تسرب الرعب وحالة التذمر سريعاً في أوساط الجمهور الاسرائيلي مع اليوم السابع للحرب الاسرائيلية على غزة، رغماً عن فترة التحضير والخداع الطويلتين التي أملت من خلالها القيادة العسكرية لدولة الاحتلال بتوجيه ضربة قاسمة وسريعة لفصائل المقاومة الفلسطينية، تصوغ بعدها «قواعد اللعبة» في القطاع المحاصر، مع تحصين الجبهة الداخلية.

إلا أن الدعوات اليائسة التي أطلقها وزير الحرب إيهود باراك لجمهور المستعمرين بالصبر لم تجد صدى لها مع انهمار أولى الرشقات للصورايخ قصيرة المدى من طراز «قسام» و«ناصر- 3» و«غراد» على فلسطين المحتلة، وليبادر الاسرائيليون بالهرب إلى تل أبيب وإيلات البعيدة، فيما لم يبق في الكيبوتسات المحيطة بغزة وسديروت القريبة سوى العجزة والنساء المعتاشات على المخصصات، وأولئك الذين ألفوا حروب إسرائيل السابقة وبقايا من اليهود الشرقيين الأقل حظاً في سلم التراتبية الصهيونية وكذا العمال الآسيويين، الذين لم يجدوا أمامهم جميعاً من خيار سوى الاختباء في الملاجئ.

نشوة القتل

في البدء، ومع مشهد الضحايا الدامي وأكداس الشهداء الملقاة في تل الهوى والسودانية ومراكز الأمن الفلسطينية، عُزف نشيد النصر في كل بيت إسرائيلي، وبدأ المتحمسون يرقصون طرباً لـ (صعود داوود) في ميدان صهيون وأمام «متسوديت هليكود» وعلى جنبات طريق خمسة العابر، وردد الجمهور الاسرائيلي بانتشاء على الجزرة «جاء الوقت ليعرف العرب قوتنا»، «تحية لسلاح الجو ولتفهم إيران الرسالة»، «لنعلن باراك ملكاً»، «ما أجمل الحروب»، «أيها الجنود لا تبقوا حجراً على حجر».

واجتمعت الترويكا المنحلة أولمرت وباراك وليفني معلنة حرباً بلا هوادة ضد غزة وباجماع كل الاحزاب الصهيونية من اقصى اليسار إلى أقصى اليمين، في مشهد إجرامي يطالب به الجلاد الضحية بالانتفاض على السرايا.

إلا أنه مع انتشار الصور الاولى لأشلاء أجساد الاطفال والبيوت المهدمة، عاد التلاحم التقليدي بين فلسطيني الداخل وأنصار السلام الاسرائيلي بالتظاهر وسط ساحة الملوك وتحول 22 % من الاسرائيليين ضد الحرب، فيما تناسى زعيم المافيا افيغدور ليبرمان استحقاقات المحرقة الاسرائيلية لينشغل بمهاجمة محمد بركة وأحمد الطيبي مطالباً بقتلهما. وبعدها بساعات عادت «ميرتس» إلى رشدها معلنة الصدع الأول في جوقة الحرب.

صراخ وغضب

أما الاسرائيليون بطبيعة الحال، متسمرون أمام شاشات التلفزيون لمتابعة أخبار الحرب، يمنون النفس بقرب انتهائها بإلقاء المقاومين في بحر غزة، غير متناسين مرارة فشل أولمرت ـ بيرتس في 2006، ما يشي برغبة عارمة بسرعة الانجاز، وعدم الغوص في سجالات الكنيست.

إلا أنه مع بدء سقوط القتلى في صفوف المستعمرين والجنود، وارتفاع وتيرة اطلاق الصواريخ وتطورها نوعياً بضرب أهداف بعيدة لأول مرة في بئر السبع وأسدود، وتخبط المستوى السياسي في اتخاذ قرار الغزو البري من دون وجود أي دليل استخباراتي جازم على نجاعة القصف الجوي والبحري المتواصل على مجموعات مقاومة ليس لها من القوة التسليحية أي ذكر أمام قدرات حزب الله القتالية في لبنان، أفقد هذا كله الاسرائيليين الصبر ودفع بمزيد منهم لانتقاد المغامرة العسكرية والتفكير بطريقة أفضل تعيد حكومة «حماس» إلى التهدئة الهشة ليست شهورا جديدة وربما لأكثر من ذلك.

وتُسمع أصوات الآن في أوساط المحللين والسياسيين المؤثرين داخل المجتمع الصهيوني تحذر من التفاؤل، إذ لفت المحلل العسكري عميت كوهين إلى أن التهاون الاسرائيلي في المواجهة البرية بالاعتماد على دقة النيران والتقنية العالية وحسب، سيقود إلى كارثة جديدة أو إلى وادي حجير جديد خاصة بعد أن هددت «حماس» بجعل شوارع غزة براكين بامتلاكها 80 طناً من المتفجرات، في حين استدرك رون بن يشاي، في ماذا بعد؟ محذراً من أن الحرب التي بدأتها اسرائيل بالدعاية لخطر الصواريخ وتبجح ليفني بشنها من قلب القاهرة، لا يمكن وقفها إلا باعادة احتلال القطاع لأن «حماس» حينها ستظهر منتصرة، وهما خياران ليسا أقل من كابوس يقض مضاجع حكام تل أبيب.

في حين هاجم المحلل أمنون ابراموفيتش، قادة كديما ـ العمل الذي يخيم فوق رؤوسهم شبح الخسارة أمام بنيامين نتنياهو في 10 فبراير، وعاود تذكير الاسرائيليين بأن خالد مشعل واسماعيل هنية كانا يضغطان على القيادي أحمد الجعبري المسؤول عن ملف الجندي الاسير جلعاد شليت لتكون مطالبه «منطقية»، وسبقهم محلل الشؤون الشرق الاوسطية إيهود يعاري بالصراخ متسائلاً، ألم تستبعد الحكومة موجة نزوح اسرائيلية؟ الآن بات 800 الف اسرائيلي تحت «بقعة الزيت الحارقة».

أما المحلل العسكري للقناة العاشرة المتطرفة ألون بن دافيد فلم يجد رداً للواقع الذي افرزه العدوان الجديد سوى طأطأة الرأس والقول «كل السناريوهات مفتوحة، جندنا 70 سفيراً ومسؤولا في دوائر اتخاذ القرار في أميركا وروسيا والاتحاد الاوروبي وبدأنا التحضير للحرب في غزة منذ اغتيال عماد مغنية في دمشق قبل ثمانية أشهر، والآن ربما علينا أن نعيد مصر إلى غزة فالخيارات لدينا وعلى الجانب الآخر (السلطة الفلسطينية) باتت محدودة».

اما مقدم البرنامج السياسي الأكثر شهرة بين المستوطنين افيف دروكر فعبر عن غضبه بسؤال افتتح به البرنامج وقال «ألا تخشون ان الطيارين يتمردون على أوامر الجيش لكثرة سقوط الضحايا، أكوام جثث الاطفال بدأت تملأ ثلاجات مستشفى الشفاء، قانا واحدة أخرى، ونفقد مبررات الحرب ونعود خطوة إلى الوراء بل وربما نفقد السيطرة على معبر رفح».

معادلة الردع الجديدة

أما ما زاد الاسرائيليين توتراً فكثرة تكرار الخبر العاجل «أوامر التحرك البري تأجلت» التسريبات تجمع على يوم الأحد، تارة بسبب الأحوال الجوية السيئة وبسبب التحركات السياسية (عباس، مشعل، لافروف، أردوغان وقطر ومصر والاردن والرباعية وجامعة الدول العربية والامم المتحدة)، وزيارة ليفني إلى باريس الخميس الماضي للقاء الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي.

كل هذا الصداع الاسرائيلي، يعيد النقاش دائما إلى نقطة البدء، إلى ثمن الصهيونية، فمع دخول الحرب الاسرائيلية اليائسة على قطاع غزة أسبوعها الأول. وبعد عامين من اختبار خطة تحصين الجبهة الداخلية كحل عملاني وحيد بعد الفشل العسكري في وقف 4000 صاروخ أمطرت بها «المقاومة الاسلامية» في لبنان مستعمرات الجليل، فرضت معادلة الردع الجديدة القديمة نفسها، الضاحية الجنوبية ـ حيفا، غزة ـ بئر السبع، ولا حلّ يلوح في الأفق إلا سياسياً لضمان وقف الصواريخ قصيرة المدى.

وثمن الصهيونية، شعار طوباوي ابتدعته الوكالة اليهودية زمن العمل العبري ، إلا أنه تحول إلى كابوس في حرب أكتوبر 1973، حيث بات هذا الثمن شخصياً ويمس حياة كل إسرائيلي.

رهان خاسر

المعتدلون راهنوا على نزوح إسرائيل بعد الحرب نحو السلم، إلا أن الوقائع تحدثت عن صعود «الصهيونية الجديدة» بما تمثله من تعبير عن حالة فصام أو عدم اعتراف بالآخر، فهيمنة قوى اليمين القومي ـ الديني المتطرف على المشهد السياسي الاسرائيلي بحلولها مكان الصهيونية العمالية في قيادة المشروع الاستيطاني التوسعي وخوض مغامرات عسكرية بلا طائل مرة إثر أخرى. انعكس على منطقة الشرق الاوسط برمتها واغرقها في حروب استنزاف دامية واقتلع كل اصوات السلام داخلها، وأصبح لزاماً على اسرائيل «حرق» غزة، ولكن لماذا الآن؟

على السطح تتحمل «حماس» المسؤولية برفضها تمديد الهدنة، التي لم ترفع الحصار عن القطاع، ولم تفرج عن أسرى مقابل شليت، ولم تتوسع لتشمل الضفة الغربية بحسب الوساطة المصرية، كما يتهم البعض الحركة باتخاذ هذا القرار بالتزامن مع وصول المفاوضات السورية الاسرائيلية غير المباشرة إلى طريق مسدود.

إلا أن البعض يرى أن التحول الاسرائيلي باتجاه «حرق» غزة جاء لاعتبارات الانتقام مع الخذلان في حرب 2006 ، فيما عزى البعض الآخر الأسباب لاعتبارات انتخابية اسرائيلية، وهناك من ربط بين العدوان وبين الانقسام الفلسطيني الداخلي وانعكاساته على العلاقات العربية العربية وتحديداً بعد السجال المصري السوري، وبل واتهموا حكومات عربية بالتواطؤ على الغزيين. أما الجانب الرسمي الاسرائيلي فتحدث في العلن عن اسقاط الحكومة المقالة كمسألة حتمية لوقف اطلاق الصواريخ.

ازمة الشرعية

إلا ان الاستراتيجية الاسرائيلية حيال قطاع غزة، تخرج عن جميع هذه الأسباب وتستفيد منها وهي تقوم على أساس ضرورة ازالة «خطيئة» اشراك الجبهة المناوئة لأوسلو في الحياة السياسية الفلسطينية من دون اشتراط اعترافها بشرعية وجود إسرائيل أولاً.

وهذا ما اقرته مؤتمرات هرتسيليا المتعاقبة منذ العام 1997 التي حددت هدفاً للسلام وسقفاً له، بحفظ الهوية اليهودية واقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح في غزة ومشروع دولة تحت الاختبار في الضفة الغربية والقدس الشرقية على مدى سنوات، وهذا ما اتهم شارون بتجاهله أثناء تنفيذ خطة الفصل الاحادي الجانب (فك الارتباط عن غزة صيف 2005)، أما في الضفة الغربية فاستمرت عمليات بناء جدار الفصل العنصري والتي ستنتهي في 2010، محققة تقدماً ملموساً في إفقاد الفلسطينيين «توازن الرعب» بوقفها إلى حد كبير العمليات الفدائية.

وألقت مجموعات دينية وسياسية من إسرائيل والولايات المتحدة باللوم على شارون لقراره تسليم كامل غزة باستثناء معبر رفح للسلطة الفلسطينية مشككين بجدوى حل المراقبين الاوروبيين للاشراف على المعبر الذي يصل غزة بالعالم الخارجي. إلا أن خروج شارون من القطاع متجاهلاً معضلة أنفاق غزة، جاء بعد ميراث طويل من الثمن الصهيوني الذي أدى إلى تمني رابين في العام 1993 «لو أن يبتلع البحر غزة».

تسميم الأهالي

فتاريخ اسرائيل مع غزة شديد العدائية بل ان الاستخبارات الاسرائيلية ترى في هذا الجيب الذي لا تتجاوز مساحته 378 كيلو متراً مربعاً ويشكل اللاجئون 85% من سكانه الخطر الأكبر الذي يتهددها مع تحوله المبكر كمركز للعمل الفدائي في الفترة ما بين 1953 و 1955 لدرجة ان وزير الحرب الصهيوني حينها بنحاس لافاون اقترح لوقف العمليات الاستنزافية ضرب القطاع بأسلحة بيولوجية لتسميم سكان القطاع.

وبعد احتلال االقطاع العام 1967، لم تنفع جميع المحاولات الاسرائيلية في السيطرة على سكانه، فما كان من حكومة شامير الاولى إلا أن قامت في العام 1984 وبعد حادثة خطف (الباص 300) الشهيرة واقتياده إلى دير البلح لمبادلة أسرى، بتسييج كامل القطاع وغزله عن العالم الخارجي.

مقبرة الغزاة

وتحول السياج إلى مقبرة اسرائيلية مع نشوب حرب السكاكين العام 1986 والتي حولت شوارع غزة إلى كابوس بالنسبة للجنود الاسرائيليين، ثم ما لبثت أن تحولت إلى انتفاضة فلسطينية عارمة قلبت القطاع بالكامل إلى جحيم بنظر الاسرائيليين، رغم فرض العزل «الباتوستانت» والحصار الطويل على المخيمات واعتقال جميع القيادات الميدانية ومن ثم طرد أغلبها إلى مرج الزهور جنوب لبنان، إلى أن تم تسليم جميع المناطق الفلسطينية المسكونة في القطاع إلى السلطة الفلسطينية كأولوية مرحباً بها إسرائيلية في اتفاق أوسلو لادارة شؤون الاهالي والتخلص من العبء الاقتصادي والامني للقطاع.

تطهير واغتيالات

وبالعودة إلى شارون وسياسة فك الارتباط عن غزة، فلقد كشف مستشاره دوف فاسيغلاف مؤخراً أن القرار الاسرائيلي بتسليم كامل غزة للسلطة جاء بعد «اعتقاد» تطهير القطاع من «أعداء» إسرائيل، وبعد سلسلة من عمليات الاغتيال التي طالت قائد «كتائب القسام» صلاح شحادة وخلفه ابراهيم المقادمة.

ومن ثم القيادي في «حماس» اسماعيل أبو شنب في اغسطس 2003 رغم الهدنة التي توافقت عليها الفصائل في غزة يوم 29 يونيو من نفس العام، للسماح باختبار جدية اسرائيل في تطبيق خطة خارطة الطريق وبعدها في مارس 2004 تم تسديد ضربة قوية لخصوم أوسلو باغتيال الشيخ أحمد ياسين وقائد «حماس» عبد العزيز الرنتيسي، وباتت جميع الظروف مهيأة اسرائيلياً للانسحاب من غزة، مع احتفاظ بأفضلية مواصلة سياسة الاغتيالات عن التي طالت قائد لجان المقاومة جمال ابو سمهدانة في سبتمبر 2006.

وبالنتيجة تهيأت الأجواء في غزة لانقلاب «حماس» والسيطرة على قطاع تمده الانفاق يمختلف انواع السلاح، فيما تصدع الحصار الاسرائيلي وفقد جدواه باضعاف «حماس»، واليوم باتت مدن كبئر السبع وأسدود والتي تبعد مسافة 40 كيلومتراً عن غزة تحت مرمى صواريخ المقاومة، فيما تحولت النقب الغربي وعسقلان إلى مناطق خاصة، بدرجة واحدة أقل من حالة الحرب.

وتقييم جهاز الاستخبارات الاسرائيلية بما فيها جانب التضخيم والتهويل، تتحدث عن قدرة «حماس» والفصائل الفلسطينية الاخرى على اطلاق ما بين 100 إلى 200 صاروخ يومياً وعلى مدى شهرين، تتنوع بين قذائف الهاون إلى الكاتيوشا وصواريخ غراد، فضلاً عن وجود 20 ألف مقاتل لدى «حماس» وحدها، بعضهم حصلوا على تدريبات عالية في إيران، ولتعود غزة مجدداً صداعاً مزمناً لدى إسرائيل.