يتراءى للبعض خارج فلسطين، أن رجال المقاومة أشباح تخرج من عالمها المجهول، لتعود إليه بعد الاشتباك مع الجيش الاسرائيلي، لكن الصورة على الارض مغيرة تماما، فبالرغم من جانب السرية الذي يحيط بأنشطة وتحركات المقاومين في مناطق المعارك، الا انهم في النهاية ابناء العائلات الفلسطينية، يتجولون بين الازقة وفي الشوارع ويتشاركون هموم العيش مع أهلهم وجيرانهم وذويهم، لا يستغربون وجوههم أو معالمهم أو تصرفاتهم.

وكما هم المقاومون جزء لا يتجزأ من النسيج الفلسطيني يعيشون داخله، فهم ايضا بمختلف انتماءاتهم كتلة واحدة يجمعها دم وقضية واحدة. وبعيدا عن الخلافات السياسية، للجانب الميداني أيضا خصوصيته التي تنطلق من مبدأ أساسي لا يمكن التخلي عنه وهو وحدة الصف الفلسطيني. يقول وائل أبو جمال، وهو ناشط في المقاومة الشعبية الفلسطينية، «الكل منا يعمل من خلال وحدة ميدانية وبهدف واحد هو تحرير الأرض والدفاع عنها. ولذلك، تم تشكيل لجان عمل مشتركة بين قوى المقاومة مهمتها التنسيق والمتابعة بين الفصائل الفلسطينية في الميدان من خلال غرفة عمليات، تضم عناصر من غالبية الفصائل، ومهمتها جمع المعلومات العسكرية والميدانية، ثم توزيع مهام الدفاع وحماية مختلف المناطق التي تدخل في محيطها الجغرافي، وتأمين الحراسة على المحاور الرئيسية لها لاسيما الحلقات الأضعف فيها».

ويتابع«أيضا، تعمل غرفة العمليات على تشكيل لجنة طوارئ لتسهيل عمل الطواقم الطبية والدفاع المدني، من خلال التبيلغ عن وجود الإصابات والشهداء خلال عمليات القصف أو الاجتياحات. فضلا عن تقديم مساعدات انسانية عاجلة للمناطق المنكوبة وفقا للامكانات البسيطة المتوفرة لديها.

كذلك، يشمل التنسيق تخطيط وتنفيذ عمليات فدائية مشتركة بين عدد من الفصائل، حيث تختلف طبيعة ومستوى التنسيق حسب نوع العملية نفسها، فهناك بعض العمليات الفدائية التي يتم فيها وضع خطط وآلية التنفيذ بصورة مشتركة من البداية، والبعض الآخر لا يلتقي فيها الفدائيون الا لحظة تنفيذ العملية».

أما بخصوص الاتصالات بين أعضاء الفريق نفسه، أو بين الفريق والقيادة، فهي تتم عن طريق أجهزة خاصة بالمقاومة، ويوضح أبو جمال «لقد تم اختبار هذه الأجهزة على مدار خمس سنوات، وأثبتت فعاليتها بحيث لا يمكن رصدها من جانب العدو».

وفي ما خص آلية الدفاع التي تقوم عليها المقاومة، فإنها تعتمد على ثلاثة محاور رئيسية، أهمها جغرافية قطاع غزة وطبيعته السكانية، والإمكانيات المتاحة للمقاومة والتي هي في الأغلب بسيطة ومتواضعة، وأخيرا إمكانيات الاحتلال التي تشكل ترسانة عسكرية ضخمة.

يقول أحد المقاومين، الذي اكتفى بلقب «أبو أحمد» ل«البيان»: «من الناحية العسكرية، يمكن تقسيم القطاع الى منطقتين أساسيتين: الأولى، هي منطقة مكشوفة عسكريا تتمثل في حدود المحافظات الخمس للقطاع من اتجاهاتها الأربعة، حيث انها في الأغلب مناطق خالية من التضاريس الطبيعية أو العمران (المباني أو الأشجار أو جبال)، مما يجعل عملية الدفاع عنها صعبة وتحتاج إلى تكتيكات مختلفة، تعمد على الكمائن والألغام وليس المواجهة المباشرة التي تكون محدودة ونقوم بها للضرورة».

يضيف «وعلى الرغم من أن عملية السيطرة على تلك المناطق أكثر سهولة من خلال التقدم البري بغطاء جوي من الطائرات، إلا أنها لا تشكل انجازا عسكريا مهما بلغ عمقها». أما المنطقة الثانية، فهي متمثلة في تخوم المدن والمخيمات الموزعة على طول القطاع.

والتي تعتبر «عنصر القوة بالنسبة الينا«، بحسب «ابواحمد» الذي يوضح اكثر«لأنها ببساطة منطقة غير مكشوفة وفيها تظهر فعالية أسلحتنا، والتي في معظمها ذات مدى قصير وتتطلب مواجهة عن قرب». ويؤكد ان هذه تلك المناطق «تشكل هاجسا عسكريا بالنسبة للعدو، الذي يحاول دوما إما جر المعركة الى مناطق مكشوفة، او جعل تلك المناطق تبدو مكشوفة من خلال دك الاخضر واليابس فيها».

ومع أنه يسري الاعتقاد بأن المقاومة الفلسطينية استنفذت كل طاقاتها وإمكانياتها، إلا أن مقاوما رفض الكشف عن اسمه، يحذر من ان المقاومة لم تستخدم بعد كل ما لديها من أسلحة، «أقول للجميع..

هناك أسلحة أخرى سترون بعضا منها قريبا في الميدان بإذن الله». وتابع قوله«يسري الحديث دوما عن طبيعة وحجم الاستعدادات والإمكانات التي تمتلكها المقاومة الفلسطينية أمام ترسانة عسكرية ضخمة لها من القدرات العسكرية والمادية ما يؤهلها لدخول أكثر من حرب مفتوحة، ولكننا نمتلك أيضا من العزيمة والإراداة والاستماتة في الدفاع عن أرضنا وشعبنا ومقدساتنا ما لا تمتلكه أي قوة عسكرية مهما كان حجم إمكانياتها».

الحصار دفع المقاومة إلى التصنيع العسكري وبأبسط الإمكانات لضمان الامدادات

حققت المقاومة الفلسطينية تطورا نوعيا نسبيا منذ اندلاع انتفاضة الاقصى عام 2000 على مستويات عدة، منها تصنيع وتطوير الاسلحة رغم إغلاق جميع المنافذ التي كان يمكن من خلالها التزود بالمواد اللازمة لذلك. حيث سعى المقاومون خلال تلك الفترة الى ابتكار وسائل بديلة، وتتمتع بفاعلية عالية لتعويض النقص فيما كان يتم استخدامه سابق، وبما يضمن تقليل الاعتماد على الخارج قدر الإمكان.

وفي ظل الحصار الإسرائيلي الخانق على الاراضي الفلسطينية بأكملها منذ سنوات، والذي احكمت قيوده بشدة خلال الأشهر الماضية، يقول أحد المقاومين الذي اكتفى بذكر لقب «أبو مجاهد»: «كان الهدف من ابتكار بعض الاسلحة وتصنيعها محليا يتمثل بالأساس في كسر الطوق المفروض علينا من جميع المنافذ.

والذي شمل أيضا المواد الأساسية المستخدمة في الحياة المدنية والزراعية، كبعض أنواع الوقود والكيماويات، بحجة استخدامها من قبل المقاومين في تصنيع العبوات الناسفة والصواريخ، مما جعل الأمر يبدو أكثر صعوبة وإرهاقا بالنسبة للجميع».

ولكنه يستدرك قائلا«وعلى الرغم من ذلك، ساعدت الاجتياحات والتوغلات المتكررة، والتي كانت مترافقة دوما مع تشديد الحصار، في اختبار مدى فاعلية بعض الأسلحة محلية الصنع، واكتشاف نقاط الضعف أو الخلل الذي قد يعتريها، وبالتالي العمل على تحسين مستوى أدائها بصورة أكثر اتقانا وفعالية».

وبصفة عامة، فإن أهم المعدات القتالية التي يتم تصنيعها محليا، وأفصح المقاومون عنها في المرحلة الحالية، ما يلي: عبوات ناسفة وألغام: وهي تصنع بأحجام وأوزان مختلفة حسب الحاجة إليها، والبعض منها يتم التحكم فيه عن بعد بعدة وسائل. ومنها ما هو متعارف عليه ومنها ما لم يستخدم او يتم الكشف عنه حتى اللحظة، لكن يمكن القول بأن أكثرها فاعلية في اختراق الدروع حتى الآن ما يعرف محليا باسم لغم «شواظ».

قذائف «الهاون»: وهي نوع آخر من الأسلحة المصنعة محليا تقليدا للهاون الاصلي المتعارف عليه، وان كان بفعالية أقل لكنه يعمل بطريقة كانت تفي بمتطلبات مرحلة ما من المراحل السابقة. ويمكن لهذه القذائف أن تصيب مدى يصل إلى 4 كيلومترات تقريبا، حيث يصنع بأربعة أحجام يبدأ مداها من 1 كيلومتر.

الصواريخ: وهي عدة أنواع، ويمكن أن تصل إلى مدى يبلغ 13 كيلومترا، وهناك نوع متطور منها أو محسن يصل مداه الى 19 كيلو مترا، وربما يمتد لأكثر من ذلك.

قذائف مضادة للدروع: وهي نسخة مقلدة عن قذائف «(آر. بي. جي» المتعارف عليها روسية الصنع، وتم استخدامها فعليا من بداية انتفاضة الاقصى وحتى اللحظة، ولكن مع إدخال بعض التحسينات عليها، ومنها ما يعرف محليا باسم صواريخ «الياسين» و«البنا1 و2» و«البتار.

أيضا هناك بعض أنواع الأسلحة التي لا تصنع داخليا، ويتم الحصول عليها من الخارج، وفي هذا الشأن يقول «أبو مجاهد» انه لا يمكن الحديث عن هذا النوع من الأسلحة بإسهاب لدواع أمنية، ولكن يمكن القول بأنه تم استعمال بعضا منها في مناطق متفرقة ومراحل مختلفة للمقاومة.

ومنها: الأسلحة الخفيفة مثل بنادق «كلاشينكوف» وقذائف «آر. بي. جي»، وصواريخ «غراد- 122 ميلمتر»، وكذلك صواريخ «كاتيوشا»، فضلا عن صواريخ «بي 29» التي استعملت مؤخرا، لافتا إلى وجود بعض الأنواع منها لم يتم استخدامها حتى اللحظة.

أما بخصوص كيفية الحصول على تلك الأسلحة، فيكتفي المقاوم بالقول«الية الحصول على تلك الأسلحة بمختلف أنواعها، تتم عن طريق جهات مختلفة ومن خلال طرق متعددة».

عقدة الوجود.. والحدود

من منا لم يتأمل يوما حال شعوب عانت ويلات الحرب والدمار، ودفعت ثمنا لحريتها ورفضها الاستسلام.. ومن منا لم تستوقفه دموع أطفال ونساء وشيوخ كانت إسرائيل سببا في مأساتهم.. بل ومن منا لم تقتله غصة الألم على فراق من أحبه، وجميعنا فقدنا أعزاء على قلوبنا وشعرنا بحرقة البكاء عليهم..

تلك هي حالنا جميعا، قلوبنا تنفطر كل يوم ألما وحزنا مستمرا بسبب محتل لا يفهم سوى لغة الدم والقتل والدمار، وجل ما يهتم إليه هو تأمين وجوده داخل فلسطين المحتلة، ثم خارج حدودها بما يعيد له هيبة «أسطورة الجيش الذي لا يهزم»، والتي هزتها حرب لبنان 2006.

لقد كرست إسرائيل ترسانتها العسكرية «الضخمة» لتحقيق مجموعة من الأهداف في لبنان، قبل اكثر من عامين، منها ما هو معلن ومنها ما هو غير معلن، والتي كان من أبرزها «تحرير الجنديين الأسيرين لدى حزب الله بعد رفضه لعملية التبادل، وتدمير حزب الله ونزع سلاحه».

ولتحقيق ذلك، دفعت بكل إمكاناتها لتحقيق أهدافها الكامنة والظاهرة، من خلال العمل عبر عدة مراحل عسكرية تبدأ بالقصف التدميري، ثم توسيع مجال سيطرة القوات الإسرائيلية بعد ذلك بشكل تدريجي.

في غزة، وإن كانت الصورة تبدو متقاربة للغاية من حيث إطار الأهداف المعلنة والخطوط العريضة لتكتيك الحرب، إلا أن ما يجري على الأرض إنما يعكس خططا وآلية متقدمة لاستعمال ترسانة عسكرية في وجه شعب أعزل ومقاومة محدودة لا تمتلك من الإمكانات ما يدخلها في حرب نظامية واسعة، أو يضمن لها النصر في «حرب شوارع» مفتوحة لأجل طويل.

ومع ذلك، فإن العملية العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة أوسع بكثير من نظيرتها التي كانت في جنوب لبنان، كما أنها ذات مدى مفتوح ليس له حدود أو قيود.

مما أوقع خسائر جسيمة في صفوف المدنيين والمقاومين في القطاع يمكن تقديرها بضعف خسائر اللبنانيين خلال فترة حرب 2006 حتى الآن. والأسباب قد تبدو واضحة للجميع، فإسرائيل تعتبر الفلسطينيين هم العدو الأساسي الذي يهدد وجودها وأمنها واستقرارها، ما ينعكس وحشية تجاههم اكثر من غيرهم، فالمعضلة الوجودية لدى الاسرائيلي اشد وقعا عليه من المعارك الحدودية الخارجية.

تلك هي معضلة الوجودين الفلسطيني والإسرائيلي على أرض واحدة، هي فلسطينية قبل كل شيء، فالفلسطينيون يدافعون باستماتة عن أرضهم أو حريتهم، وبإيمان عميق بأن نصر الله قريب.

أما إسرائيل، فهي تحاول باستمرار القضاء عليهم وتغيير معالم الأرض بكاملها، حتى وإن استعملت أسلحة محرمة دوليا ولا تتناسب مطلقا مع موازين القوة بينهما، والذريعة ذاتها يكررها قادتها منذ عقود «أمن إسرائيل هو الأولوية القصوى»، و على العالم المتحضر ان يجيب الآن على السؤال: أين هو أمن الفلسطينيين بل وأين هي حريتهم من كل هذا!!

سهير إبراهيم

salabed@albayan.ae