قطاع غزّة، هذه القطعة الصغيرة من الوطن الفلسطيني التي تشهد اليوم عدواناً وحشياً من قبل الاحتلال الإسرائيلي، تمثل المنطقة الجنوبية من الساحل الفلسطيني، وهي على شكل شريط ضيق شمال شرق شبه جزيرة سيناء، يسمى بقطاع غزة نسبة لأكبر مدنه غزة.

تم احتلاله من قبل إسرائيل في العام 1967 ودخلت إلى بعض مناطقه السلطة الفلسطينية بعد توقيع اتفاقية أوسلو في العام 1993، وفي فبراير 2005، صوّتت الحكومة الإسرائيلية على تطبيق خطة رئيس الوزراء الإسرائيلي إريئيل شارون للانسحاب الأحادي الجانب من قطاع غزة وإزالة جميع المستوطنات الإسرائيلية والمستوطنين والقواعد العسكرية من القطاع. وتم الانتهاء من العملية في 12 سبتمبر 2005 بإعلانها إنهاء الحكم العسكري في القطاع، ليعود إلى الشعب الفلسطيني بعد نضال مرير، لكنها عودة لم تكتمل بسبب استمرار الاحتلال في عدوانه من جهة، والانقسام الفلسطيني بعد سيطرة حركة «حماس» على القطاع عسكرياً وطرد السلطة الوطنية من جهة أخرى.

قصة صمود

غزة، مدينة وميناء على البحر الأبيض المتوسط، حوالي 32 كيلومترا شمال الحدود المصرية، ويغطي القطاع حوالي 378 كيلومترا مربعا (حوالي 146 ميل مربع) ويمتدّ من شمال شرق شبه جزيرة سيناء على طول البحر الأبيض المتوسط إلى حوالي 40 كيلومترا (حوالي 25 ميل).

وصمدت المدينة لنوائب الزمان الكثيرة، حيث نازل شعبها صنوف المحتلين المختلفة؛ وتبدل اسم مدينة غزة بتبديل الأمم التي صارعتها فأطلق الفرس اسم هازاتو عليها، أما العبرانيون فأسموها غزة، والكنعانيون أسموها هزاني، أما المصريون فأسموها غازاتو، وسماها العرب غزة هاشم نسبة إلى هاشم بن عبد مناف جد الرسول صلى الله عليه وسلم، والذي مات فيها وهو راجع بتجارته إلى الحجاز.

واكتسب موقع مدينة غزة الجغرافي أهمية خاصة، حيث إنه واقع على أبرز الطرق التجارية بالعالم القديم، تلك التي بدأت من حضرموت واليمن وانتهت في بلاد الهند. كما أن لغزة أهمية عسكرية كبيرة، نظرا لكونها صلة الوصل بين مصر والشام، وكان الاستيلاء عليها يعني بداية السيطرة على طرق الحرب والتجارة بين آسيا وإفريقيا.

وكان لموقع غزة المتميز على حافة الأراضي الخصبة العذبة المياه، التي تأتي مباشرة بعد برية سيناء الأثر في وجودها وبقائها وأهميتها، فهي المحطة الطبيعية لكل من الآتين من مصر العربية، ووجهتهم إلى بر الشام، كما أنها المحطة الأخيرة لكل قادم من الشام ووجهته مصر، فهي ملتقى القوافل قبل دخول البادية، فيها يستكملون ما يلزمهم قبل المرور بالصحراء أثناء طريقهم إلى مصر. وتشير الدراسات الجغرافية إلى أن مدينة غزة القديمة قد بنيت على تل يرتفع زهاء (45) متراً فوق سطح البحر، وأنشئت قبل ميلاد السيد المسيح عليه السلام بثلاثة آلاف عام.

وقد تطور عمران المدينة أسفل التل من نواحي الشمال، والشرق والجنوب، ولم يمتد باتجاه الغرب إلا أخيرا ، فأصبح موضعها الطبوغرافي يتألف من الموضع القديم، ويشغله جزء من حي الدرج ، وجزء من حي الزيتون. ومواضع التوسع في جهات الشرق والشمال والجنوب من التل، وتضم أحياء الشجاعية والتفاح، وجزءاً من حي الزيتون، وموضع الامتداد نحو الغرب، ويتألف من كثبان رملية غرست الأشجار في بعض أجزائها لصد زحف الرمال، وأصبح اليوم يعرف بغزة الجديدة أو حي الرمال. في القرن الثامن قبل الميلاد احتلت غزة من قبل الآشوريين، وفي القرن السابع أصبحت مدينة إسلامية مقدّسة.

سيطرة أجنبية

تعرضت مدينة غزة لغزوات عديدة عبر التاريخ، وقد كان العهد التركي عصيبا نظرا للفترة الطويلة التي بقيت فيها الجيوش التركية في فلسطين ومدنها المختلفة ومن بينها مدينة غزة (1515-1916) حيث ساد الجهل والتخلف الاقتصادي والاجتماعي بين أهل مدينة غزة. ويشير الباحث الفلسطيني نبيل سهلي إلى أن مرحلة جديدة بدأت بعد احتلال الجيش البريطاني لفلسطين في عام 1920، فقد فرض البريطانيون قوانين الطوارئ على أهالي المدن الفلسطينية ومن بينهم أهالي مدينة غزة، وتعتبر تلك القوانين الأكثر عنصرية في التاريخ المعاصر.

وبعد ربع قرن، في عام 1948 أنشئت إسرائيل على القسم الأكبر من مساحة فلسطين التاريخية، ونجا قطاع غزة من الاحتلال ليبقى تحت الإدارة المصرية حتى 5 من يونيو1967 حين احتل الجيش الإسرائيلي الضفة والقطاع. وفق قرار التقسيم من الأمم المتّحدة في 1947، كانت غزة ضمّن المنطقة العربية. وفي 1948، خلال الحرب بين اليهود والعرب، دخلت القوات المصرية غزة والمنطقة المحيطة بها. وأصبح هذا الإقليم تحت سيطرة مصر وفق اتفاقية الهدنة العربية الإسرائيلية في 1949.

وخلال النكبة عام 1948 هاجر حوالي 000,200 لاجئ فلسطيني من الأراضي العربية المحتلة من قبل إسرائيل إلى قطاع غزة، وبذلك تضاعف عدد السكان. ومع التزايد الكبير لسكان القطاع ارتفع مجموعهم ليصل نحو (5,1) مليون فلسطيني عام 2008 منهم نحو 76% من اللاجئين الذين ينحدرون من بئر السبع ومدينة يافا والمجدل وعسقلان، بمعدل كثافة سكانية 26400 مواطن/كم مربع، وكثافة سكانية في مخيمات اللاجئين 55500 مواطن/كم مربع.

في ربيع 1956 كان هناك العديد من الصدامات العسكرية بين مصر وإسرائيل حدثت في قطاع غزة. إسرائيل اتهمت مصر باستعمال المنطقة كقاعدة للغارة الفدائية على إسرائيل. في أكتوبر 1956، هاجمت إسرائيل منطقة قناة السويس في مصر بالتعاون مع فرنسا وبريطانيا، استولت القوّات الإسرائيلية على قطاع غزة وتقدّمت إلى سيناء. في مارس التالي حلّت قوة طوارئ الأمم المتّحدة محل القوّات الإسرائيلية، ومصر استعادت السيطرة على الإدارة المدنية للشريط. إلا أن جيش الاحتلال الإسرائيلي عاد واستولى على المنطقة ثانية خلال عدوان يونيو 1967 الذي احتل خلاله أيضاً الضفة الغربية والقدس وسيناء والجولان.

استيطان القطاع

وقامت إسرائيل ببناء حوالي 25 من المستوطنات في قطاع غزّة، تتركز في ساحل جنوب القطاع، ضمت في العام 2003، بحسب دائرة الأبحاث التابعة للكنيست الإسرائيلي 7781 مستوطنا في 23 مستوطنة بكثافة مقدارها 665 مستوطن/كم مربع.

وساهم الغزيون بشكل كبير في انتفاضة عام 1987، وانتفاضة الأقصى التي انطلقت في سبتمبر من عام 2000، وسقط الآلاف من أهل غزة خلال سنوات الانتفاضة بين شهيد وجريح وأسير، وتشير الدراسات المختلفة أن قطاع غزة قدَّمَ أكثر من ألف شهيد خلال الانتفاضة الأولى وألفي شهيد خلال انتفاضة الأقصى، فضلاً عن عشرين ألف جريح بينهم آلاف من الحالات باتت في إعاقة دائمة وخارج النشاط الاقتصادي. لكن الثابت أن أهل غزة كما تاريخها عصي على الانكسار وثابت في مواجهة الغزوات.

وفي سبتمبر 1993، بعد مفاوضات سرية، وقع كل من رئيس وزراء إسرائيل إسحاق رابين ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات اتفاقية إعلان مبادئ التي تقر انسحاب إسرائيل من قطاع غزة ومناطق أخرى، وتحويل إدارة الحكومة المحلية للفلسطينيين.

سجن كبير

وفي مايو 1994 انسحبت القوات الإسرائيلية من المناطق المأهولة في القطاع، وأصبحت المنطقة تحت السلطة الفلسطينية. وعلى الرغم من الانسحاب الإسرائيلي وتفكيك المستوطنات الصهيونية من قطاع غزة في عام 2005 بعد احتلال مديد، إلا أن الجيش الإسرائيلي جعل منه سجنا كبيرا لأكثر من مليون وخمسمائة ألف فلسطيني باتوا عرضة لعملية تقتيل واغتيال وتدمير يومية مبرمجة.

فبات الفقر والجوع والحرمان سيد الموقف بين أهالي غزة، فارتفعت معدلات الإعالة إلى أكثر من ستة أفراد، والبطالة وصلت إلى نحو 60% من إجمالي قوة العمل الفلسطينية هناك، وبالتالي أصبح أكثر من ثلثي المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة يرزحون تحت خط الفقر حسب تقارير دولية ومحلية في ذات الوقت.

وثمة مخاوف من انتشار أمراض مستعصية مع ارتفاع وتيرة الاجتياحات الإسرائيلية والحصار الآخذ بالتصاعد، فالجراحات قد تكون أكبر في قطاع غزة في المستقبل المنظور إذا لم يحصل توافق فلسطيني حقيقي لمواجهة التحديات الجمة الاقتصادية والسياسية بفعل التعنت الإسرائيلي والدعم الأميركي للتوجهات الإسرائيلية في ارتكاب المزيد من المجازر التي نشهد فصولها على مدار الساعة بطرق مختلفة لتركيع أهل غزة.

وبالرغم من كون مدينة غزة تمتلك الأسواق وبعض الصناعة الخفيفة، بالإضافة لزراعة الحمضيات في القطاع، إلا أن الإقتصاد لا يمكنه دعم عدد السكان الكبير، ولذلك فإنه يتلقى دعماً من قبل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى. وبشكل عام يوجد في غزة خمسة أحياء رئيسية هي: الدرج، الزيتون، التفاح، والشجاعية بقسميها الجديدة والتركماني، وقد امتدت غزة الجديدة على الرمال الممتدة من تل السكن على حدود المدينة القديمة إلى ساحل البحر المتوسط من الغرب.

ويعتبر مجتمع قطاع غزة فتياً نظراً لنسبة الأطفال العالية التي تصل أكثر من 50%، ومرد ذلك الخصوبة العالية عند النساء الغزيات، حيث تتعدى ستة مواليد للمرأة طيلة حياتها الإنجابية، وتبعاً لذلك يعاني القطاع من أعباء الإعالة العالية أصلاً. وقد تفاقمت الأوضاع الديموغرافية والاقتصادية نتيجة سياسات الاحتلال الإسرائيلي على مدار الفترة (1967-2008) فوصلت معدلات البطالة نحو 60% من قوة العمل، وكذلك انتشرت حالات الفقر المدقع بين ثلثي سكان القطاع.

لكن الدراسات تشير إلى أن الأوضاع أكثر مأساوية في المخيمات الثمانية هناك نظراً للكثافة السكانية العالية، وتعتبر وفيات الأطفال الرضع بالقطاع من أعلى المعدلات في العالم. وتبقى الإشارة إلى أن الاحتلال الإسرائيلي كان من أبشع الإحتلالات التي مرت على قطاع غزة نظراً لأن سياساته طالت الأرض والبشر، الأطفال والشيوخ والنساء.

فصورة المجازر الإسرائيلية المتكررة وكذلك اقتلاع الأشجار وتجريف الأراضي في القطاع من قبل الدبابات والجرافات الإسرائيلية تؤكد حقيقة السياسة الإسرائيلية رغم الحديث المتكرر عن خرائط طرق سياسية لحل القضية الفلسطينية، فتاريخ قطاع غزة كما أهله يؤكد بأنه سيبقى عصي على كل الغزاة.

دبي - «البيان»