بعد تأخير استمر لأسبوع على انتهاء التهدئة، نفذ قادة الاحتلال الاسرائيلي ما وعدوا به، فأحالوا العشرات من شبان غزة أكواماً من اللحم، مبررين ذلك بالرد على الصواريخ التي تطلقها الفصائل الفلسطينية من القطاع باتجاه إسرائيل.
حجم المحرقة التي نفذها الطيران الإسرائيلي خلال دقائق قليلة، عكس، ضمن ما عكس، الرغبة الإسرائيلية العارمة في إيقاع أكبر عدد ممكن من الشهداء لكسر إرادة المقاومة لدى سكان القطاع. في ساعة الذروة، وفيما أطفال فلسطين في طريق العودة من المدارس، وجهت طائرات الـ أف 16 والبوارج الحربية المرابطة في بحر غزة صواريخها مباشرة باتجاه 30 مقراً للشرطة الفلسطينية، موقعة أكثر من 200 شهيداً، تناثرت جثثهم في الشوراع، بعضهم يلفظ أنفاسه الأخيرة أمام عدسات الكاميرات، في انتظار وصول سيارات الإسعاف التي أربكها حجم الضربة، فتركها تتخبط في شوارع القطاع دون أن تعرف أين تتجه..
إنها ليست سوى البداية، قال أحد قادة العدو، فالعملية سميت بالمتدحرجة، وما سرب عنها يؤكد أن القادم أسوأ بكثير.. «حذرنا السكان المدنيين في قطاع غزة بهجماتنا، وحماس التي تحتمي بين هؤلاء السكان هي وحدها مسؤولة عن الوضع»، بهذه الكلمات اختصر ناطق باسم الجيش الإسرائيلي ما جرى.. لكن ما يستدعي التساؤل لدى مشاهدة هول المجزرة، هو عدم اتخاذ حركة «حماس»، التي تعلم أكثر من غيرها صدق التهديدات الإسرائيلية بالحروب، أي ترتيبات أمنية تحول دون وقوع هذا العدد الكبير من الشهداء، رغم التجارب السابقة التي تكرر فيها مهاجمة المقار الأمنية في الضفة الغربية وقطاع غزة على حد سواء..
هل يكفي أن يخرج الناطق باسم حركة المقاومة الإسلامية ليعلن أن «حماس» بخير وكتائب القسام بخير، ويحمل المتآمرين مسؤولية العدوان الإسرائيلي على القطاع، وأن الحركة سترد على المجازر الإسرائيلية في أقرب وقت؟! تساؤل مفتوح برسم قادة الحركة خلال الأيام المقبلة.. ما جرى أمس، والمفتوح على المجهول خلال الأيام المقبلة، يستدعي وقفة سريعة للملمة ما تبقى من أشلاء البيت الداخلي الفلسطيني، لمواجهة هذه المحرقة التي لن تبقي ولن تذر..
فهدف المحرقة الإسرائيلية في نسختها الجديدة التي أطلقت أمس، ليس دحر «حماس» كما يفترض قادتها، بل كسر إرادة المقاومة لدى الفلسطينيين، كل الفلسطينيين. وما يتوجب على كافة أطياف الشعب الفلسطيني فعله هو التحرك بأقصى سرعة ممكنة لإعادة فرض الوحدة على قياداته التي ظلت حتى أمس تتبادل الاتهامات على الفضائيات ووسائل الإعلام بالمسؤولية عن الوضع في القطاع المثكول.
فحركة «حماس» ليست بخير، و«فتح» ليست بخير، وفلسطين ليست بخير.. وحتى لا تضيع دماء الشهداء الذين سقطوا بالأمس هدراً، ينبغي توحيد الصف الفلسطيني وتحصين البيت الداخلي للتصدي، ما أمكن، لهذه المحرقة الجديدة، خصوصاً وأن قادة العدو كانوا واضحين أمس بالتأكيد على أن العملية ستستغرق وقتاً، ولم يحدد لها مهلة زمنية، والأمور تجري تبعاً للتطورات على الأرض، وأن جيش الاحتلال لديه مروحة واسعة من الوسائل للجوء إليها عند الحاجة.
كتب ـ فراس كيلاني