تحدث نائل شعث (40 عاماً) الأب لأربعة أطفال والمقيم في حي النصر وسط غزة عن التحديات التي يواجهها السكان العالقون في منازلهم منذ بدء الهجوم الإسرائيلي على القطاع قائلا إن قطاع غزة بات في حاجة لإعادة إعمار جراء الدمار الذي حل بكل أحيائه، لكن ذلك لم يدخل إلى قلوب الفلسطينيين الخوف ويدفعهم إلى الرحيل والكل يريد «الموت المشرف».

وقال شعث إن «مشاهد الدمار في كل مكان، عندما تسير في الشوارع فإنك ترى العديد من المباني المدمرة، بعضها مدمر بشكل كامل ولا يصلح للترميم بل يحتاج إلى إعادة البناء من جديد».

وأضاف: «لا يترك الناس منازلهم إلا إذا كانت هناك حاجة ماسة لذلك. كانت آخر مرة خرجت فيها من منزلي قبل يومين لتعبئة سيارتي بالوقود، ولكنني بالطبع أذهب دائماً إلى منزل والدتي لأتفقد أحوالها. في ذلك اليوم ذهبت إلى المخبز ووقفت في طابور طويل لشراء بعض الخبز.

ننتظر بالعادة ساعة أو أكثر لشراء الخبر إذ أن المخابز التي ما تزال تعمل في منطقتنا لا تتجاوز مخبزين أو ثلاثة. وعندما يصل دورك فإن ما يباع لك يعتمد على ما يتوفر في المخبز من الدقيق والغاز، ويشير إلى أن أسعار السلع في ارتفاع مستمر. ويقول: «بعض المواد متوفرة في المحلات وبعضها آخر غير متوفر. وحتى بعض ما توفر منها قد يكون قد تلف الآن بعد ثلاثة أيام من الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي في منطقتنا. لقد سمعت كذلك أن بعض المناطق قد انقطع فيها التيار الكهربائي منذ بدء القصف».

ونقلت وكالة الأنباء الإنسانية عن شعث القول: «يشعر أطفالي بالرعب من الهجمات وخاصة الأصغر سناً ستة أعوام و11 عاماً. فمع اشتداد القصف في الخارج وانقطاع الكهرباء في المنزل فإنهم يرفضون الذهاب إلى الحمام أثناء الليل دون مرافقة. نحن أيضاً عرضة لضغوط نفسية شديدة، فقبل ساعات فقط سمعت عن استشهاد أحد معارفي».

ويضيف أنه «عند انقطاع الكهرباء أول ما يتأثر هو إمدادات المياه. نحن نستخدم المضخات لرفع الماء من الخزانات الأرضية إلى الخزانات الموجودة على أسطح البنايات ليتم توزيعها فيما بعد على الشقق ... إذن حتى إن كنت تملك المياه فأنت غير قادر على استخدامها إلا إذا قمت بنقلها يدوياً. وحتى عند توفرها من الصعب جداً الاستحمام بالماء البارد.. فالسخانات الشمسية لا تعمل بشكل جيد في الشتاء». ومعروف أن شهر يناير يعتبر من أبرد أشهر السنة في فلسطين.

ورغم ذلك يقول شعث لوكالة الأنباء الإنسانية: «ولكن رغم هذه الظروف الصعبة لا أخشى أي شيء الآن. أنا أؤمن بالله وبأن كل شخص سيموت بطريقة أو بأخرى. من الأفضل أن نموت بهذه الطريقة المشرفة. هذا ليس رأيي الشخصي وإنما رأي جميع أهل غزة».

تضامن خارق

وفي ضوء هذا الشعور تشهد غزة حالات غير مسبوقة من التضامن. ففيما استهجن ماجد النعيمات أن يطرق شخص ما، باب منزله في مخيم المغازي للاجئين، في ساعة متأخرة من ليل يوم الجمعة الماضي، وجد بعد تردد قام بفتح الباب، نجلي شقيقته التي تقطن بالقرب منه بالباب.

حيث اخبراه بأنه لم يعد في منزلهما متسع لهما بعد أن تدفق على بيت عائلتهما العشرات من أقاربهما الذين يقطنون في الأراضي الزراعية في منطقة أبوالعجين شرق مدينة دير البلح بعد توغل قوات الاحتلال عشرات النساء والأطفال هاموا على وجوههم في عتمة الليل وقطعوا بضعة كيلومترات حتى وصلوا الى بيت عبدالرحمن العودات، زوج شقيقة ماجد، الذي تربطه بعوائل الفارين صلة قرابة من درجات مختلفة.

وقال عبدالرحمن إنه شعر بحرج شديد لأنه لم يكن في بيته ما يفي من الغطاء والفراش لعشرات النساء والأطفال الذين تكدسوا في صالون المنزل والغرف الاخرى، سيما وأن المناخ شتوي والبرد قارس. لكن ما لم يكن في حسبان هؤلاء الفارين هو ما كان ينتظرهم بعد عودتهم في صباح اليوم التالي لمنازلهم.

كانت هبة، 27 عاماً، ابنة شقيق عبدالرحمن أول العائدين في صباح اليوم التالي لمنزل العائلة، لكن الفاجعة كانت أكبر من أن تستوعبها، فقد اكتشفت وهي على الطريق المؤدية إلى منزلها ان إسرائيل قد سوته بالأرض.

وفي حالة من الذهول واصلت هبة طريقها صوب المنزل لتصعق لهول ما رأته، فتطلق صرخة مدوية في السماء، فقد وجدت جثة حماها السبعيني ملقاة فوق كومة من الحطب، حيث كان يظهر بوضوح أثر رصاصة قد اخترقت جبهته.

أما عائلة جمعة السلاسلة التي تقطن جنوب ابوالعجين فكانت أكثر حظاً من عائلة هبة، إذ ترك جمعة وأنجاله الثمانية وزوجتا اثنين من اولاده البيت بمجرد أن سمعوا هدير الدبابات.

وهي تندفع من الخط الفاصل بين القطاع وإسرائيل بمحاذاة محور كيسوفيم الذي يصل قطاع غزة بإسرائيل ففر جمعة وأفراد عائلته نحو الأحياء الجنوبية لقرية القرارة، القريبة من مدينة خانيونس، حيث يقطن عدد من أقاربه وحلت العائلة بأسرها عندهم. واللجوء الى الأقارب هو أحد مظاهر سلوك الكثير من الفلسطينيين للخلاص من الوحشية وعمليات الإعدام التي ينفذها الجنود الإسرائيليون.

غزة - «البيان» والوكالات