أي وقت.

هيمنة أميركية

تنتج الولايات المتحدة نحو 30% من إجمالي الناتج العالمي. وتستحوذ على نفس النسبة من التجارة الدولية. ويعتبر الدولار هو العملة المهيمنة على بقية العملات. بصفته المقوم لها. وذلك وفقا لاتفاقية بريتون وودز. ويكتسب الاقتصاد الأميركي موقع السيطرة على النظام الاقتصادي العالمي.

ووفقا لاتفاقية بريتون وودز، فقد نصب كل من صندوق النقد والبنك الدوليين ومنظمة التجارة العالمية كمؤسسات حارسه للنظام الاقتصادي العالمي. مما مكنها من إحكام سيطرتها على كافة الاقتصادات العالمية. ومع اندلاع الأزمة الحالية دعت كل من أوروبا والصين وروسيا وغيرها إلى إنهاء الهيمنة الأميركية. وتأسيس نظام اقتصادي عالمي جديد. وتمثل هذه الدعوات تحديا عالميا لإدارة الرئيس باراك أوباما.

أحمد الكناني