طفلة دفنت تحت الأنقاض، وطفل بريء تحول جسده أشلاء.. سيدة كبيرة اخترقت الرصاصات جسدها، شاب في مقتبل العمر بنصف جسد بينما الجزء السفلي منه على بعد أمتار قليلة، وشعر وبقايا رأس يدل على جثة لم يتبق منها شيء لفتاة صغيرة.. هذا ليس سيناريو لفيلم رعب أنتج في مؤسسات عالمية، ولكنه مشاهد حقيقية تحدث خلال العملية العسكرية التي يشنها جيش الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة منذ 15 يوما.
قال موظفو إغاثة دوليون تمكنوا للمرة الأولى من الوصول إلى حي الزيتون جنوب مدينة غزة إنهم عثروا في أحد منازل الحي على أطفال وشبان كانوا على شفا الموت ولا يقوون على الوقوف بسبب نفاد المياه والغذاء. وعلى مقربة من المكان ، عثرت طواقم اللجنة الدولية للصليب الأحمر الدولي بعد أن سمح الجيش الإسرائيلي لها بدخول المنطقة الشرقية من الحي بعد أربعة أيام في أحد المنازل على 12 جثة من بينها جثث أمهات الأطفال. وكان الجيش الإسرائيلي على مقربة من المنزل ولم يسمح بدخول الطواقم الطبية لإخلاء الشهداء والجرحى لأيام.
ودمر الجيش الإسرائيلي الذي سيطر على المنطقة الشرقية لجنوب حي الزيتون، حيث يشهد الحي دوي انفجارات مستمرا، أكثر من 20 منزلا حتى الآن، فيما جرف الشارع الرئيسي وصنع منه سواتر ترابية تحسبا لهجمات المقاومة الفلسطينية. ولم تتمكن سيارات الإسعاف وفرق الإنقاذ من التقدم في المنطقة ما أضطرها إلى نقلهم بواسطة عربات تجرها الدواب. وقال أحد المسعفين المحليين الذي رافق طاقم اللجنة الدولية للصليب الأحمر للصحافيين في مستشفى الشفاء في غزة: «تمكنا من إخلاء عدد من الضحايا بين قتيل وجريح.. كانت مشاهد مروعة». وأضاف: «نعتقد أن هناك مزيدا من القتلى والجرحى لم يتمكنوا من الخروج وبقوا تحت الأنقاض في الحي».
وتحاول منظمات إغاثية الطلب من الجيش الإسرائيلي السماح لهم بدخول الحي دون إبطاء للبحث عن ضحايا وانتشالهم. غير أنها لم تحصل حتى الآن على ذلك. وروى شهود عيان فلسطينيون لعدد من الإذاعات المحلية أن بعض جثث الفلسطينيين الشهداء نهشتها كلاب، فيما قال آخرون إن الدبابات الإسرائيلية دهست جريحين فلسطينيين خلال تقدمها في الحي المكتظ بالسكان. ولم يصدق المواطن سالم أبودحروج ما شاهدته عيناه حينما فر هاربا من غزارة القصف الإسرائيلي على منطقة شرق بلدة جباليا شمال قطاع غزة حيث كثفت إسرائيل من قصفها البري والجوي والبحري على تلك المنطقة.
وقال أبو دحروج (43 عاما) في اتصال هاتفي مع وكالة الأنباء الألمانية: «رأيت مشاهد مرعبة تقشعر لها الأبدان.. هناك جثث ملقاة على الأرض، وهناك أناس ينزفون ولا يستطيع أحد الاقتراب منهم.. فهربت». وتابع القول إن «جنود الاحتلال أوقفوا إحدى العائلات تحت تهديد السلاح وطلبوا منهم خلع ملابسهم حتى النساء». وأضاف أن الجنود دخلوا عددا من المنازل وقاموا بإعدام من فيها وإطلاق النار عليهم عن قرب.
وقصفت الطائرات الإسرائيلية سيارة مدنية في مخيم جباليا وفتحت نيران رشاشاتها تجاه نساء توجهن من المنطقة الغربية في عزبة عبد ربه شمال قطاع غزة إلى بعض العائلات المحاصرة من المنطقة الشرقية للحي، وهن يحملن بعض المواد الغذائية ليفتح الجنود الإسرائيليون النار تجاههن ما تسبب في إصابة ثلاث منهن بجراح.
وقال أبوسامي الزوارعة (60 عاماً) وهو من سكان منطقة جحر الديك شرق قطاع غزة إن الجيش الإسرائيلي قصف منزلا في المنطقة من الأعلى حتى الأسفل مما أدى إلى استشهاد وجرح عدد من كان بالداخل. وتابع أنه «بعد فترة من الوقت طالب الجيش النساء بترك المنزل ورفع الرايات البيضاء وسلك طريق معرج يؤدي إلى منتصف مخيم البريج وسط قطاع غزة وترك من قتل أو جرح داخل المنزل». وأضاف: «شاهدت امرأة تبلغ من العمر 70 عاما جرحت بعد تعرض منزلها للقصف من قبل الدبابات الإسرائيلية وتركها الجيش تنزف حتى ماتت».
مأساة
ضاقت مستشفيات قطاع غزة بالجرحى والمصابين والقتلى ومازال الجرحى والقتلى يتدفقون إليها. وذكرت مصادر طبية رسمية أن مجموع عدد الشهداء فاق الـ 825 فلسطينيا فيما أصيب أكثر من 3350 آخرين. فيما تواجه المؤسسات الدولية العاملة في غزة صعوبات وعراقيل تحول دون تقديم خدمات للسكان المنكوبين الذي يعيشون تحت النيران.
وأوضح بيان صادر عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن الجيش الإسرائيلي تخلف في هذه الحالة عن الوفاء بواجبه بموجب القانون الدولي الإنساني والذي يقضي بتوفير الرعاية للجرحى وإجلائهم. وتعتبر أن التأخير في السماح لخدمات الإغاثة بدخول الحي أمر غير مقبول. وقال المواطن محمد عمر (45 عاماً) من سكان منطقة العطاطرة في بلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزة أن «عددا من الجثث مازالت ملقاة على الأرض تنتظر الانسحاب الإسرائيلي لانتشالها».
وقال إن «الجرافات والدبابات الإسرائيلية هدمت عشرات المنازل وهناك من دفن تحت أنقاض منزله وهناك من جرح وبقي ينزف ومن يقترب منه يتم إطلاق قذيفة تجاهه». وتابع القول: «عشت سنوات الانتفاضة الثلاث لم ار ولم أشاهد مثل هذه الأعمال نحن تتعرض لحرب إبادة».
(د.ب.أ)

