من الأحلام الكبرى إلى الخيبات الكبرى تصطحبنا المؤلفة في هذه الحلقة الأخيرة من كتابها حول سيرة محمد علي حاكم مصر وباني نهضتها خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر، مستعرضة مراحل أفول الإمبراطورية التي كادت تضارع إمبراطوريات ذلك الزمان على نحو أثار القلق لدى القوى الأوروبية الكبرى ودفعها للتآمر ضده.

وتشير المؤلفة إلى مراحل السقوط والتي بدأت ملامحها في أخريات أيام حكم الباشا، وسط إشارات عن تنامي حدس محمد علي بأن لا ينجح أبناؤه في مواصلة المشروع الذي بدأه، وهو ما كان بالفعل، حيث انتهت الأمور بوقوع مصر في قبضة بريطانيا وتطورت مع دخول القرن العشرين إلى القضاء على حكم أسرته تماما. وفي معرض استعراض ردود الفعل على رفض الباشا الجانب الخاص بالجزية المفروضة عليه والواجبة للدولة العثمانية تذكر المؤلفة أنه على خلاف الدول الكبرى الحليفة بدا أن السلطنة قررت أن تعمل كما لو أن محمد علي قبل كل شروطها. وعلى ذلك قدمت إلى الإسكندرية في يونيو باخرة روسية تحمل مبعوثا جديدا للسلطنة لطي صفحة الخلاف مع مصر.

تشير المؤلفة إلى أنه في إطار التسوية بين الدولة العثمانية ومصر سلم مهيب أفندي فرمان التنصيب وخطابا جديدا من الوزير الأول، وكذا فرمانا مستقلا خاصا بالجزية يحددها بنحو 80 ألف كيس تبدأ من العام الجديد 1842. وقد قضى المبعوثان مهيب أفندي وزميله الوافد الجديد اليوم التالي في مقابلة مع الباشا الذي أصر على رفض مبلغ الجزية، وأعلن أنه يعتبر ان النزاع قد وصل إلى نهايته قابلا فرمان التنصيب في احتفال تقليدي.

وبعد ذلك جرت في 10 يونيو وقائع تنصب الباشا بمقتضى الفرمان الجديد، الأمر الذي مثل بالنسبة للجميع نهاية للأزمة على نحو تم رسميا من خلال البروتوكول الذي وقعته الدول الكبرى في لندن في 13 يوليو. وبمقتضي تلك التطورات انضمت فرنسا إلى القوى الكبرى في التوقيع كما تم توقيع اتفاقية المضايق وعاد قناصل القوى الكبرى وروسيا كممثلين بارزين للاتفاقية إلى الإسكندرية.

تقلنا المؤلفة إلى أجواء الصورة على صعيد الباشا، المحور الرئيسي للكتاب، فتذكر نقلا عن محمد علي في حديث للقنصل الفرنسي فيما يكشف عن رضائه عما تحقق قوله: «من اليوم لم أعد أحتاج إلى أن أعمل حساب لأوروبا، إنني وحدي في مواجهة الإمبراطورية العثمانية ومن الآن فصاعدا فسوف نرتب أمورنا باعتبارنا أسرة واحدة». في تلك الأثناء بدا أن الباشا يريد مصالحة تامة مع السلطان.

وتذكر لقاءه مع ممثلي الدول الغربية في الإسكندرية مهددين إياه وإعرابه عن رغبته أن يقّبل السلطان، أما الآن فإن هذه الرغبة تبدو حقيقية أكثر من أي وقت مضى ما جعله يأمل في أن يتلقى دعوة في هذا الخصوص لزيارة اسطنبول، وذلك رغم تحذير مستشاريه من أنه يغامر بترك الإسكندرية ويذهب لينحني أمام السلطان الصغير مثل أي حاكم آخر في إطار السلطنة، الأمر الذي لم يلق سوى الرفض من الباشا مصرا على السفر.

وكان الاستقرار على سفر ابنه سعيد الذي يتحدث الفارسية والعربية والفرنسية والإنجليزية والتركية والألبانية على نحو جيد، وقد كان ضابطا بحريا وكثير الأسفار أن يحل محل والده، حيث حظي باستقبال حافل في القصر السلطاني في 26 يوليو 1841 من قبل السلطان على نحو أسعد الباشا حيث اعتبر ذلك بمثابة نجاح لرؤيته.

وقد تفاوض سعيد على خفض الجزية لتصل إلى نحو عشرة ملايين قرش فيما كان محمد علي يطمع في مزيد من التخفيض. وفي 11 أكتوبر حصل سعيد على لقب باشا من قبل السلطان. وعاد سعيد ومرافقوه ومعهم توفيق بك سكرتير السلطان إلى القاهرة حيث التقاهم محمد علي وأسرته في القلعة. وبعيدا عن التدخلات الأوروبية كان في ذلك التطور رفعا لمنزلة محمد علي إلى مرتبة لم يحظ بها أي وزير أو وال.

وراح توفيق بك يتقدم ليضع نيشانا جديدا على صدر الباشا. كما تسلم في دلالة رمزية هدية عبارة عن سيف بالغ الروعة يقال انه لم يستخدمه من قبله سوى السلطان العثماني محمود في نهاية سعيدة لصراع دام عقود من أجل النفوذ. وتشير المؤلفة إلى أن محمد علي حرص إزاء ما بدا له من أطماع بريطانيا في مصر خلال السنوات الثماني ما بين فرمان يوليو 1841 الذي أعطى سلالته السيادة الكامل على مصر ووفاته في أغسطس 1849 على الحفاظ على مصر خارج أيدي بريطانيا. لقد أراد أن تبقى قوية ومستقلة في إطار الإمبراطورية العثمانية المسلمة.

وعلى ذلك واصل بعد استقرار الأوضاع له جهوده من أجل التحديث وفي ذلك الصدد قرر بناء سكك حديد لكي يسهل ربط النيل بالبحر الأحمر. وعلى غرار طموحاته السابقة سعى إلى الحصول على الوقود بما يمكنه من منافسة الدول الصناعية الأوروبية. وفيما يشير إلى قناعة محمد علي الراسخة بهذا الجانب يذكر المؤلف أن الباشا راح يصيح ذات مرة في وجه أحد المسؤولين البريطانيين الزائرين قائلا : «الفحم الفحم، الفحم ذلك هو الشيء الوحيد الذي أنا بحاجة إليه».

وقد بذل جهودا مكثفة من أجل استخراج الفحم من الأراضي التي تقع في اطار سلطته. وكان من بين مشروعاته الأخيرة إقامة سد على النيل يمكن أن يتيح الفرصة للتحكم في الفيضان واستخدام مياهه على مدار العام من أجل ري الدلتا. وتحقيقا لذلك الحلم قام الباشا العجوز في أيامه الأخيرة بوضع حجر الأساس لذلك المشروع محاطا بالدبلوماسيين والمسؤولين الرسميين المصريين.

وملتزما الحذر إزاء مواصلة مشروعاته حرص الباشا في الوقت ذاته على إظهار ولائه للسلطان عبد المجيد وعلى ذلك رتب للسفر بالباخرة إلى اسطنبول في يوليو 1846 ووصل به الحال إلى حد محاولة تقبيل قدم السلطان عبد المجيد ، على نحو دفع بالخدم إلى رفعه ومساعدته على الجلوس إلى جانب السلطان.

تذكر المؤلفة أنه في رحلته الأولى إلى اسطنبول وأوروبا على مدى أكثر من 40 عاما راح محمد علي يمارس هوايته خلال أوج حكمه من خلال غمر الآخرين بالهدايا الثمينة والمنح المالية . وهناك التقى مع رضا باشا الذي كان يشغل في تلك الفترة منصب وزير الحرب والذي بذل الكثير من أجل إسقاط رشيد باشا الذي كان وصيا على العرش خلال فترة صراع محمد علي مع الدولة العثمانية.

وفي ختام زيارته توجه في 17 أغسطس 1946 إلى مسقط رأسه قوله على الساحل الجنوبي لمقدونيا. وفيما يشير إلى أن تلك الفترة كانت فترة استعادة الأنفاس فقد سعى إبراهيم باشا كذلك إلى ترتيب أوضاعه بعد سنوات طويلة من خوض الحروب المتواصلة حيث قام في العام ذاته كذلك بزيارة لعدد من القادة الأوروبيين ممن كانوا في عداد الأعداء. وقد جرى استقباله بشكل حافل في بريطانيا حيث دعاه القائد البريطاني نابيير إلى مأدبة غداء حضرها بالمرستون وخلال اللقاء مع إبراهيم راح نابيير يشير إلى الباشا باعتباره واحدا من أبرز رجال العصر والإصلاحي الشرقي الكبير الذي تحظى جهوده لتطوير مصر بكل تقدير. بل وراح بالمرستون يشير إلى الطبيعة الفريدة لشخصية محمد علي وعبقريته.

لقد كان لدى محمد علي، حسب المؤلف، هاجسان رئيسيان وقد تحقق كليهما فيما بعد رحيله ويتمثل الأول في الخوف من ألا يثبت خلفاؤه كفاءتهم وأن تجد بريطانيا الوسائل التي تمكنها من تحقيق هيمنة أكبر على مقدرات مصر. ومما ساعد على تحقق مخاوفه افتتاح قناة السويس 1869 والتي عارض الباشا إنشاءها حيث زادت من أهمية مصر لبريطانيا ثم سلوك ابنه إبراهيم والخديوي إسماعيل سياسات جعلت مصر رهينة يد الأوروبيين. لقد أدت هذه السياسات إلى حالة جعلت المصريين في حالة استعداد للثورة فكانت انتفاضة 1882 والتي عجلت بالقصف البريطاني للإسكندرية، الأمر الذي انتهى باحتلال بريطانيا العظمى لمصر على نحو بالغ الاختلاف عما أراده محمد علي وتنامى إلى مخاوفه.

ففي بداية يوليو من ذلك العام أحاطت نحو 32 سفينة حربية من بريطانيا وفرنسا وروسيا وإيطاليا وأميركا وأسبانيا واليونان بالإسكندرية كان معظمها يريد نقل الـ 70 ألف أوروبي الذي كانوا يسعون إلى الهرب من الاضطرابات في المدينة. ومع ذلك فقد كانت السفن الفرنسية والبريطانية كما لو كانت في حالة استعداد للحرب، وفيما قررت فرنسا عدم الإنزال فإن مجلس الوزراء البريطاني الذي بدا منقسما في البداية قرر أخيرا المبادرة بالعمل.

ووعدت حكومة جلادستون ـ في البداية ـ بأنها ستحتل فقط قناة السويس وأن قواتها لن تدخل مصر على الإطلاق. وفي 11 يوليو فتحت السفن الحربية البريطانية النار على المدينة على نحو تسبب في خسائر فادحة. ولم تمض أربعة أيام حتى قام نحو 5 آلاف جندي من القوات البريطانية بالهبوط في الإسكندرية نازعين سلاح الجنود المصريين بادئين غزو موسع واحتلال لمصر على نحو قوض السيادة المصرية، فرغم استمرار المصريين في تعيين المسؤولين على صعيد تسيير أمور البلاد، فإن المستشار البريطاني كان يقف خلف كل وزير وكانت له السلطة التنفيذية.

كان ذلك هو الذي يحدسه عقل محمد علي ويخشاه، ومع ذلك فقد كان هذا يعود بقدر كبير إلى ما حصل عليه الأوروبيون من مميزات خلال حكمه على نحو انتهى بالمواطنين المصريين إلى الثورة في النهاية. يذكر المؤلف في معرض التعليق على هذا الجانب أن الباشا خلال حياته لم يكن يريد الصدام مع بريطانيا في محاولة للحفاظ على ما حققه من إنجازات وطموحات كانت بالغة الأهمية لديه إلى الحد الذي يعبر عنه موقفه الذي وصل إلى حد أقرب إلى البكاء عندما آلت الأمور إلى ما وصلت إليه عام 1840 حزنا على مشروعه التوسعي.

تذكر المؤلفة أنه فيما بدا تحققا لمخاوف الباشا عمدت بريطانيا عندما بدأت الحرب العالمية الأولى إلى قطع علاقات مصر مع الإمبراطورية العثمانية فيما حافظت على بقاء سلالة محمد علي كحكام دمية في يدها. وعندما تم الإطاحة بسلالة محمد علي ؟ طرد الملك فاروق إلى المنفى في عام 1952- قاومت بريطانيا جمال عبد الناصر وجهوده التي استهدفت تحويل السيطرة الكاملة على القناة لتكون بيد مصر، ولم تفلح أي محاولات لإثناء بريطانيا عن موقفها سوى تدخل الرئيس أيزنهاور، على نحو أقنعها وفرنسا وإسرائيل بالتخلي عن غزوها وقصفها لمصر عام 1956.

في معرض تقديم رؤية ختامية تشير المؤلفة إلى أنه خلال حكم محمد علي، وكذا خلال بقية القرن التاسع عشر، كان الحفاظ على الإمبراطورية العثمانية الستار الذي تخفي وراءه القوى العظمى أطماعها وتغلف من خلاله مصالحها في مسعى للحفاظ على الوضع الراهن في شرق المتوسط. وقد سمح إنشاء قناة السويس للقوى الأوروبية بتعزيز مساعيها للحفاظ على الوضع القائم، متجاوزة بذلك مخاوف تقسيم الأراضي العثمانية على يد روسيا والمخاوف من سيطرة هذه الأخيرة على المضايق التي كانت ممرات رئيسية أمام هذه الدول.

وقد انعكس ذلك عندما لاحت الفرصة حيث أقر الحلفاء المنتصرون في الحرب العالمية الأولى تقسيم الغنائم فيما بينهم وتم الموافقة على قيام دول جديدة كان من المعروف مسبقا أنه لن يكون لها القدرة على البقاء بدون مساندة القوى الأوروبية. وكان الشكل الذي طرح آنذاك هو استعمار في شكل انتداب من عصبة الأمم، هنا أصبح الاستقرار مرة ثانية مصلحة أوروبية إلى أن تم اكتشاف النفط بشكل آني مع اندلاع الحرب كما دخلت الولايات المتحدة كقوى جديدة ملتزمة بالوضع السياسي القائم، الأمر الذي دخل بالنظام الدولي في مرحلة جديدة تختلف كثيرا عن سابقاتها.

الصفحات: 261 صفحة (متوسط)

الكتاب: محمد علي وتحدي الغرب

عرض ومناقشة: مصطفى عبدالرازق

الناشر: ماكفرلاند - نيويورك - 2008