فيما يكشف عن النهج الواقعي الذي كان سمة الباشا في تعاطيه مع الإطار الدولي الذي وجد نفسه فيه رغم أحلامه التي حلق من خلالها في عنان السماء، تعرض لنا المؤلفة في الكتاب خطط محمد علي التراجعية، بما يحفظ له الحد الأدنى مما حققه من نجاحات.
ورغم مناكفاته مع المبعوث العثماني، إلا أن محمد علي كان يضع في اعتباره القوى الأوروبية التي تملك تحجيم طموحاته، والتدخل عسكريا من أجل تحقيق هذا الهدف. وعلى ذلك كان الوصول إلى حل وسط بشأن الفرمان العثماني الذي يحدد مستقبل الباشا على نحو ما أشرنا بشكل جزئي في الحلقة الماضية. ومما زاد من نهج الباشا لهذه السياسة تيقنه في النهاية من تأكيد فرنسا حليفه الأساسي أن مساندتها له لها حدود لن تتجاوزها بما جعله يدرك حدود اللعب على تناقضات الحلفاء الأوروبيين. تشير المؤلفة إلى أنه على مستوى المبعوث العثماني ومن ثنايا عملية التفاوض مع الباشا، بدا له الموقف بالغ الصعوبة، فهو لم يحقق ما يريد على صعيد قبول محمد علي للفرمان.
لقد كان رفض محمد علي للفرمان يعني ضرورة اللجوء إلى تهديد الباشا بحرمانه من العديد من المزايا حال استمراره على الرفض وحال عدم قراءة الفرمان على الملأ. وعلى هذا كانت الرسالة التي عمل مهيب أفندي على توصيلها للباشا وتتمثل في أن التحالف الأوروبي لن يقبل بتعديل للفرمان، في الوقت ذاته الذي تجنب فيه المبعوث العثماني الوصول إلى القطيعة مع الباشا في ضوء عدم انجازه الكثير من الواجبات المكلف بها وعلى هذا كان يرى أن الوقت مفتوح للتفاوض قبل أن يتم الاستجابة لتحركات الباشا الماكر. وعلى ذلك لم تنتقل تقارير مهيب أفندي من الإسكندرية إلى الإمبراطورية العثمانية فقط وإنما سفراء الدول الخمس الكبرى في اسطنبول فيما بدا محاولة للضغط على الباشا والتأكيد على أنه لا يواجه السلطنة فقط وإنما الدول الأوروبية الكبرى كذلك.
كان واضحا من خلال هذه التقارير إصرار محمد علي على الاحتفاظ بخيار تعيين خلفائه وأن يبقي ذلك الأمر بعيدا عن يد السلطان وأن يخفض الجزية التي يدفعها سنويا للسلطان. وأما بالنسبة لقوته العسكرية فقد كان يعتبرها الورقة الأكبر في يده حيث أنه رغم انتصاراته التي لم تتوقف على العثمانيين، فإنه راح يصر في المناسبات المختلفة على عرض يقوم على أن تكون تلك القوات في خدمة السلطان في مواجهة أعدائه.
وقد كان دافعه إلى ذلك الورطة التي تواجهها الإمبراطورية العثمانية والتي أكدتها لقاءات مهيب في ديوان محمد علي والمتمثلة في مسعاها لإخماد انتفاضة اليوناييين في كريت وكذا إحكام قبضة الإمبراطورية على الأوضاع المعقدة في المدن المقدسة في شبه الجزيرة العربية. وكان محمد علي يعتقد أن حكم هاتين المنطقتين على غرار سوريا أمر يتجاوز قدرة الإمبراطورية العسكرية.
وإزاء المحورية التي تمثلها تفاصيل تلك الجولة من زيارة المبعوث العثماني على مستقبل مشروع الباشا الطموح يعرض لنا المؤلف جانبا كبيرا من ثنايا ما جرى على صعيد محاضر جلسات تمت كان الباشا الطرف الرئيس فيها، فيما يبدو عرضا لآليات التفاوض السياسي والذي برع فيه محمد علي بشكل كبير، بما يبدو معه الباشا في مستوى ميترنخ وبالمرستون وغيرهما من القادة الأوروبيين المحنكين الذين أداروا سياسات تلك الفترة.
فإزاء تحفظات محمد علي وإزاء الإغراءات التي راح يقدمها للسلطان عمل مهيب أفندي على أن يبقي الباب مواربا أمام بعض تحفظاته وعلى ذلك كانت إشارته إلى أن السلطان لن يمانع في أن يرفع محمد علي عدد قواته في حالة الطوارئ ويساند جهوده، الأمر الذي بدا مقبولا للباشا مقتنعا بأن عدد الـ 18 ألف جندي ربما يكون كافيا للدفاع عن مصر آنذاك.
كانت القضية التالية موضع الخلاف بين الطرفين أكثر استعصاء على الحل، وهنا يورد المؤلف من واقع السجلات التي حصل عليها جوانب من تفاصيل المحادثات التي دارت بين الباشا والمبعوث العثماني. لقد كان الفرمان يطلب أن تقتصر فترة الخدمة العسكرية بالجيش المصري على خمس سنوات بدلا من كونها مدى الحياة حسبما كان يطلب الباشا وهنا راح يوضح للضيف أن هذا المطلب سيعني إعاقة الجيش والزراعة في الوقت ذاته في ضوء أن عملية الإحلال كل خمس سنوات لن تجعل من المواطن المصري جنديا أو مزارعا حيث أنه لن يكد يتعلم الجوانب العسكرية حتى سيتم انتزاعه منها.
كما دخل الرجلان في الكثير من المناقشات التفصيلية الخاصة بزي الجيش وراياته وإزاء إصرار محمد علي على مواقفه بدا أن مبعوث السلطان ينهار أمام إرادة الباشا الحديدية ما دعاه إلى اتهام محمد علي بمحاولة تقويض الفرمان وتفريغه من مضمونه، وهو ما كان يعني فشل المفاوضات على النحو الذي قرر معه مهيب أفندي التوقف عن سعيه إلى الوصول إلى صفقة مع الباشا في الإسكندرية، وانتهى الأمر بالباشا إلى كتابة خطابا إلى السلطان العثماني بشأن رؤيته للفرمان.
في هذا الخطاب، حسبما يذكر المؤلف، راح الباشا يغلف مطالبه بامتداح السلطان ومناشدة عطفه مضفيا عليه من الصفات الكريمة الكثير مناشدا إياه إنصافه بشأن مستقبل علاقته مع الإمبراطورية العثمانية داعيا إياه لرفع أو تعديل بعض الشروط المرهقة في الفرمان.
في تلك الأثناء وصل إبراهيم باشا مع بقايا الجيش المصري ما وفر للباشا الذريعة والمبرر بأن يوقف لقاءاته مع المبعوث العثماني والتوجه إلى القاهرة من أجل لقاء ابنه وكبار المسؤولين والنقاش بشأن قضايا تتعلق بإدارة البلاد. ومما يشير إليه الكتاب بشأن عادات محمد علي وتقاليده انه كان يحرص على مغادرة الإسكندرية عندما يريد تجنب الممثلين الدبلوماسيين أو عندما يجد نفسه في حالة انتظار لقرارات يتم اتخاذها بشأن مصر في أي مكان.
غير أن موقف القنصل الفرنسي مسيو كوشليت فيما قبل مغادرة محمد علي كان له تأثيره على تفكيره فقد راح يحذره من خطط من قبل القائد البريطاني بونسونباي واحتمال تدخله عسكريا حال رفضه الفرمان. وهنا فإن الباشا الذي استثاره هذا التحذير راح يؤكد لضيفه أنه سيحاول التكيف بكل الوسائل ما أمكنه. مضيفا: «وعندما أجدهم يدفعونني إلى النهاية فإني سأضع مسدسين في حزامي، بأحدهما سأقتل من يأتي لكي يقبض علي وبالآخر سوف أنهي حياتي. إنني لا أستطيع تحمل المستوى من الإهانة الذي يمكن أن يلحقوه بي. لقد عرف نابليون كيف يستقيل من أجل مصيره، بينما لا أستطيع أنا فعل ذلك».
ردا على تلك الثورة العارمة من قبل الباشا حاول مسيو كوشليت أن يهدأ من روعه، واضعا في اعتباره في الوقت ذاته أن الباشا يحاول أن يلعب على الوقت، وأنه في حاجة إلى جس نبض موقف أسرته وإخلاص جيشه من أجل تحديد قرار بشأن المدى الذي يمكن له معه أن يقرر المستوى الذي يمكن له أن يصله في مقاومته. يذكرنا ذلك الموقف مع الفارق بالطبع بذلك المأزق الذي وجد صدام حسين نفسه فيه.
فرغم التحفظات التي يمكن أن ترد على المقارنة بين تجربتي محمد علي بكل أبعادها وتلك التي مثلها صدام حسين، إلا أنه يبقى أن هناك بعض جوانب التشابه، خاصة لجهة التآمر من قبل القوى الدولية، في الماضي والحاضر، كل لأسبابه، وإذا كان محمد علي قد فضل أن يضع نهاية لمصيره بنفسه فإن صدام وصل إلى المرحلة التي كان الباشا يسعى إلى تجنبها حيث حرص الأميركيون على إهانة صدام وإذلاله إثر القبض عليه على النحو الذي حط كثيرا من شأنه رغم ما قد يذكره له البعض من عدم الإذعان وتفضيله حكم الإعدام على التجاوب مع المواقف الأميركية، الأمر الذي تبقى تفاصيله طي السرية حتى الآن وقد يأتي من يكشفها يوما ما على شاكلة ما يقوم به المؤلف مع سيرة محمد علي.
تعود بنا المؤلفة في مشهد آخر ليذكر لنا جانبا من الآمال التي كان يعلقها محمد علي على فرنسا وذلك خلال لقائه مع فيليب دو رون شابوت الذي حل محل كوشليت فمن الواضح أن الباشا حتى فيما بعد قبوله الفرمان في شكله الجديد كان يضع في اعتباره أن فرنسا ستقف إلى جانبه إزاء أي أزمات مستقبلية، وهو الموقف ذاته الذي يبدو أن صدام حسين كان يعول عليه بالنسبة لروسيا، وبدا بشكل واضح من خلال نصوص ما جرى بينه وبين المبعوث الروسي يفجيني بريماكوف، الأمر الذي يكشف عن إفراط في الاعتماد على الحلفاء في التجربتين الأمر الذي ثبت خطأه.
لقد راح رون شابوت يعرض الحقائق على الباشا محذرا إياه من أن بالمرستون والصحف البريطانية يدافعون عن الفرمان على النحو الذي أصدره به السلطان العثماني وأن شكاوى الباشا باستثناء ذلك الخاص بتعيين من هم من بين سلالته خلفا له تبدو أنها لا تلقى الكثير من الاهتمام والتعاطف في أوروبا. ولدى سؤال الباشا للقنصل الفرنسي سؤالا مباشرا عما ستفعله فرنسا فإن القنصل بالكاد راح يشير إلى أن باريس لن تتدخل فيما يتعلق بتنفيذ الاتفاقية.
ونتابع مع المؤلفة جوانب قد تبدو مثيرة وشيقة في ضوء كشفه عن بعض الجوانب من واقع محاضر ووثائق قد لا يكون الكثيرون تعرضوا لها بالتفصيل، على نحو يؤكد صحة مقولة ما أشبه الليلة بالبارحة، فقد كان يبدو من اتجاه حديث كوشليت مع محمد علي في ظل تحالف فرنسا معه أن هذه الأخيرة واستمرارا لما تراه دورا يلعبه وجوده لصالحها في إطار التنافس على الساحة الاوروبية، أنها إذا وجدت أن الضغوط شديدة فإن محمد علي يبقي له دور ووظيفة في إستراتيجيتها.
وهنا يأتي خيار اللجوء السياسي ؟ العرض ذاته تم تقديمه لصدام حسين باعتباره أفضل الحلول إزاء ما بدا رغبة الولايات المتحدة في إقصائه بأي السبل وتجنبا لما قيل آنذاك دمار العراق. وقد كان تفكير باريس، حسبما يتضح من سياق ما ذهب إليه كوشليت هو منح الباشا اللجوء إلى الجزائر، على أن يقوم هو بالمقابل بالتدخل لدى الجزائريين وحثهم على التخلي عن المقاومة للغزو الفرنسي، انطلاقا من أن مكانته ربما ستظل نافعة بالنسبة لفرنسا.
تتناول المؤلفة بعد ذلك جانب من اللقاء الذي جرى بين محمد علي وابنه إبراهيم في قصر الروضة وهو اللقاء الأول بينهما منذ سنتين وكانت تحلق في أجوائه المناكفات والمشاكل التي أحاطت بالحرب التي جرت في سوريا للإجهاز على الجيش المصري، الأمر الذي ألقى بظلاله على علاقات الأب والابن. كانت خطابات إبراهيم لأبيه حسبما يذكر المؤلف مليئة بالشكاوى بشأن نقص التمويل ونقص المدفعية والرجال. فضلا عن اختلاف وجهات النظر بينهما بشأن مسار العمليات، فقد كان الابن يرى أن أفضل السبل هي العمل على الوصول إلى اسطنبول، فيما حال الأب بينه وبين ذلك.
كانت تبدو على إبراهيم ملامح الاستياء من الخسارة والسمعة السيئة التي لحقت بجيشه جراء الهزيمة التي لا يد له فيها. وسط كل ذلك كان محمد علي يمهد الأجواء مع ابنه وذراعه الأيمن إبراهيم لكي يتم تنفيذ ما قبله الباشا من مواد في الفرمان تتعلق بتخفيض أعداد الجيش.
اضاءة
كان لموقف القنصل الفرنسي مسيو كوشليت تأثيره على تفكير الباشا فقد راح يحذره من خطط من قبل القائد البريطاني بونسونباي واحتمال تدخله عسكريا حال رفضه الفرمان. وهنا فإن الباشا الذي استثاره هذا التحذير راح يؤكد لضيفه أنه سيحاول التكيف بكل الوسائل ما أمكنه. مضيفا: وعندما أجدهم يدفعونني إلى النهاية فإني سأضع مسدسين في حزامي، بأحدهما سأقتل من يأتي لكي يقبض علي وبالآخر سوف أنهي حياتي. إنني لا أستطيع تحمل المستوى من الإهانة الذي يمكن أن يلحقوه بي. لقد عرف نابليون كيف يستقيل من أجل مصيره، بينما لا أستطيع أنا فعل ذلك.
ردا على تلك الثورة العارمة من قبل الباشا حاول مسيو كوشليت أن يهدأ من روع الباشا، واضعا في اعتباره في الوقت ذاته أن الباشا يحاول أن يلعب على الوقت، وأنه في حاجة إلى جس نبض موقف أسرته وإخلاص جيشه من أجل تحديد قرار بشأن المدى الذي يمكن له معه أن يقرر المستوى الذي يمكن له أن يصله في مقاومته. يذكرنا ذلك الموقف مع الفارق بالطبع بذلك المأزق الذي وجد صدام حسين نفسه فيه.
المؤلفة في سطور
ليتيتيا أوفورد كاتبة وباحثة مستقلة حاصلة على درجة الدكتوراه من جامعة كولومبيا في تاريخ الشرق الأوسط. ويمثل كتابها حول محمد علي جهدا بحثيا متميزا حيث قامت من اجل تقديمه للقارئ بالعديد من الأسفار إلى مواقع الأحداث، فضلا عن زيارة العديد من المكتبات التي تحوي وثائق ما جرى خلال الفترة محل الدراسة، حيث اعتمد الكتاب على أرشيفات لندن، وباريس وفيينا، وكذلك على الأوراق المهمة المكتشفة حديثا في جامعة دور هام في إنجلترا، وكذلك على المراسلات التي جرت بين ممثلي الباشا في الإسكندرية وجنرالاته في سوريا. كما اعتمدت المؤلفة في دراستها على زيارات شخصية قامت بها إلى مواقع محددة.
الصفحات: 261 صفحة (متوسط)
الكتاب: محمد علي وتحدي الغرب
عرض ومناقشة: دمصطفى عبدالرازق
الناشر: ماكفرلاند - نيويورك - 2008


