الهجوم الإسرائيلي الذي دخل أسبوعه الثاني على غزة هو نتيجة تتسم بالعنف لحملة تقودها الولايات المتحدة بكثير من الدعم الأوروبي والعربي لمعاقبة حركة «حماس» على مقاومة «عملية السلام» بالشرق الأوسط التي فقدت كثيرا من مصداقيتها.
ومن المستبعد أن تقضي هذه الحملة على حركة «حماس»، أو تسهل على الرئيس الأميركي القادم باراك أوباما بأي حال من الأحوال، كسر دائرة الصراع وإنقاذ الاحتمالات التي تتضاءل بسرعة شديدة للتوصل إلى حل قائم على إقامة دولة فلسطينية تعيش مع إسرائيل جنبا إلى جنب.
وتقوي إسرائيل قبضتها على الضفة الغربية بينما تواصل محاصرة سكان غزة، كما جعلت الانقسامات بين الفصائل الفلسطينية من المحادثات المتقطعة التي تجري برعاية الولايات المتحدة بين الإسرائيليين والرئيس الفلسطيني محمود عباس مجرد فكرة في أحسن الأحوال.
وشجع البيت الأبيض، الذي وجد نفسه في مواجهة موجة جديدة من العنف، الإسرائيليين على المضي قدما في تنفيذ ما يصورونه على أنه محاولة لوقف الهجمات الصاروخية على المدنيين في إسرائيل و«تغيير الواقع» في غزة التي تسيطر عليها حركة «حماس».
واكتفى الاتحاد الأوروبي الذي يفتقر إلى الطاقة والوحدة اللازمتين للتحرك، في ظل الفراغ الدبلوماسي الذي تركته واشنطن بتوجيه نداء لوقف إطلاق النار ووعد بمزيد من مساعدات الإغاثة الإنسانية لسكان القطاع البالغ عددهم 5,1 مليون نسمة، وجدوا أنفسهم يعانون من حصار عقابي تفرضه إسرائيل، وحدود مغلقة مع مصر.
أما الجامعة العربية الواقعة بين مطرقة الاستياء الشعبي من أعمال العنف في غزة، وسندان عداء الكثير من الدول الأعضاء ل«حماس» والجماعات الإسلامية الأخرى المتحالفة مع ايران، لم تتفق إلا على مطالبة مجلس الأمن الدولي بإلزام إسرائيل بوقف هجومها، لكن المجلس لا حيلة له بدون موافقة الولايات المتحدة والدول الأخرى صاحبة حق الاعتراض «الفيتو».
وبدأ الزعماء الإسرائيليون الحريصون على تعزيز مسوغاتهم الأمنية الهجوم في 27 ديسمبر، بعد ثمانية أيام من انتهاء تهدئة مع «حماس» استمرت لستة أشهر وجرى التوصل إليها بوساطة مصرية.
وتمثل هذه الحرب ذروة محاولات لسحق «حماس» تكثفت بعد فوز الحركة الساحق على حركة «فتح» التي يتزعمها عباس في انتخابات 2006.
وكتب يوسي الفر محلل الأمن الاسرائيلي في الرسالة الإخبارية الالكترونية «بيترليمونز دوت اورج» أنه «لا إسرائيل ولا أي احد آخر لديه إستراتيجية فعالة للتعامل مع حماس في غزة»، وقال إن «حماس» سيطرت على جزء من أراض فلسطينية، لكنها ترفض التصرف كقوة ذات سيادة و«تتباهى بسقوط ضحايا أو شهداء من شعبها».
وأضاف ألفر أن الهجوم الإسرائيلي سيأتي ببضعة أشهر أخرى من التهدئة على أفضل تقدير، وعلى أسوأ تقدير من الممكن أن يشعل غضب العرب والمسلمين ضد إسرائيل والغرب، ويدفع الفلسطينيين إلى القيام بأعمال شغب ويثير صراعا جديدا مع «حزب الله».
والهجوم على غزة مصدر إحراج شديد لعباس الذي تتهمه «حماس» الآن صراحة بأنه متواطئ مع إسرائيل. وكان قد وضع كل رهاناته على جهود السلام الأميركية المتعثرة التي تجسدت في خطة «خارطة الطريق» لبوش عام 2004. لكن إستراتيجيته فشلت في تقريب حلم إقامة الدولة الفلسطينية.
وتتحكم إسرائيل في كل منافذ الدخول إلى قطاع غزة، بينما تتوسع في المستوطنات والحواجز في الضفة الغربية، مما يسمح ل«حماس» وغيرها بقول إن هذه المفاوضات غير مجدية.
وكتب المحلل الفلسطيني غسان الخطيب في موقع بيترليمونز دوت اورج: «الهجوم الإسرائيلي على غزة يقوي حماس سياسيا ويزيد من الدعم الشعبي للحركة».
وأضاف أن هدف «حماس» الرئيسي هو إجبار مصر على فتح معبر رفح ورفع الحصار، دون سيطرة السلطة الفلسطينية والمراقبين الأوروبيين كما كان الوضع سابقا. وترفض القاهرة هذا خشية تقويض عباس وتجنبا لتحمل مسؤولية طويلة الأجل عن غزة. لكن وصفة الناشطين لصراع مطول مع الصهيونية لا تنطوي على تخفيف معاناة الفلسطينيين الراغبين بشدة في أن يعيشوا حياة طبيعية بعيدا عن الاحتلال والسيطرة الإسرائيلية.
وقال مدير مركز الشرق الأوسط في بيروت التابع لمعهد كارنيغي بول سالم: «من العدل أن يلوم الشارع العربي مبارك والملك عبد الله لعدم قيامهما بأي شيء تجاه غزة، لكن لا ايران ولا سوريا أو حزب الله يفعلون أي شيء».
وأضاف أن «ومن المؤكد أن السياسة الإسرائيلية تقود إلى طريق مسدود هي الأخرى».
(رويترز)
