كان وصول ميخائيل غورباتشوف إلى قمة السلطة في الاتحاد السوفييتي السابق بداية منعطف حاسم في تاريخ أوروبا والعالم. اعتمد على الغرب، كي يكسب الوقت، وينقذ الحزب الشيوعي والاتحاد السوفييتي، وهكذا رفع شعار «البيت الأوروبي الموحّد» وفتح الأبواب قليلا للديمقراطية. كن الخلل كان أكبر من تلك الإصلاحات واندفعت الشعوب كي «تصنع التاريخ» مباشرة وتخرج من النظام الشيوعي كله.
وكان انهيار سور برلين في مطلع شهر نوفمبر ـ تشرين الثاني 1989 نقطة الانطلاق في إعادة تنظيم القارة الأوروبية ابتداء من إعادة توحيد الأمة الألمانية في دولة واحدة. هكذا تحدث البعض عن «الثورة الغورباتشوفية» التي غيّرت خارطة أوروبا، وتجاوزت آثارها القارة القديمة لتصل إلى آسيا التي أثبتت نفسها كأحد أقطاب النمو الاقتصادي الرئيسية في العالم.وعلى خلفية نهاية النزاع بين الغرب والشرق فقدت إفريقيا شيئا من أهميتها الإستراتيجية وأدركت نخبها أنه عليها أن توجّه مصيرها بيدها. بنفس الوقت أصبحت بعض المشاكل «الكونية» بمثابة بعد جديد في العلاقات الدولية، وليس أقلها شأنا تلوث البيئة وسخونة الأرض.
بعد أربع سنوات من وصول ميخائيل غورباتشوف إلى السلطة في الاتحاد السوفييتي السابق بدا بوضوح أن ثورة «سلمية المظاهر» هي على الأبواب.
في صيف عام 1989، لم يكن يخفى على أحد أن الاتحاد السوفييتي كان يعاني من صعوبات اقتصادية كبيرة. وكان السؤال المطروح على القيادة السوفييتية ـ آنذاك ـ هو معرفة كيفية الانتقال من اقتصاد بيروقراطي «مركزي» إلى اقتصاد اجتماعي ويتماشى بنفس الوقت مع قواعد اقتصاد السوق.
وتبقى عملية الإصلاح، كما يقول المؤلف، فنّا صعبا، وأكثر صعوبة عندما تأتي متأخرة. وبالنسبة للاتحاد السوفييتي لم تؤد عملية الإصلاح الاقتصادي إلى نتائج، بل على العكس أدّت إلى تخريب منظومة «سيّئة» ولكنها كانت تعمل. هكذا زادت خطورة الوضع وساءت الأحوال المعاشية للمواطنين السوفييت بينما سمحت جرعة اللبرالية السياسية بظهور تيارات عبّرت بوضوح عن استيائها.
ويحدد المؤلف مهارة ميخائيل غورباتشوف بقدرته على تجميع كل هذه التيارات حوله بغية تقديم نفسه ك«حليف الشعب» ضد «رجعيي» الجهاز الحكومي والحزبي.
لكنه كان يقصد في واقع الأمر إنقاذ الحزب الشيوعي السوفييتي وإنقاذ الاتحاد السوفييتي نفسه. لكن موهبته لم تكن كافية ولم يستطع إنقاذ لا هذا ولا ذاك ولم يكن النجاح الكبير الذي حققه هو لدى شعبه، ولكن في الواقع لدى الرأي العام الغربي. إن المؤشرات كلها كانت تدل على أن غورباتشوف كان يعتمد على الغربيين كي يسوّي الأمور ويكسب الوقت.
إن المساعدات الغربية آنذاك لم تتجاوز عدة عشرات المليارات باسم تشجيع الديمقراطية. لكن لا يكفي أن نصبّ الماء في برميل مثقوب كي نتوصل إلى ملئه. والمثال الصيني كان بليغا إذ برهن أن التعاون الاقتصادي، بحدّ ذاته، لا يؤدي إلى تصدير الديمقراطية.
مع اهتزاز الأوضاع في الاتحاد السوفييتي السابق بدت معالم الانفتاح على بلدان أوروبا الشرقية والوسطى الأخرى عبر هبوب «بطيء» لرياح الديمقراطية وعبر نزع الأسلاك الشائكة بين النمسا وهنغاريا ـ المجر ـ ودفعت الأوضاع المستجدة بين الغرب والشرق إلى التأمل حول مستقبل أوروبا بينما كان ميخائيل غورباتشوف نفسه قد تحدث عن «البيت الأوروبي» المشترك.
وشرع بتبنّي «سياسة خارجية جديدة» تقوم على أساس المصالحة مع الغرب وتطبيع العلاقات مع الصين وتحسين العلاقات مع بلدان عدم الانحياز. هكذا نجح في التوصل إلى إدارة جيدة لمصالح بلاده في العالم.
وفي أواخر عقد الثمانينات من القرن الماضي «العشرين» ظهرت ملامح خلل كبير في الاقتصاد العالمي تبدّى أهمها في تنشّط اقتصاد البلدان الصناعية وزيادة إجمالي إنتاجها الداخلي بنسبة 1, 4 بالمائة عام 1988 واقتصاد البلدان الصاعدة ليصل في الصين إلى 3, 9 بالمائة، كما ازداد إيقاع التجارة العالمية بنسبة 3, 9 بالمائة. باختصار بدا العالم، من خلال الازدهار الاقتصادي وما عرفته بلدان المعسكر الشيوعي آنذاك من توجهات ديمقراطية، وكأنه أمام تبدل جوهري ثالث في القرن العشرين بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية. لقد بدا أن «عالما قديما ينهار وعالما جديدا يرى النور».
ويشير المؤلف في هذا السياق إلى أنه من النادر جدا قيام الشعوب بصناعة التاريخ مباشرة متجاوزة بذلك جميع «الوسطاء». وكان عام 1989 قد شهد مثل تلك الحالة في أوروبا الشرقية والوسطى على قاعدة السياسة الجريئة التي انتهجها غورباتشوف على خلاف جميع القادة السوفييت الذين سبقوه.
كان انهيار جدار برلين في خريف عام 1989 نقطة انعطاف حقيقية من أجل «إعادة تنظيم» القارة الأوروبية القديمة ابتداء من إعادة توحيد الأمة الألمانية والدولتين الألمانيتين في دولة واحدة.
وينقل المؤلف عن لويس الرابع عشر قوله: «إن فن السياسة كلّه يكمن في الاستفادة من الظروف». ويرى أن اثنين من قادة أوروبا السياسية عرفا كيف يطبقان ببراعة هذه المقولة في سياق ما بعد انهيار سور برلين. الأول هو غورباتشوف الذي لم يكن يعرف بالتأكيد عنذ توليه السلطة عام 1985، بل ولم يكن يعرف في مطلع عام 1989 أنه سوف يكون «حفّار قبر الشيوعية». والثاني هو هلموت كول الذي لم يكن يتصوّر أبدا أنه سوف «يعيد وحدة ألمانيا». لكن هاتان الشخصيتان الاستثنائيتان استطاعتا، كما يقول المؤلف، إدراك أنهما قادرتان على تغيير مجريات الأمور.
الظروف هي التي تغلق الباب، أو تفتحه، من أجل إنجاز المصائر الكبرى وهي التي تكبح أو تسمح بتنفيذ الإستراتيجيات. أحيانا تسنح فرصة ما ورجل السياسة البارع يعرف كيف «يغتنمها». وهذا ما فعله هلموت كول، مستشار ألمانيا، عام 1989 أو يدفع مسار الأحداث وصولا إلى إعادة توحيد ألمانيا.
ويحدد المؤلف درسين أساسيين من إعادة التوحيد تلك، الدرس الأول هو أن الرأي العام يمكن أن يلعب دورا مركزيا في سياق محدد. والثاني هو أن عمل الدبلوماسيين يمكن أن يكون ذا قيمة جوهرية من حيث المحافظة على المستقبل. ويرى أن الدبلوماسية الألمانية «الغربية» قد حرصت دائما على المحافظة على فرضية إمكانية إعادة توحيد الأمة على المدى الطويل. هكذا نص القانون الأساسي لعام 1949 على أن «الشعب الألماني بمجمله يملك حق تقرير مصيره وسيظل حريصا على تحقيق وحدة ألمانيا وحريتها».
بالمقابل لم يكن لغورباتشوف وكول أية مصلحة في «الهرب إلى الأمام» على الصعيد الدولي. الأول كان منهمكا بمحاولة إعادة الاستقرار إلى «إمبراطوريته» المهتزة. أما كول فقد كان يعرف جيدا أن إعادة توحيد ألمانيا سيكون له ثمن اقتصادي باهظ وصعب والاقتصاد الألماني الغربي، رغم قوته، كان له حدوده أيضا.
وينقل المؤلف عن زبيغنيو بريجنسكي، مستشار الأمن الأمريكي الأسبق قوله: «كان من المعروف منذ فترة طويلة أن نهاية الحرب الباردة سوف تؤدي إلى بروز منتصرين هما الولايات المتحدة وألمانيا ومهزومين هما الاتحاد السوفييتي وفرنسا». إذا كان المؤلف يؤكد على حقيقة الانتصار الأمريكي والألماني فإنه يبدي شكوكه حول واقع هزيمة فرنسا، فالاتحاد السوفييتي لم يعد موجودا أصلا. ويرى أن نهاية الحرب الباردة يمكن أن تشكّل مكسبا للجميع.
بكل الحالات، يؤكد المؤلف قوله أن المسألة الأكثر دقة وحساسية بالنسبة للقارة الأوروبية تتمثل على الصعيد الجيوسياسي بمستقبل الحلف الأطلسي وبمحتواه العسكري. إن الأوضاع التي استجدت على القارة القديمة تستدعي بالضرورة تغييرات عميقة في بنيته. ثم إن زوال الاتحاد السوفييتي ومعه حلف وارسو يطرح أساسا على الكثيرين موضوعية الإبقاء على الحلف الأطلسي الذي قام أصلا من أجل «مواجهة» المعسكر الشيوعي وحلف وارسو في أوروبا.
إن مؤلف هذا الكتاب لا يتردد في الحديث عما يسميه «الثورة الغورباتشوفية» ـ نسبة إلى غورباتشوف ـ . وإذا كان يُسهب كثيرا في شرح آثارها على القارة الأوروبية وما عرفته من إعادة رسم خارطتها بعد انهيار جدار برلين وزوال الاتحاد السوفييتي، فإنه يرى بالمقابل أن آثارها تجاوزت هذه القارة وبدت نتائجها خاصة في آسيا.
ولا يتردد أيضا في القول أن «عملية إعادة توحيد الكوريتين، الجنوبية والشمالية، سوف تتم ذات يوم»، وأن «الصين سوف تتحرك بالضرورة». أما اليابان فسوف تبقى لسنوات طويلة القوة الإقليمية الهامة في إطار مضطرب. هذا «الاضطراب» سيكون بدوره مدعاة للمحافظة على الوجود الأميركي، بما في ذلك العسكري، بالمنطقة.
وكل المؤشرات تدل أيضا على أن آسيا، وبتحديد أكثر منطقة شمال المحيط الهادئ «الباسفيكي» سوف تبقى قطب النمو الاقتصادي الرئيسي لسنوات عديدة أيضا. ذلك أن أمريكا اللاتينية، الصاعدة أيضا، ستبقى لفترة تحت وطأة ديونها الخارجية بالإضافة إلى حالة غير مستقرة تماما على الصعيد السياسي. وسوف تغرق إفريقيا أكثر أمام لا مبالاة العالم كله. ولا شيء يسمح بالقول أن الصعوبات التي تواجهها بلدان المغرب العربي سوف تزول. ولعله من مصلحة أوروبا، في هذا السياق، تنشيط علاقاتها مع هذه البلدان.
ويضيف المؤلف في هذا السياق القول أن النخب الإفريقية أدركت بشكل أفضل أن نهاية الصراع بين الغرب والشرق في ظل الحرب الباردة وما تبعها من نتائج سوف لن تكون بمصلحة بلدانهم. ذلك أن إفريقيا لم تعد تشكل، لفترة من الزمن على الأقل، رهانا إستراتيجيا بنفس الأهمية السابقة.
كما أدركت تلك النخب أن «برّ السلام» بالنسبة لقارئهم يرتبط إلى درجة كبيرة بالمصير الذي ستؤول إليه الأوضاع في الجزء الأكثر ازدهارا منها، وخاصة في جمهورية جنوب إفريقيا التي قد تشكّل «مختبرا» بالنسبة للمستقبل. ويتم التأكيد هنا على أهمية أن تتوصل مختلف الاثنيات والطوائف والقبائل في إفريقيا إلى تفاهم حقيقي في إدارة بلدانها.
من جهة أخرى، كانت بداية عقد التسعينات من القرن الماضي قد شهدت، بالتزامن مع التحولات العميقة التي كان يشهدها العالم، اهتماما عالميا بمشكلة التلوث. وبرز في العلاقات الدولية بعدا جديدا حيال السمة الشاملة «الكونية» لبعض المشاكل الجوهرية، وعلى رأسها الأخطار التي تهدد الكوكب الذي نعيش عليه.
وكمثال ملموس يشير المؤلف إلى أن نسبة ثاني اكسيد الكربون ـ غاز الفحم ـ لم تكن قد زادت عن 280 إلى 290 جزيئة من مليون خلال ال000 160 سنة التي سبقت الثورة الصناعية الكبرى، وزاد ذلك الرقم إلى 350 منذ أواسط القرن التاسع عشر لتصل الزيادة حاليا إلى 5, 2 جزئية في كل سنة. وغاز الفحم هو الأكثر أذى للطبقات الجوية قبل غاز الميتان.
وبدا واضحا للجميع أن زيادة نسبة الغازات السامة في الجو تتماشى مع النمو السكاني ـ الديمغرافي ـ والاقتصادي. النتيجة التي تترتب على ذلك في الأفق قد تكون مضاعفة كميات غاز الفحم الصادرة عن المصانع ومختلف المحركات خلال القرن الحادي والعشرين، هذا إذا لم يتم اتخاذ إجراءات كونية مناسبة. هذا يعني أيضا أن هذه المشكلة أصبحت بمثابة بُعد جديد في العلاقات الدولية.
في المحصلة يؤكد المؤلف على أن التوسع الهائل للنشاطات الاقتصادية وتبدّل العلاقات بين الغرب والشرق وبروز مشاكل ذات طابع كوني كالبيئة دفع كثر للتساؤل عما إذا كان العالم سيغدو بلا حدود كما تقول الإيديولوجية اللبرالية؟ ويضيف المؤلف: «علينا أن نحذر من التقليل من قيمة الخصوصيات الثقافية والوطنية الجاهزة دائما للتعبير عن نفسها عندما تحين الفرصة. ثم إن حضارة الجينز والكوكاكولا لم تنتج، لحسن الحظ، سوى إلى درجة هامشية من توحيد العالم».
وفي مطلع عقد التسعينات الماضي، عندما بدا أن مرحلة جديدة من الازدهار والسلام تعم العالم، ارتفعت جلبة الأحذية العسكرية في الشرق الأوسط قبل نشوب حرب الخليج الأولى.
الصفحات: 390 صفحة (متوسط)
الكتاب: عشرون عاماً هزت العالم
تأليف: تييري دي مونبريال
عرض ومناقشة : د. محمد مخلوف
الناشر: دونو، باريس ـ 2008

