في يوم كغيره من الأيام العصيبة التي يعيشها أهالي قطاع غزة منذ شهور بل وسنوات، استفاق أهالي القطاع وذهب كل إلى حال سبيله، بعد أن قضوا ليلتهم في ترقب حذر من تهديدات لم تكف إسرائيل عن بثها بين الفينة والأخرى.

ولكن ظهيرة هذا اليوم لم تكن أبدا كغيرها، وإن كانت معاناة هذا الشعب الصامد لم تنته يوما، فبدأت القلوب تدق كطبول حرب شعواء يبدو أن لها أول من دون آخر، مع سماع دوي أول مزامير القتل والدمار، وأيقن الجميع أن الموت آتٍ.. والحزن آتٍ.. ولكن بإيمان أيضا بأن النصر آتٍ.تلك كانت البداية، وأما الحكاية فستأتي على لسان من عاشوها لحظة بلحظة، ومن قلوبٍ اعتصرها الألم على فراق فرد أو جماعة من الأهل والأحباء، وجريمة هذا الشعب أنه ولد في هذه الأرض، وأبى أن يتخذ غيرها وطنا له. ومع أن أصوات طلقات الرصاص وقذائف المدفعية والطائرات أضحت أمرا اعتياديا ومتكررا بحق الفلسطينيين، إلا أن مشاهد «المحرقة» التي غطت شوارع قطاع غزة طوال الأيام الماضية، فاقت كل طاقات البشر على الاحتمال، ولم تعد دموع ونحيب الأرامل والثكالى والجرحى تصف حرقة الألم التي تعتصر قلوبهم.

وبينما يودع المسلمون عامهم الهجري فرحين لاستقبال سنة جديدة، ودع الغزاويون عامهم بقوافل من الشهداء والجرحى، وبدم وأشلاء تتناثر في كل مكان، وعيون ملؤها الدموع والرعب تفتش على فلذات الأكباد بين الأزقة وفي المشافي وتحت التراب، تبتهل الى الله ألا تجدهم خيرا من أن تجد بعضا من أشلائهم. ومع كل لحظة تمر عليها وكأنها الدهر كله، ترتفع الأيادي إلى السماء تدعو الله أن ينزل عليها فيضا من رحمته، بينما تعلوها صيحات حزن يمزق الأفئدة، ونظرات استغاثة لا تعرف لمن توجهها، ولكنها تستغيث!!

تلك هي بعض من مشاعر «شعب الجبارين»، وهذه بعض الروايات التي توصلنا إليها بمعاناة، إما بسبب صعوبة الاتصال بمن هم تحت القصف، أو لعدم رغبة الكثيرين منهم بالحديث لأن الكلمات أصبحت عاجزة أمام بشاعة ما يجري.

أبدأ من نفسي، ذهبت إلى عملي أشعر بغصة صاحبتني منذ الصباح ولا أعلم سببها، واعتقدت أنها مجرد مزاج سيء، وهذا أمر طبيعي. تصفحت الأخبار، وبدأت أرسم في ذهني الخطوط الأولى ليوم عمل حسبته عاديا. وفجأة.

. «الطيران الإسرائيلي يقصف مواقع متفرقة من قطاع غزة وأنباء عن سقوط شهداء وجرحى»، خبر عاجل بثته وكالات الأنباء كافة. ورغم أن الأمر بات متوقعا منذ أيام، إلا أنني كحال جميع زملائي أصبنا بصدمة، وبدأت القلوب تخفق وكأنها تسابق الزمن بل وتسابق قذائف الطائرات، التي تتابعت واحدة تلو الأخرى على أهلي وأصحابي وجيراني في قطاع غزة، وهو أشبه بقرية صغيرة تربينا فيها وجميعنا يعرف الآخر.

حاولت.. وحاولت.. وحاولت.. أن أتصل بأي كان أعرفه هناك ليطمئني على الجميع، وإن كانت الصورة أبلغ من الكلام، وجثث الشهداء مرتصة كأنهم في حلبة للموت تتسع حدودها كل لحظة، ولكن دون جدوى. الهاتف يقتلني أكثر من الرصاص نفسه، والرسالة ذاتها تتكرر: «عفوا.. لا يمكن الوصول إلى الرقم المطلوب حاليا، شكرا»، والدموع تنهمر ك«الرصاص المسكوب» فوق وجنتي، كما هي على الجميع في غزة.

وفجأة، سمعت صوت أخي الأصغر «علاء» فانهرت بكاء وصراخا وألما، أهلي بخير ولكن الجميع هناك ليسوا بخير، لا يوجد فرق فالألم هو الألم، وإن كان شكله يختلف ويتجدد ولكنه واحد.

الأخبار تتوالى، والجثث تتساقط.. والشهداء أشلاء.. والجرحى مصيرهم كمن سبقوهم إما الشهادة، وإما بقية العمر يعايشون مأساة أفقدتهم جزءا من جسدهم أو أجزاء من عائلاتهم أو حتى جميعها. والتهديدات أيضا تتوالى، وكأنها أضحت تشكل فرقا الآن!! بينما الجميع قد يصبح في لحظة لا شيء وإنما ثمنا للحرية، وذكرى عل الذكرى تنفع يوما.

وبين استنكار وشجب ودعوات بوقف «العنف» أو «إطلاق النار»، ينظر الغزاويون للقضية بصورة مختلفة، ولا يأملون كثيرا في تحرك عربي أو شجب دولي لم يوقف سفك الدماء يوما، ولا يسمن أو يغني عن جوع. فبعضهم يحمل حركة حماس- من بعد إسرائيل- المسؤولية كاملة عما يجري، بل ويأسفون لأصواتهم الانتخابية التي منحوها للحركة، و«ذهبت سدى بل وأوصلتهم إلى الجحيم».

والبعض الآخر يدين حركة فتح، ويدعوها أن تفسح الطريق أمام «من اختارهم الشعب»، في حين يرى كثيرون ان كلا الجانبين «آثمين «على» إباحة الدم الفلسطيني بأيديهم أولا وبأيدي العدو الصهيوني من بعدهم». بينما يرى جزء آخر، وهو يشكل أغلبية بينهم، أن الكارثة كانت واقعة لا محالة لأن «هذا هو مصير الفلسطينيين أينما كان من يحكمهم»، لأن إسرائيل لن تتركهم يوما يعيشون كغيرهم من باقي الشعوب.

يقول علي(45 عاما) وهو وأب لخمسة أولاد من مدينة رفح جنوب قطاع غزة، «نحن لا نملك شيئا سوى البكاء والنحيب، جميعنا شهداء وجرحى، نساؤنا أرامل وثكالى، وأطفالنا يملؤهم الأسى والرعب». ويضيف «حماس مسؤولة مسؤولية كاملة عما يجري.. فهي لا تملك الحق أو القدرة على إدارة هذا الشعب، يجدر بها أن تتنحى جانبا وتترك من يصلح لذلك أن يلملم جراحنا».

لقد خرجت هذه الكلمات من شفاه علي بحسرة وألم شديدين على حال الفلسطينيين جميعا، وبالكاد كنت أسمع صوته لأن أصوات القنابل والانفجارات كانت أعلى من كل شيء. وعندما سألته عن الوضع الإنساني هناك، تنهد.. ثم ضحك بسخرية وغصة، وقال: أي وضع إنساني تسألوننا عنه الآن؟

القصف متواصل جوا وبحرا، والحشودات الإسرائيلية متاخمة لحدود القطاع الشرقية والشمالية كافة (هذا كان قبل الغزو البري)، والمواد الغذائية والأدوية بالكاد نجدها، وبعد لحظات ربما لا نجد الهواء الذي نتنفسه. ويتابع: نحن الآن نخشى كل شيء.. عدوا لا يرحم ويفتك بالأخضر واليابس، قادة سياسيين وعسكريين «متهورين» يدفعوننا إلى الهاوية، حياة لم تعد لها قيمة لأننا فقدنا الإحساس بالأمان.

أما محمد(25 عاما) من مدينة دير البلح وسط القطاع، فيقول «إن ما يجري هو مرحلة متوقعة للقضاء على حكم إسلامي، وفرض تنازلات على الشعب الفلسطيني.. إسرائيل فشلت من خلال الحصار فتوجهت الآن للآلة العسكرية»، ويتابع قوله «وصلنا إلى خط لا رجعة فيه.. إن هدنة واعتراف بإسرائيل هو أمر مرفوض.. الدفاع عن الوطن فريضة على الجميع، وعسى الله أن يتقبلنا جميعا شهداء». وعن أحوال الفلسطينيين في غزة، يقول محمد «غزة جحيم.. والفارق الوحيد في تلك المجزرة أنها جعلت البعض منا شهداء، بعد أن كنا جميعا أحياء أموات تحت الحصار».

يرى جبر (29 عاما) من مدينة غزة شمال القطاع، يرى أن «المحرقة» الإسرائيلية خلفت دمارا هائلا ورعبا شديدا لدى الجميع، ساهم في وصوله إلى أقصى درجاته عمليات القصف المتواصل، ورسائل التهديد الإسرائيلية التي تأتيهم عبر الهواتف المحمولة. ويوضح محمد «في بداية الضربات الإسرائيلية، حملنا حماس المسؤولية داخليا عما يجري. ولكن مع العدد الهائل من الشهداء والجرحى وعشوائية القصف، أصبحت المسؤولية - من بعد إسرائيل- مشتركة بين الفصائل الفلسطينية والدول العربية التي لم تتحرك لفك الحصار». وبخصوص رد فلسطيني على مايجري، قال محمد «نحن لا نملك شيئا للرد ولكن أي رد يجب أن يكون مدروسا بعناية».

ويقول عماد (38 عاما) وهو ناشط في أحد الأجنحة العسكرية في محافظة رفح، «نعيش حربا ضروسا ليس لها مثيل، مسبوقة بأوضاع إنسانية صعبة للغاية، لا يمكن أن نكون نحن سببا فيها.

. بل العدو الصهيوني الذي يسعى لإبادتنا منذ عقود»، ويضيف قائلا «لا ننظر الآن إلى المسؤول عما يجري، لأننا جميعا نعيش في بوتقة واحدة»، ويتابع عماد قوله «أسكن مع عائلتي على الحدود المصرية، وبعدما تضررت منازلنا من القصف المتواصل، تلقينا إنذارارت إسرائيلية بإخلائها، أخبريني أنت أين أذهب بعائلتي المكونة من 25 فردا؟؟ ماذا نرد على أطفالنا الذين يبكون ليل نهار خوفا ورعبا من الموت والدمار».

ويواصل عماد حديثه بالقول «نحن نبني آمالنا على تحرك شعبي عربي أو أميركي للتضامن معنا، لأن القمم العربية وحتى قرارات مجلس الأمن لم تجد يوما نفعا». ويستدرك «لكن لن نقف مكتوفي الأيدي، فالدفاع عن الأرض والمقدسات والنفس أمر محتوم، حتى في وجه ترسانة عسكرية إسرائيلية تعد من الأضخم على مستوى العالم».

تلك كانت بعضا من كلمات أناس يرون الموت بأعينهم كل لحظة، ولم ينعموا يوما بالطمأنينة أو الأمان، الأمر الذي استشعرته من حشرجة أصواتهم، ودموعهم التي تغمر مقلتيهم ووصلتني رغم بعد المسافات، ومن تنهيدات وآلام وصفت حال الجميع هناك، ولم يستطع الحصار أن يمنعها من السفر خارج حدوده لتعبر عن ذاتها.

أسفار من دم..

بعيداً عن لغة الساسة والعسكر، فإن المتأمل في السلوك الصهيوني يدرك بسهولة أن سمة القتل والعدوان هي أبرز ما يميز اصحاب هذا السلوك منذ قديم الزمان، اذ لا يمكن فهم حاضرهم من دون البحث في مكونات الثقافة الشرسة التي غذت نوازع التطرف لديهم.

وبقراءة متواضعة لنصوص في سفر «يشوع بن نون» الذي شكل بدرجة كبيرة السلوك السياسي والعسكري للمشروع الصهيوني منذ بدايته، تبدو الصورة أمامنا أكثر وضوحا. ولاسيما أن «يشوع» هو بالنسبة إليهم خادم سيدنا موسى وخليفته، وهو البطل الذي نفذ المشروع اليهودي على الأرض بعد وفاة موسى، عليه السلام، باستخدام كل ما يتاح من قوة للقتل والتعذيب والتخريب، كما جاء في النص التوراتي «فالآن قم واعبر هذا الأردن أنت وكل الشعب إلى الأرض التي أنا معطيها لكم. كل موضع تدوسه بطون أقدامكم لكم أعطيته» (سفر يشوع فصل1).

واللافت أن نصوص هذا العهد تضمنت آلية جديدة لرسم معالم أرض الميعاد، لم تكن موجودة في العهود السابقة له. ففيه أمر بالتوسع يقتضي إزاحة كل موطئ قدم آخر أمامهم، بحيث أصبح الأمر فيما بعد مطلبا صهيونيا يعد من الثوابت الأساسية بالنسبة إليهم، ودافعاً للاستيلاء على كل أرض يمكنهم الوصول إليها، مما يعني أن القوة وحدها هي التي تحكم الحدود عند إسرائيل وليس الحق.

وخلف كلمات النص التوراتي السابق وغيره من النصوص، كان هناك رحلة قديمة من المجازر، التي تناقلتها التوراة وسجلها التاريخ، وبقيت راسخة في عقولنا جميعنا.

فاستهل «يشوع» فاتحة أعماله باقتحام أولى المدن الكنعانية، وهي مدينة أريحا التي تقع على الضفة الغربية لنهر الأردن، ومارس فيها قتلا وخرابا ودمارا لم ينج منه أحد سوى امرأة واحدة، كما امتدت يداه بنفس الصورة إلى مدن عدة أخرى. وكان الفصل السادس من «سفر يشوع» تبريرا لما جرى وما يجري باستمرار، وجاء فيه «وحرموا (أي اقتلوا) كل ما في المدينة من رجل وامرأة، من طفل وشيخ، حتى البقر والغنم والحمير بحد السيف.. وأحرقوا المدينة بالنار مع كل ما بها».

وبعد سلسلة طويلة من المجازر والإبادات الكاملة، والتي تذكر بمجازر إسرائيل اليوم، نسب السفر هذه الأعمال المريعة الى الخالق، فقال في آخره: «كما أمر الرب إله إسرائيل».

وأضحت جميعها مفخرة يتحتم على الإسرائيليين أن يحتذوا بها، بل انهم فعلا ساروا على الدرب نفسه، وكتب المحلل السياسي الإسرائيلي مناحيم باراش في صحيفة «يديعوت احرونوت» الاسرائيلية «يجب علينا أن نكون مثل يشوع من أجل استعادة أرض إسرائيل والاستقرار فيها كما أمرنا الكتاب المقدس».

ذلك بعض من نصوص أسفارهم، وتلك هي أفعالهم منذ عهود وحتى اللحظة، محرقة تلو الأخرى وضحايا جدد، لمسلسل دموي، لا تلوح في الافق حلقته الاخيرة.

سهير إبراهيم

salabed@albayan,ae