انتزعت اللجنة الوزارية العربية الرفيعة المستوى فجر أمس قراراً من مجلس الأمن يدعو إلى «وقف نار فوري ودائم» للحرب التي تخوضها إسرائيل ضد حركة «حماس» في غزة، ويطالب باتخاذ «ترتيبات وضمانات» من أجل «الحيلولة دون التهريب غير الشرعي للأسلحة والذخائر ولضمان إعادة فتح دائمة لنقاط العبور من القطاع ».

وبعد جهود مضنية بذلها وزراء الخارجية العرب والمسؤولون الكبار في جامعة الدول العربية طوال أربعة أيام على مدار الساعة، عقد مجلس الأمن جلسة عند الساعة التاسعة ليلاً بتوقيت نيويورك (الخامسة فجراً بتوقيت الإمارات العربية المتحدة) وصوت على القرار الرقم 1860 بغالبية 14 صوتاً مقابل امتناع الولايات المتحدة عن التصويت،

بعدما توصل المفاوضون عقب عشرات الاجتماعات والمشاورات المضنية في الأمم المتحدة وعبر العواصم، بمشاركة وزراء الخارجية الفرنسي برنار كوشنير والأميركية كوندوليزا رايس والبريطاني ديفيد ميليباند من جهة، والوفد العربي الرفيع المؤلف من وزراء الخارجية: الإماراتي سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان والسعودي الأمير سعود الفيصل والمصري أحمد أبو الغيط والأردني صلاح الدين البشير والفلسطيني رياض المالكي واللبناني فوزي صلوخ والمغربي الطيب الفاسي الفهري وأمين اللجنة الشعبية العامة للمكتب الشعبي للتعاون الدولي والاتصال الخارجي عبد الرحمن وغيرهم من المسؤولين العرب وعلى رأسهم الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى من الجهة الأخرى.

وكاد كوشنير يطيح الاتفاق عندما أعلن أمام وزراء الخارجية العرب أنه موافق على مشروع القرار الذي قدمته بريطانيا، وأجرت المجموعة العربية تعديلات رئيسية عليه، بيد أنه أضاف بالحرف الواحد: «لكنني بحاجة إلى انتظار اتصال من ساركوزي».

لكن الاتصال الذي انتظره كوشنير من الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي لم يأت سريعاً، الأمر الذي دفع الوزراء العرب إلى التلويح بعقد مؤتمر صحافي يعلنون خلاله فشل المفاوضات من أجل التوصل إلى صيغة توافقية على القرار الذي يتوقع صدوره من مجلس الأمن، والعودة إلى صيغة القرار العربي الذي كانت ليبيا اقترحته حتى لو تعرض لاستخدام حق النقض «الفيتو» من الدول الكبرى. وعلى أثر الصلابة التي أبداها المسؤولون العرب، سارعت رايس إلى الحضور برفقة كوشنير وميليباند إلى القاعة التي يجتمع فيها المسؤولون العرب، ثم خرجوا من دون الإدلاء بأي تصريحات.

وأشاع الوفد الوزاري العربي أجواء تفاؤل بعد التوصل إلى صيغة اتفاق على إصدار قرار من مجلس الأمن، وقال ميليباند إنه «بعد المفاوضات الجارية منذ ثلاثة أيام وعلى مدار الساعة بتنا على مقربة من التوصل إلى صيغة اتفاق لاستصدار قرار من مجلس الأمن». وأكد أنه لا بد من التصويت على القرار، ومؤكداً أنه يسعى إلى تذليل العقبة التي ظهرت بعد موقف كوشنير.

وأفاد مصدر عربي أن «ساركوزي استمهل إصدار قرار 24 ساعة بغية إجراء اتصالات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود أولمرت لإنهاء الأزمة»، مضيفاً أن «الدبلوماسية الفرنسية تلقت وعداً من إسرائيل بالموافقة على وقف للنار اليوم». وكشف أن كوشنير «كان يسعى إلى تجيير الانتصار العربي للرئيس الفرنسي». وأشار إلى أن «كوشنير ادعى أن الرئيس المصري حسني مبارك لم يوافق على الصيغة المنجزة. لكن وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط تصدى له مؤكداً أن مبارك موافق على الصيغة التي توصلنا إليها».

وفسر دبلوماسي عربي آخر هذا الموقف من كوشنير بأنه «محاولة لتقويض الجهود التي يبذلها المسؤولون العرب في الأمم المتحدة، وجعل القرار الذي من المقرر أن يصدر عن مجلس الأمن غير ذي جدوى». واتهم فرنسا بأنها تعرقل الجهود لإنجاز اتفاق في مجلس الأمن. وأبلغ الأمير سعود الفيصل إلى «البيان» أنه «لا بد من التصويت الليلة (أمس بتوقيت نيويورك) على مشروع قرار مهما كلف الأمر».

ورداً على سؤال عما إذا كان يخشى استخدام حق النقض ضد مشروع القرار، أجاب الفيصل: «نحن متطلعون إلى تصويت بالإجماع في مجلس الأمن». وبالفعل عاد وزيرا الخارجية البريطاني والسعودي ليعلنا على الملأ أنه جرى التوصل إلى اتفاق على استصدار «قرار قوي» من مجلس الأمن لوقف العمليات العسكرية في غزة. وكان وزراء الخارجية الأميركية والفرنسي والبريطاني رفضوا سابقاً مشروع القرار العربي الذي كانت ليبيا تقدمت به، مقابل تمسك الوفد العربي بضرورة استصدار قرار من مجلس الأمن في شأن الأوضاع في غزة، ورفضه بصورة نهائية مشروع بيان رئاسي قدمته بريطانيا.

وعقب المصادقة على القرار، صرح الأمين العام لجامعة الدول العربية أن «مجلس الأمن بات الآن مسؤولاً بصورة مباشرة عن تنفيذ ما جرى التوصل إليه. وقف النار صار من مسؤولية المجلس والأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون وكل دول العالم». وأضاف أنه «في حال لم تنفذ إسرائيل القرار سيكون هناك تحدلإرادة المجتمع الدولي ولكل هؤلاء الأعضاء بمن فيهم الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن».

وأكد أن «المسؤولين العرب قاموا بما يجب القيام به، ودفعنا مجلس الأمن إلى إصدار القرار اللازم في ما يتعلق بوقف إطلاق النار والانسحاب وحفظ المسائل الإنسانية وإنهاء الحصار وفتح المعابر، وهذه أمور يجب أن تنفذ فوراً». وعما إذا كان يخشى من توسع النزاع وخصوصاً بعد إطلاق صواريخ من لبنان في اتجاه إسرائيل، أجاب موسى: «نحن نرجو أن يتوقف الهجوم الإسرائيلي لا أن يتوسع.

إنما إذا كانت لدى إسرائيل خطط أخرى فلا يد أن نواجهها بخطط مقابلة. نحن نواجه إسرائيل هنا بقرار من مجلس الأمن بالإضافة إلى مبادرة الرئيس المصري حسني مبارك والمساعي الفرنسية من أجل وقف المجزرة التي تحصل في غزة. هنا انتهى دورنا، وجاء دور المجتمع الدولي كله من أجل أن يتكاتف لتنفيذ القرار الذي توصلنا إليه».

أزمة ومواقف

قال الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى إن «كل الدول المجاورة لفلسطين متأثرة بما هو جار للفلسطينيين. نحن نحاول محاصرة النزاع ووقف المجزرة وعلى مجلس الأمن أن يتولى مسؤولياته ويسيطر على الموقف لردع إسرائيل». وأكد موسى أنه «متفائل جداً بإصدار القرار بعد التأييد الواسع للقرار في مجلس الأمن. ولكنني غير متفائل بكيفية تعامل إسرائيل مع القرار».

في تصريح مقتضب قبل التصويت، رحب كوشنير بنص القرار لأنه يتضمن «العناصر الأساسية للخروج من الأزمة»، لكنه أسف لكون المجلس «لم يعط مزيدا من الوقت لتقريب وجهات نظر المفاوضين على الأرض» اثر المبادرة المصرية. وكان الوفد الفرنسي يفضل أن ينتظر مجلس الأمن حتى الجمعة للتصويت على مشروع القرار لكن الدول العربية أصرت على التصويت مساء الخميس.

دعا رئيس الوزراء البريطاني غوردون براون أمس إلى اتخاذ «إجراءات عاجلة» على الأرض اثر «الخطوة إلى الإمام» التي يمثلها اعتماد مجلس الأمن الدولي قرارا يدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار في غزة. وقال براون للصحافيين: «ينبغي علينا أن نتقدم فورا انطلاقا من الخطوة إلى الأمام التي قام بها المجتمع الدولي الذي عمل معا لان المهم هو ما سوف يحصل على الأرض خلال الأيام المقبلة لإنهاء العملية العسكرية ووقف الهجمات بالصواريخ من غزة على السكان الإسرائيليين».

نيويورك - علي بردى