عندما تولد المأساة تخفت أصوات الضحكات، وحينما تهطل أمطار القنابل على رؤوس الصغار، تنحني هامات الكبار لتسجل بأحرفٍ من دم ذوبان الإرادة في بوتقة الخوف.

يتحايل الآباء على أطفالهم حينما يسمعون أزيز الرصاص ويوهمونهم أنه صوت عصافير الحرية. ويسارع الصغار إلى الانكماش في أحضان أمهاتهم علهم يجدون الأمان المفقود، لكنهم يصطدمون بعتمة رماد الحرائق.وكأن أهل غزة ولدوا ليبكوا أحباءهم، ويرثوا فلذات أكبادهم، ويمارسوا طقوس الدفن التقليدية لأرواحٍ طرية قيض لها ألا تقرأ صلاتها الأخيرة، قبل أن تضيء في فضاء الشهادة.لم تسمح تلك الطائرات والدبابات المعدنية المنفلتة من عقال الحضارة لأطفال غزة أن يكبروا ويهرموا ويموتوا على أسرتهم محاطين بأبنائهم وأحفادهم، ولم تسمح آلة القتل المبرمجة على أجسادهم لأهاليهم أن يرافقوهم إلى مدارسهم كل صباح بل ألغت المسافة الزمنية «بجرة صاروخ» لتزفهم إلى عرس الرعب الأخير.أناس عاديون وجدوا أنفسهم فجأةً ومن دون أي مقدمات بلا معيل ولا سند، باغتتهم أجزاء الثانية كأنها الدهر لتصيب حمم النيران تعبيرات وجوههم بين طفلٍ باحثٍ عن حنانٍ تائه ، وجدةٍ ثكلى بحفيدها وأبٍ مكلومٍ خسر براعم الورود.

رجال يحملون أولادهم ونساء يجلسن بالقرب من بناتهن في مستشفيات لا تقدم الكثير، يسابقون الزمن أملاً في حرق صرخاتٍ لا تحصى شقت هواء غزة.هي لحظات الصدمة والرعب والخوف والعزيمة في خليطٍ إنساني سرقته كاميرات المصورين بعيداً عن مبادرات السياسيين وتنديدات المسؤولين.

دبي - رؤوف بكر