لم تنته يوماً سطور حكايات المعاناة والويلات التي عاشها ويعيشها أهالي قطاع غزة، حتى وإن نعموا بقليل من الطمأنينة في بعض الأوقات، فمشاهد المحرقة الإسرائيلية ما زالت مستمرة بحق البشر والشجر والحجر، مخلفة وراءها جثثا وأشلاء ودماء حطمت ما تبقى من مشاعر وقلوب نابضة، وأطلال ما عادت معالمها مألوفة بالنسبة لأهلها، وأصبح الجميع كأنهم غرباء في وطنهم، يستذكرون صورا لهجرات عاشوها أو عايشوها من خلال ذاكرة آبائهم وأجدادهم، ممن حرمتهم إسرائيل من الاستقرار أو السكينة في أرض أصبحوا يجوبونها كالرحالة المتجولين.

ومع ذلك، فالجميع ينتمي إلى وطن واحد لا ينسوه أبدا، والجميع متشبث بتراب وطنه حتى آخر لحظة، يعيش في بيته تحت القصف والقتل والحصار لأنه بالنسبة إليه وطن وأرض ومأوى، وبعد أن يفقد أهله وأحباءه وحتى جدران منزله التي شهدت على بشاعة المحتل، يجوب في أنحاء مدينته متألما وحزينا، حاملا أعز ما كان يملك من مقتنيات، يتنقل من بقعة لأخرى دون أن يفرط في شبر واحد من أرضه. وبعد أن عاش الفلسطينيون نكبات ونكسات متتالية شهدت عليها مجريات عامي 1948 و1967 وغيرهما، يبدو أن التاريخ يعيد نفسه الآن في غزة، فالكثير منهم يترك منزله أو حطام منزله تحت وطأة النيران ليعود ويراه ركاما ورمادا لا يملك فيه شيئا سوى الذكرى.

دبي- سهير إبراهيم