يرى عدد من الخبراء أن العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة يمكن أن يغير موازين القوى الدقيقة في الشرق الأوسط لصالح التيارات المتطرفة ما يقضي على الآمال الضئيلة بقيام دولة فلسطينية ذات سيادة مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي في إسرائيل بعد بضعة أسابيع حيث تبرز القوى المتطرفة أكثر فأكثر على المشهد السياسي وخاصةً زعيم حزب «ليكود» بنيامين نتانياهو.
واعتبر عضو المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية دوني بوشار أن ما يجري حالياً «يعزز وضع العناصر الأكثر تطرفاً ويمكن أن يزعزع استقرار المعتدلين». ويرى الأخصائي في شؤون الشرق الأوسط أن حركة حماس «ضعفت عسكرياً بسبب الحرب» ولكن ما وصفه ب«هالتها السياسية» يمكن لها أن «تتنامى» لدى شعوب المنطقة. ويشير إلى أن العدوان العسكري الإسرائيلي «يشكل في حد ذاته شكلاً من أشكال الاعتراف بنفوذ حماس».
ويخشى بوشار من أن تضع هذه الأزمة «نقطة نهائية» للعملية التي بدأت برعاية البيت الأبيض أواخر العام 2007 في مؤتمر أنابوليس. ويشاطر رأي بوشار عضو مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في العاصمة الأميركية واشنطن والخبير في شؤون الشرق الأوسط أنتوني كوردسمان الذي يقول ان الوضع الراهن «يعزز سياسياً كل ما يصنفه العالمان العربي والإسلامي بأنهم متطرفون».
وينوه كوردسمان، مستشار المرشح الرئاسي الجمهوري السابق جون ماكين، في حديث إلى صحيفة «لوموند» الفرنسية أن «الطريقة الوحيدة للتصدي لذلك هي التوصل إلى حل سياسي»، مستطرداً القول: «لكن الفرص اليوم ليست كبيرة لتحقيق ذلك». بدورها، تشير الخبيرة في مركز الدراسات الشرقية والإفريقية في العاصمة البريطانية لندن لاله خليلي أنه «حتى وإن لم يكن لذلك وقع على المستوى الإقليمي فإن العناصر الأكثر تطرفاً هي التي تشعر بالحافز».
أما مدير مرصد الدول العربية في العاصمة الفرنسية باريس أنطوان بصبوص فاعتبر أن تمثيل القضية الفلسطينية الذي تجسده رسمياً السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس «بات على المحك». ويقول في هذا الصدد إن حركة «حماس» «تريد تجسيد التمثيل الرسمي لفلسطين ومطالبها وأخذ مكان السلطة». ويتابع قائلاً إنه «على العكس، فإن خرجت حماس مسحوقة فإن عباس يمكن أن يظهر كمرجع لا يقوم بمجازفات مفرطة» على حد تعبيره.
يبقى أن نتيجة هذا العدوان ستؤثر بلا شك على الانتخابات الإسرائيلية المرتقبة بعد بضعة أسابيع حيث تخوض وزيرة الخارجية تسيبي ليفني منافسة شديدة مع حزب «ليكود» بزعامة بنيامين نتانياهو. ويرى الكثير من الدبلوماسيين في إسرائيل في عودة نتانياهو إلى الحكم عاملاً إضافياً في رؤية جهود السلام الهشة تتراجع مجدداً. وفي هذا الظرف يشدد الخبراء على أن فرص التوصل إلى قيام دولة فلسطينية «قابلة للاستمرار» أمست «أكثر تضاؤلاً من أي وقتٍ مضى».
ويقر كوردسمان أن فوز «ليكود» «سيجعل الأمور أكثر تعقيداً». وبين الحرب على قطاع غزة من جهة والضفة الغربية التي «تقضمها» إسرائيل عبر الاستيطان وجدار الفصل العنصري من جهة أخرى، يتساءل الخبراء الإستراتيجيون: «هل بقي هناك مكان لدولة فلسطينية غير وهمية؟».
(أ.ف.ب)
