لم تتوقع أن تقوم طائرات الاحتلال الإسرائيلي أو دباباته المتمركزة على الحدود الشرقية لمدينة غزة باستهدافها فملامح طفولتها البريئة وابتسامتها الشفافة مازالت تظهر بوضوح على وجهها وجسدها الصغير الذي مزقته قذيفة إسرائيلية سقطت على بعد متر واحد منها فبترت ساقيها.

تواصلت اعتداءات جيش الاحتلال الإسرائيلي على أطفال قطاع غزة منذ بدء عمليته العسكرية على القطاع في السابع والعشرين من ديسمبر للعام 2008 بهدف القضاء على حركة «حماس» والمقاومة الفلسطينية فقتل أكثر 200 طفل وجرح 600 طفل حسب ما أفاد مصدر طبي في وزارة الصحة الفلسطينية.

من بين هؤلاء الأطفال المصابين الطفلة جميلة الهباش (15 عام) من سكان حي التفاح وسط مدينة غزة، بينما كانت تلعب بالكرة مع أبناء عمها وإخوانها على سطح منزلهم المكون من أربعة طوابق استهدفتهم مدفعية جيش الاحتلال بقذيفة مسمارية سقطت وسطهم لتحول ضحكاتهم إلى صرخات ولتتدفق دماؤهم وتتناثر أشلاؤهم على أسطح المنازل المجاورة.

لم يكتف جيش الاحتلال بقذيفة واحدة فاستهدف المنزل بقذيفة أخرى لتسقط المزيد من الأطفال والنساء ضحايا لجرائمهم التي لم تتوقف.

مأساة حقيقة

معالم الأمل اختلطت مع دموع الألم وارتسمت على وجه جميلة بعد أن فقدت ساقيها فقالت وصرخاتها تملأ المكان: «لم أتوقع في يوم أن يقوم جنود الاحتلال باستهداف منزلنا فكنا ننام بأمان في الأيام السابقة وكنا نلعب كل يوم على سطح منزلنا وعلى ما يبدو أن الاحتلال لم يرق له أن نلعب في ظل الحرب المتواصلة فقام باستهدافنا دون أي رحمة».

ولعل الاحتلال كما أوضحت الطفلة جميلة يرغب بمحو البسمة عن شفاه أطفال غزة فيقوم باستهدافهم في كل مكان، مضيفة «كم أرغب بأن تنتهي الحرب لأعود للعب مع أختي شذا وأبناء عمي».

تداركت جميلة حديثها وأكملت بحسرة «آه على ما يبدو لم أتمكن من اللعب من جديد فساقاي بترت وأختي استشهدت وأبناء عمي كلهم أصيبوا»، مشيرة إلى أنها ستخلق الفرحة في بيتها من جديد بأي طريقة كانت.

ومضت تقول وهي تمسح دماءها عن وجهها: «رغم ما فعله الاحتلال إلى أنني سألعب وألهوا من جديد مع ابن عمي المبتور الساق كما علمت من أمي فنحن الاثنين أصبحنا نعاني من ذات الإصابة وسنلعب مع بعضنا كما كنا في السابق».

ونتيجة الألم الشديد الذي تعاني منه جميلة لم تستطع أن تكمل حديثها ولكنها استبدلته بصرخات تفطر لها قلب أمها فانهمرت دموعها بغزارة وأخذت تدعوا الله العلي القدير أن يشفيها ويخفف عنها ألم الإصابة فجسدها الصغير لم يعيد يتحمل أكثر من ذلك.

وواصلت الطفلة جميلة حديثها الممتزج بالدموع بعد أن تمكنت من التغلب على آلامها وقالت لوالدتها: «أمي أين والدي أريد أن أراه؟»، أجابتها والدتها بأنه ذهب لإحضار بعض الأدوية التي لم تتوفر في مستشفى الشفاء نتيجة للحصار ومنع سلطات الاحتلال الإسرائيلي لدخول المساعدات والأدوية.

ويغرق سكان قطاع غزة في ظلام دامس نتيجة الانقطاع المتواصل للتيار الكهربائي في كافة أرجائه بعد أن قامت قوات الاحتلال باستهداف مولدات وأسلاك الكهرباء ومنعت عمال شركة توزيع الكهرباء من إصلاحها.

صرخة صامتة

صرخة ألم أسكتت جميلة فلم تتمكن من مواصلة حديثها فسارعت والدتها لاستدعاء الطبيب الذي لم يتمكن من الحضور بسبب عشرات الإصابات التي يعالجها فبقيت جميلة تصرخ بألم دون مجيب وتحولت صرخاتها إلى مناشدة هزت أرجاء المستشفى.

وبقيت جميلة على حالها إلى أن جاء أحد طلاب قسم التمريض الذين التحقوا بالأطقم الطبية التي عانت من نقص حاد في الأطباء والممرضين، أعطاها حقنة مهدئة فنامت لساعة لتستيقظ على أصوات الإنفجارات التي دوت في أرجاء المستشفى نتيجة استهداف قوات الاحتلال لعدد من المنازل.

نادت على والدتها التي غطت في نوم عميق بعد خمسة أيام من السهر على راحتها فلم تستجب حتى حضر والدها الذي أخذ يقبلها ويمسح الدماء عن وجهها بدموعه التي انهمرت فور رؤيته لحال ابنته الوحيدة.

وبينما هو يمسح دموع ابنته قال الهباش: « إن الاحتلال الإسرائيلي منذ وجوده على أرضنا وهو يقتل الأطفال والنساء وأي إنسان فلسطيني يتوقع أن يفعل ما فعله فهو ارتكب جرائم أبشع من ذلك بكثير وتاريخه حافل بذلك».

ومضى يقول «لا أدري لماذا يسكت الحكام العرب على ما يحدث بغزة رغم أن المجازر ترتكب أمام أعينهم وربما يبكون عليها»، مطالباً الحكام العرب بالتحرك لنصرة غزة وعدم الاكتفاء بالتنديد والاستنكار وإرسال المساعدات التي معظمها لا يصل إلينا».

وأوضح أنه سيعمل بكل ما أوتي من جهد ليوفر السعادة لابنته المصابة، مؤكداً أن ما فعله الاحتلال لن يلين من عزيمته أو عزيمة الشعب الفلسطيني الذي يأبى أن تداس كرامته .

وبينما يتحدث الهباش دوى انفجار مهيب في المكان فقطع حديثه والتفت إلى ابنته التي أطلقت صرخاتها فاحتضنها وأخذ يقبلها ويهدأ من روعها.

وبعد لحظات وصل طفلان إلى المستشفى أشلاء وخمس إصابات جلها خطيرة نتيجة القصف الإسرائيلي لمنزل في شمال القطاع.

غزة-حمادة حمادة