شهدت السنوات الأولى من عقد التسعينات أحداثا كبرى كانت لها تأثيراتها على العالم أجمع، وفي مقدمتها انهيار الاتحاد السوفييتي وتفكك يوغسلافيا وحرب الخليج عام 1991.

كانت منطقة الشرق الأوسط قد ورثت من الحرب العالمية الأولى مشكلة ترسيم الحدود بين دولها، ووصل الأمر أحيانا إلى المجابهات المسلحة فيما بينها وكان اجتياح الكويت أحد أبرزها. وكان أيضا السبب في قيام تحالف عسكري دولي صممته وتزعمته الولايات المتحدة الأميركية.

وتدل التحليلات المقدّمة في هذا الكتاب أن الرئيس الأميركي آنذاك جورج بوش «الأب» كان يرمي إلى تحقيق عدة أهداف من الحرب أهمها منع العراق من السيطرة على موارد النفط وتعزيز الزعامة الأميركية في الشرق الأوسط وعدم المساس بالحدود في هذه المنطقة من العالم.

فهل كان الرئيس العراقي يعتقد أن الفرصة مناسبة لتحقيق طموحاته؟ وهل كان مستعدا للتفاوض حول الانسحاب على أساس «الحل العربي»؟ هذا ما لم يكن الرئيس جورج بوش «الأب» يريده بل كانت الحرب هي «خياره» وفرض «نظام عالمي جديد».

كانت السنوات الأولى من عقد التسعينات الماضي زاخرة بالأحداث ذات الأهمية الكونية. ولم يكن أقلها الفوضى التي عرفها الاتحاد السوفييتي السابق، ثم انهيار نظامه الشيوعي وتفكك يوغسلافيا وحرب الخليج الأولى. وما يؤكده مؤلف هذا الكتاب هو أن القوى الكبرى في العالم كانت مأخوذة بالقضايا الأوروبية ولذلك لم تغطِ الأزمة التي قامت بين العراق والكويت آنذاك. وكانت دهشة العالم كبيرة أمام اجتياح القوات العراقية للكويت يوم 2 أغسطس 1990.

تلك الأحداث معروفة للجميع لكن تحليلها، مثلما هو الأمر بالنسبة لجميع الأحداث الكبرى، يتطلب التمييز بين الأسباب العميقة والأسباب المباشرة، كما يقول تييري دو مونبريال مشيرا إلى أن الحدود في منطقة الشرق الأوسط، كما في أوروبا، جرى ترسيمها، إلى هذه درجة أو تلك، عند نهاية الحرب العالمية الأولى.

ومثلما كانت تشيكوسلوفاكيا ويوغسلافيا نتاجا لاتفاقيات سياسية فإن معاهدة سايكس ـ بيكو كانت من «نمط استعماري». هكذا اعتبر الرؤساء العراقيون منذ الاستقلال عام 1932 أن الكويت، الغنية بالبترول، تشكل جزءاً من الأرض العراقية. وكانت بريطانيا هي التي ردعت عبد الكريم قاسم عند إعلان استقلال الكويت عام 1961 عن اجتياحها.

وعند نهاية الحرب العراقية ـ الإيرانية التي استمرّت ثمانية أعوام، بدا العراق منتصرا فيها، وعمل النظام العراقي آنذاك على تعزيز تسلّحه دون أن يعترض القادة الغربيون أو السوفييت على ذلك. وفي مثل ذلك السياق جرى اجتياح الكويت.

فهل اعتقد الرئيس الراحل صدام حسين أن الفرصة مناسبة لتحقيق طموح العراق الكبير في الخليج وثرواته؟ يتساءل المؤلف ويضيف سؤالا آخر: هل كان يفكر آنذاك بالبقاء في الكويت، أو ربما قد يستطيع أن يدفع طموحاته حتى السعودية؟

ويجيب: هناك فرضية ليست أقل معقولية ومفادها أنه ربما كان مستعدا للتفاوض حول انسحاب مقابل تعديلات حدودية تسمح بحصوله على منفذ على البحر واقتسام جديد للبترول وإلغاء الديون المترتبة على العراق أثناء حربه مع إيران. ويؤكد المؤلف أن مثل ذلك الحل كان قابلا للتطبيق لو كانت الولايات المتحدة قد سمحت بتمرير «الحل العربي» الذي كانت تتم المفاوضات حوله منذ الأيام التي تلت الاجتياح مباشرة.

لكن الرئيس الأميركي جورج بوش «الأب» كان مصمما على أن استقرار الأوضاع كما هي مستبعدا أية فكرة للوصول إلى مصالحة. وتتم الإشارة هنا إلى أن ذلك التشدد الأميركي كان يتعارض مع «الموقف اللامبالي» تقريبا الذي كانت الإدارة الأميركية قد أظهرته خلال الأسابيع السابقة لاجتياح الكويت.

كما تتم الإشارة هنا إلى أن بعض المحللين قد تحدثوا عن إمكانية أن تكون واشنطن قد نصبت «فخّا» لصدام حسين من أجل تدميره. لكن المؤلف يميل إلى الاعتقاد أن مثل تلك الفرضية قليلة الاحتمال ، مع ترجيح الاعتقاد بإمكانية أن يكون الرئيس بوش قد فهم مباشرة ما يمكن أن يجنيه من مكاسب من ذلك الوضع.

وكانت فكرة إقامة تحالف واسع برّاقة لكن تنفيذها بدا صعبا. مع ذلك توصّل الرئيس الأميركي إلى غايته وبالتناغم مع ميخائيل جورباتشوف «الغارق بمشاكله الكبيرة» وحيث أرادت الصين أيضا أن تستفيد من الوضع لتؤكد وقوفها مع القانون الدولي. وكان دعم بريطانيا غير محدود كالعادة ووافقت فرنسا «بعد تفكير» بالانخراط في التحالف العسكري الدولي.

وعلى صعيد المنطقة يرى مؤلف هذا الكتاب أن واشنطن كانت تملك من وسائل الضغط ما يكفي لضمّ «أصدقائها» إلى التحالف الدولي. وانضمت إليه تركيا على خلفية إرادة تعزيز موقعها داخل الحلف الأطلسي. وكانت إيران تتمنّى كثيرا الإطاحة بعدوها التاريخي صدام حسين. كذلك لم يتخلّف الرئيس السوري حافظ الأسد، المعروف ببراعته السياسية، عن الالتحاق آنذاك بالتحالف الدولي الذي كان يتأهب لخوض حرب الخليج.

وتشير التحليلات المقدّمة إلى أن الرئيس جورج بوش «الأب»، كان يهدف من خلال إظهار حزمه وتصميمه إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية. الهدف الأول هو منع العراق من السيطرة على مصادر النفط، والهدف الثاني تعزيز الزعامة الأميركية في الشرق الأوسط، والهدف الثالث تأكيد مبدأ عدم إمكانية المساس بالحدود في هذه المنطقة الحساسة من العالم. لقد كان باختصار يدافع عن المصالح الأميركية وقد سمح له سلوك الرئيس العراقي آنذاك أن يجعل حملته العسكرية باسم الأخلاق.

لكن ذلك كان صعب القبول من قبل الشعوب التي كانت تعاني من حالة عامة من اللامبالاة بها، وأيضا من قبل أولئك الذين كانوا يرون أمام أعينهم الانتقائية الكبيرة فيما يخص تنفيذ قرارات مجلس الأمن الدولي.

هذا وبالترافق مع تعاظم الأزمة برز هدف، كان موجودا في الواقع منذ البداية، آخر تمثل في إنهاء القدرات العسكرية للعراق وخاصة في المجال النووي. «كان الهدف الرئيسي بهذا الخصوص هو ضمان أمن إسرائيل على المدى المتوسط» كما نقرأ.

من هنا، يؤكد المؤلف أيضا، يمكن الاعتقاد أن الولايات المتحدة لم تكن تريد فقط الانسحاب من الكويت ولكن أيضا كانت تتمنى الحرب حقيقة والإطاحة بصدام حسين.

ويرى المؤلف أن الأكثر دهشة فيما جرى هو أن الرئيس العراقي ظل مصرّا على مواقفه حتى النهاية. وكان أعداؤه يخشون أية مبادرة من طرفه كان منها أن تهز التحالف.

فهل كان يعتقد حقيقة أن جيوشه كانت قادرة على إلحاق خسائر لا يمكن للأميركيين ولحلفائهم أن يتحملوها مما يدفع الرأي العام العربي؟ يتساءل المؤلف. ويجيب أنه لا أحد يستطيع اليوم أن يقدم إجابات شافية عن هذا السؤال، لكن عناده سمح بالانتصار الكامل لجورج بوش «الأب».

بكل الحالات كانت نتائج تلك الحرب على مستوى الصدمة التي أثارتها على المستوى الإقليمي، كما الدولي. وأصبحت الولايات المتحدة هي «القوة العظمى» الوحيدة في العالم التي تستحق هذه التسمية. وظهر أن الديمقراطية الأميركية، رغم نقاط ضعفها وأشكال الرياء العديدة فيها، هي أحد النماذج النادرة في العالم القادرة على المقاومة أمام امتحان الزمن.

لكن هذا لا يمنع واقع أن القوة الأميركية قد تقهقرت منذ الحرب العالمية الثانية. فعلى الصعيد الاقتصادي تدل الأرقام أن الوزن النسبي لأميركا في الاقتصاد العالمي قد عاد إلى المستوى الذي كان عليه في مطلع القرن.

وهذا يفسر جزئيا، برأي المؤلف، طلب الولايات المتحدة من حلفائها، خاصة من بلدان الخليج وألمانيا واليابان التي لم تشارك في العمليات العسكرية، المساهمة في تمويل حرب الخليج الأولى. وتدل المؤشرات إلى أنه قد جرت «تغطية» جميع نفقاتها تقريبا عبر ذلك.

هكذا قال البعض إن أميركا «المتكبّرة» أصبحت «قوة مرتزقة». لكن المؤلف لا يرى في مثل هذا القول سوى نوع من العبث، فالمساهمة المالية عززت شرعية عملها الخارجي. ثم إنها كانت بحاجة إلى ذلك اقتصاديا، الأمر الذي مثّل أمرا لا سابق له في تاريخ «الجمهورية الامبريالية».

بالمقابل يشرح المؤلف أنه إذا كان الأميركيون قد دعموا رئيسهم في حرب الخليج الأولى فإن هذا لم يكن يعني أبدا أنه أصبح حرّا «طليق اليدين» بالتدخل حيث يشاء. ولم يكن هناك ما يسمح بالتأكيد أن الحرب في الكويت قد أزالت ذكرى حرب فيتنام. ولم يكن هناك ما يسمح بالقول إن العالم قد أصبح «أحادي القطب» بمعنى أن الولايات المتحدة ترغب وتستطيع الوصاية عليه.

إنها تحركت خارجيا على أساس رؤيتها ومصالحها التي قد تتطابق إلى هذا الحد أو ذاك مع الآخرين، وخاصة مع الأوروبيين، ولكن ليس بصورة كاملة أبدا.

كذلك ينبغي التذكير أن الرئيس جورج بوش «الأب» كان قد توصل إلى تشكيل تحالفه العسكري بفضل الشرعية التي منحتها له منظمة الأمم المتحدة حيث كان مجلس الأمن قد أعطى «الضوء الأخضر». ويرى المؤلف أن العامل الحاسم كان التعاون السوفييتي.

على الصعيد الإقليمي يرى المؤلف أن حرب الخليج الأولى وجدت ترجمتها في تكريس الزعامة الأميركية، وتعزيز مواقع ثلاثة بلدان غير عربية هي إيران وتركيا وإسرائيل. وكان من أهم النتائج أيضا هو أن الوضع الجديد أدّى إلى جعل سعر البترول يخضع لاعتبارات سياسية بحيث تقوم واشنطن بدور الحكم في ذلك. وبنفس الوقت بدا أن الأفق ينفتح قليلا أمام مسيرة السلام في الشرق الأوسط.

ويفتح المؤلف في هذا السياق قوسين ليشير إلى أن البعض عابوا على جورج بوش «الأب» عدم الإطاحة بالرئيس العراقي ووقف الحرب مبكّرا في ليلة 27-28 فبراير 1991. والرد على مثل هذا القول يتمثل في التأكيد على تجاهله لمسألتين متكاملتين.

الأولى هي أن جورج بوش «الأب» لم يكن يريد المخاطرة بالخروج عن الإطار الذي حددته الأمم المتحدة للعملية، والثانية هي أنه كان يريد تجنب أن تعمّ الفوضى في بغداد وأن يجد نفسه متورطا فيها. وكانت سياسته باستمرار تقوم على أمنية الإطاحة بصدام حسين ولكن ضمن شروط لا تؤدي إلى تفجّر العراق.

كانت البلدان الصناعية في مطلع عقد التسعينات الماضي قد أصبحت عامة «مستوردة» لرؤوس الأموال، أي ما يعني أن متطلبات الاستثمارات في العالم المتطور كان يفوق قدراتها على التوفير الخاص أو العام. والعجز الأميركي بدا تقليصه شبه مستحيل ونسبة الوفر الخاص في اليابان كانت تتناقص وفوائض ألمانيا الفدرالية الغربية من الأموال «امتصّتها» ألمانيا الشرقية.

في مواجهة مثل هذا الوضع بدا من الضروري قيام «نظام عالمي جديد» يفرض توازنا كونيا أفضل بين الوفر والاستثمار. وكان من المطلوب البحث عنه عبر سبل متنوعة على رأسها زيادة الوفر في جميع البلدان، وليس الغنية فقط، والرقابة الصارمة على نفقات الدول كشرط لمنح المساعدات وكبح نفقات شراء الأسلحة.

هذه الخيارات كلها تتطلّب بالضرورة اتخاذ إجراءات بنيوية، أي صعبة سياسيا، لكن لا بدّ منها ومن الانصياع لها. كما تتطلب أيضا أن تقوم البلدان المتطورة بفتح حدودها أمام منتوجات المناطق النامية. هذا ما يعبر عنه المؤلف بالجملة الشهيرة «التجارة وليس المساعدة».

ويدلّ المشهد الدولي على أنه اعتبارا من نهاية الحرب العالمية الثانية برز التنافس بين الشرق والغرب الذي انضوى تحت الراية الأميركية. لكن أوروبا الغربية انطلقت في مشروع توحيدي لا سابق له في التاريخ. كما أثبت البنيان الأوروبي أنه قادر على امتصاص «صدمة» انهيار الاتحاد السوفييتي و«ضم» الدول الأوروبية التي كانت تسير في فلكه.

بالمقابل دخلت روسيا في فترة من الاضطرابات والزوابع وانتعشت من جديد مخاطر المجابهات الاثنية والقومية في البلقان خاصة. وفي مواجهة هذا كله برزت الولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة وبدا أنها تريد أن تفرض نظاما دوليا جديدا «على قياسها». ولكنها بدت أيضا «قوة عظمى» تتردد حيال مستقبلها نفسه.

الصفحات: 390 صفحة (متوسط)

الكتاب: عشرون عاماً هزت العالم

تأليف: تييري دي مونبريال

عرض ومناقشة : د. محمد مخلوف

الناشر: دونو، باريس ـ 2008