لكن لبودابست في حياتي أيام الشباب مكان ومكانة الوطن الثاني. أقمت فيها أربعة أعوام متواصلة (1953-1957). وكنت كلما ذهبت إلى لبنان في مهمة من مهماتي الأممية، باسم اتحاد الشباب الديمقراطي العالمي الذي كنت عضواً في قيادته، كنت أشعر بشوق عارم للعودة إلى ذلك الوطن الثاني.
وبودابست هي واحدة من أجمل مدن العالم، والمصدر الأساسي لجمالها هو اختراق نهر الدانوب لها في وسطها، وقطعها إلى نصفين يتنافس كل منهما مع الآخر لكي يكون الأجمل. لكن ما يستعصي على النسيان في المجر هو، إلى جانب العاصمة بودابست، بحيرتها الخالدة «بلاتون»، التي كثيراً ما كنت أزورها، وكثيراً ما كنت أقضي الليالي الطوال على ضفافها في مواسم القطاف.
ولم تكن موسكو أقل أهمية في حياتي من مدينتي باريس وبودابست. لقد أقمت في موسكو بين عام 1957 وعام 1967 وعام 1987، ثلاث مرات. دامت إقامتي في المرة الأولى ستة أشهر، وفي الثانية تسعة أشهر، وفي الثالثة عاماً كاملاً. لكن زياراتي إلى موسكو لم تنقطع على امتداد حياتي كلها منذ عام 1954 حتى الآن. وكان من الطبيعي أن يكون لموسكو، بالنسبة إليّ، في زمان النضج، ثم في المرحلة التي تسلمت فيها مسؤوليات أساسية في قيادة الحزب الشيوعي اللبناني، صفة المرجع في أمور عديدة، فكرياً وسياسياً.
وظلت موسكو كذلك، بالنسبة إليّ، إلى أن حدثت ثورة في حزبنا، كنت أحد مطلقيها مع رفيقي جورج حاوي ومع عدد من رفاق عمري، بهدف الوصول فيها إلى نهاياتها السعيدة، التي تمثلت بإحداث تجديد فكري وسياسي وتنظيمي في الحزب الشيوعي اللبناني. وهو التجديد الذي اختلفنا فيه وتمايزنا، في أمور فكرية وسياسية، عن النموذج السوفيتي المعمم، من دون أن نقطع علاقتنا الأممية مع بلد الاشتراكية الأول، ومع حزب لينين، قائد ثورة أكتوبر، برغم فظاظة التدخل الذي مارسه السوفيت ضدنا لمنعنا من إنجاز ذلك التجديد.
غير أنه سيكون من الظلم لفيينا ألا أضمها إلى تلك المدن الأربع التي كان لها في حياتي أثر كبير. فإلى جانب جمالها، كانت فيينا مصدر علاقتي الحقيقية بالعالم المعاصر، في الثقافة وفي السياسة وفي الفكر. إذ أقمت فيها مرتين، بين عام 1954 وعام 1962. في المرة الأولى أقمت أربعة أشهر. وفي المرة الثانية أقمت ثلاث سنوات، بصفتي عضواً في القيادة اليومية لمجلس السلم العالمي. اكتشفت «ليالي الأنس في فيينا» التي غنتها أسمهان، واستمتعت فيها. وتعلمت في فيينا الكثير مما كنت بحاجة إليه لاستكمال عناصر شخصيتي.
مدن أخرى
أما المدن الأخرى، فلكل منها سماتها الخاصة بها، ولها أهميتها، بالنسبة إلى ما أدخلته في حياتي من غنى. ولكل من هذه المدن جمالها الذي تميزت به. ولكل من ناسها سماتهم الخاصة بهم أيضاً، في أمزجتهم، وفي أنماط حياتهم، وفي تقاليدهم، وفي طرائق استقبالهم للآخرين، وفي مدى استيعابهم لثقافات شعوبهم. وكم أدهشتني المقارنة الأولية، خلال زيارتي الأولى للولايات المتحدة الأميركية، وخلال زياراتي اللاحقة لها، المقارنة بين طبيعة وسمات الشعب الأميركي، وطبيعة وسمات الشعب الروسي.
إذ بدا لي أن ثمة شبهاً غريباً بين الشعبين في البساطة والسذاجة والعفوية. لكنني اكتشفت، بالمقابل، أن ثمة فارقاً كبيراً في أمور أخرى بين الشعبين. فإذا كان الشعب الأميركي يتميز بالفردية والأنانية والجهل بما يجري في العالم، فإن الشعب الروسي يتميز بثقافته الواسعة، وبحبه للآخرين، فيما اصطلحنا على وصفه، بسبب ذلك، بأنه شعب أممي من الدرجة الأولى. أما الفارق الآخر بين الشعبين فهو يتمثل بالحرية الفردية عند الأميركي، وبالطموح إلى تلك الحرية عند الروسي. وهو الفارق بين النظام الديمقراطي الرأسمالي، والنظام الشمولي الاشتراكي.
الخلاصات من تلك المروحة من الزيارات ومن اللقاءات لم تستكمل عندي بعد، وهي خلاصات سآخذ في الاعتبار عندما أستكملها هذا التنوع والتعدد والاختلاف في البلدان التي زرتها وفي أوضاعها وفي شروط تطورها. وهذا أمر طبيعي. سأكتفي هنا بتقديم بعض النماذج من لقاءاتي ومن انطباعاتي السريعة عنها، في أفغانستان التي زرتها في مطلع عام 1988، في أعقاب اللقاء الذي جمعني بالرئيس نجيب الله في موسكو مع رفيقي جورج حاوي، وجدت نفسي أمام مهمة صعبة، إزاء وضع معقد.
وكنت قد قرأت مقالاً لإنجلز يتحدث فيه عن هذا البلد وعن تقاليده وعن خصوصيات شعبه، زودني بمعرفة مسبّقة عن الطريقة التي سأناقش فيها مع المسؤولين الأفغان الوضع الذي كان عليه هذا البلد في ذلك الحين. وكان هذا الوضع شديد التعقيد. كان عليّ أن أمتلك الجرأة لأعلن للقياديين في الحزب وفي الدولة، بصراحة وبصدق، بأن السياسة التي كانوا يسلكونها في تلك الفترة بالذات، ومنذ اللحظة التي وصلوا فيها إلى مواقع السلطة، هي سياسة ستقود إلى نهاية كارثية.
ومعروف أن مجموعة الضباط التي قامت بمغامرة الانقلاب على نظام الشاه، في أواخر سبعينات القرن الماضي، وأقامت «نظاماً اشتراكيا» بديلاً منه، قد ارتكبت، منذ البداية، سلسلة من الأخطاء الفادحة. أول هذه الأخطاء، وأكثرها فداحة، هو أن قادة النظام الجديد بدأوا نشاطهم، رداً على الهجوم المعاكس من قبل رجال الدين المسلمين، بإعدام عدد من هؤلاء.
واتبعوا ذلك بإقامة تماثيل كبيرة وسط العاصمة كابول لماركس وإنجلز ولينين للتدليل على أنهم يقيمون نظاماً اشتراكيا في أفغانستان، الشديد التدين شعبها والشديد التخلف في آن. وحين ذكرتهم بجمال الدين الأفغاني، وعما إذا كانوا أقاموا له «مقاماً» أو متحفاً أو تمثالاً، دهشوا لذلك، واعتذروا. وفي الأعوام الأولى من إقامة نظامهم، ولحماية هذا النظام من التدخل الخارجي، سارع قادة الانقلاب إلى «توريط» الاتحاد السوفيتي معهم، بعد أن كان بلد الاشتراكية، منذ أيام لينين، يقيم علاقات تحالف ممتازة مع نظام الشاه.
فأرسل السوفيت، تلبية لرغبة رفاقهم الجدد في السلطة في أفغانستان، قوات مسلحة لدعم هذا النظام. ولم يدرك أهل النظام، ولا أدرك قادة الإتحاد السوفيتي، إلا بعد فوات الأوان، أنهم دخلوا في مغامرة لا أساس موضوعياً للنجاح فيها في بلد شعبه عنيد وقاس ومعتاد على الحروب والغزوات، كما يصفه إنجلز. وكان من الطبيعي أن تؤدي تلك السياسات عند أهل النظام القائم إلى استنفار القوى المعادية للشيوعية في المنطقة، وعلى الصعيد العالمي، لإطاحة هذا النظام.
والتقى المناهضون للشيوعية وللنظام القائم في أفغانستان، والمعادون للاتحاد السوفيتي، على إدخال مجموعات سلفية، باسم الإسلام، كان من أركانها، منذ البدايات، أسامة بن لادن. وظلت تلك المجموعات، التي صارت تعرف بالعرب الأفغان، تقاتل النظام إلى أن تمكنت «طالبان» من الاستيلاء على السلطة في البلاد، باسم الإسلام. وهكذا، وبعد أعوام ثلاثة على ذلك اللقاء الذي جمعني بالمسؤولين الأفغان في كابول، سقط «النظام الماركسي» سقوطاً دموياً مريعاً. وتشاء الصدف التاريخية، وهي ليست مجرد صدف، أن ينهار، في الوقت الذي انهار فيه النظام في أفغانستان، النظام الاشتراكي في الاتحاد السوفيتي، بلد ثورة أكتوبر.
لقاء مع كاسترو
أما اللقاء الذي جرى لوفد حزبنا، بقيادة الأمين العام للحزب نقولا شاوي، مع فيدل كاسترو في كوبا، في مقر إقامة الوفد (1977)، فقد تخلله جدل بيني وبين كاسترو حول الموقف من سوريا، التي كان جيشها قد اجتاح لبنان، وقاتلناه، وقدمنا شهداء، وانهزمنا أمامه. إذ كان كاسترو مع أسرة الدول الاشتراكية، وفي المقدمة منها الااتحاد السوفيتي، إلى جانب سوريا في تدخلها ضدنا نحن يساريي لبنان ووطنييه.
في حين أن ثابو مبيكي، الذي التقيته في بريتوريا في عام 1994 بصفته نائباً للرئيس مانديلا، قبل أن يصبح هو ذاته رئيساً بعد بضعة أعوام من ذلك التاريخ، فقد كان شديد الصراحة معي في الحديث حول الحقبة التي كانت جنوب أفريقيا تنتقل إليها.
وكان الكثير من أفكاره وآرائه وتحليلاته يشير إلى الصعوبة التي ستواجه شعب جنوب أفريقيا في ممارسة السلطة، كسيد حر في بلاده، بعد أن كان على امتداد قرون عدة عبداً مقهوراً وذليلاً أمام جلاديه من العنصريين البيض. وهو وضع دلت عليه تجارب هذه الأيام وأحداثها في البلاد بعد عقد ونيف من الحصول على الاستقلال. أما نكروما، رئيس دولة غانا، فقد بدا لي، خلال اللقاء معه في أكرا في عام 1963، مفكراً وفيلسوفاً وحالماً بمستقبل زاهر لأفريقيا أكثر منه كرئيس دولة. لكن بن بله الذي التقيته في الجزائر في عام 1963، ثم في عام 1964، فكان يحمل برنامجاً حقيقياً للتغيير عبّر عنه ميثاق الجزائر الشهير.
ثم استمرت لقاءاتي مع رؤساء دول آخرين. قابلت يانوش كادار، رئيس جمهورية المجر، في بودابست في إطار وفد للحزب كان يقوده الأمين العام نقولا شاوي في عام 1970. ورغم أنني كنت قد تعرفت إلى كادار عشية «الثورة المضادة» التي قامت في المجر في عام 1956، وكان لقائي معه يومذاك شديد الود والصراحة حول ما كان يجري في المجر، فقد وجدت في كادار الرئيس شخصاً آخر مختلفاً عن كادار الذي كان خارجاً للتو من سجن فرضه عليه وعلى قيادة الحزب المجري ستالين، بعد أن أعدم الأمين العام للحزب راجك.
كان كادار قد أصبح زعيماً مطلقاً للمجر، عندما التقينا معه في عام 1970، أسوة بأقرانه من الزعماء الآخرين الذين حكموا بلدانهم، باسم الاشتراكية. إلا أن كادار، إلى جانب المشترك في صفاته مع أقرانه حكام البلدان الاشتراكية السابقة، قد أدخل في بلاده مجموعة مهمة من الإصلاحات. وكان، إلى جانب زعامته المطلقة لبلاده، متواضعاً في طريقة عيشه.
إطلالة سريعة
في البلدان العربية قابلت عدداً من الرؤساء، في العراق والجزائر وسوريا واليمن، وفي لبنان، بالطبع. وهي لقاءات لن أدخل في تفاصيلها. سأكتفي باللقاءات التي أجريتها مع رئيسين للجمهورية في سوريا، هما نور الدين الأتاسي وحافظ الأسد. كثرت لقاءاتي مع نور الدين الأتاسي، ابتداء من عام 1968 حتى نهاية ولايته، التي قادته إلى السجن في عام 1970، ومن السجن إلى القبر، بعد عشرين عاماً من الإقامة في ذلك السجن. أما اللقاء مع الرئيس حافظ الأسد فكان لمرة واحدة.
وفي حين تحولت العلاقة مع الأتاسي إلى صداقة شخصية وسياسية وحزبية، نظراً لما تميز به هذا الرئيس من بساطة وانفتاح ونزعة يسارية، فقد كان اللقاء مع الرئيس حافظ الأسد مختلفاً، في شكله وفي نوعه. وكان لقائي مع الرئيس الأسد في إطار وفد حزبي، برئاسة الأمين العام جورج حاوي، في أواخر عام 1986. والانطباع الذي تولد عندي من اللقاء مع الأسد كان متناقضاً. فمن الواضح أن الأسد كان رجل دولة من الطراز الرفيع. كان واسع الثقافة. وكان داهية سياسية.
يبدي لمحاوره الكثير من الود، ويوحي له بأبوية اعتاد الرئيس الأسد أن يتعامل بها مع كل من زاروه من السياسيين، ومن المثقفين خصوصاً. ليس ما سقته من أخبار ومن انطباعات عن زياراتي ولقاءاتي خلال ذلك السفر الطويل في جهات العالم الأربع سوى إطلالة سريعة على بعض ما يقدمه للمسافر سفره من معارف، ومن خلاصات لحياته ولحياة شعبه، ومن أفكار وأحلام جديدة. لكنني سأحاول، في اللحظات التي تسبق نهاية المشوار، أن أقدم قراءة لتلك الرحلة التي استطالت ما يقارب ثلاثة أرباع القرن، أكثر غنى مما جاء في هذه العجالة.
