تستطيع ان تسرق ما لدى الناس، لكنك لا تقدر على مواجهتهم أو النظر في عيونهم .. تستطيع اقتلاع الاشجار المثمرة، لكنك لاتملك القدرة على إخفاءجريمتك..تستطيع حرمان الآخرين من الحياة، لكنك لاتضمن لنفسك البقاء..تستطيع السطو على الانهار ومياهها، لكنك لاتقدرعلى منع سقوط حبات المطر.. تستطيع خلق «أرض الخوف» لكنك لا تملك القوة لجعلها قدرا محتوما، على الناس القبول به كنوع من الايمان.

جسدت ثلاثة مشاهد حدثت في العراق، خلال السنوات الخمس الاخيرة، أقوى تعبير عن بدء مسيرة التمرد، ضد ميراث «أرض الخوف» الذي أثقل كاهل الناس، واستهدفت تلك المشاهد اثنين من الزعماء كانا لهما، بصمات واضحة في جعل الخوف واقعا معاشا وقاسيا، والسيف عقابا لمن يحاول التحرر منه. المشهد الأول حدث في ابريل عام 2003،عندما أطيح بتمثال صدام حسين في ساحة الفردوس في بغداد. ورغم ما قيل عن«سينمائية» المشهد وإخراجه أميركيا على الطريقة «الهوليودية»، الا انه حمل في طياته الكثير من الرمزية، أهمها زوال عهد الخوف من رجل حكم العراق بالحديد والنار على مدى 24 عاماً.

ففي عراق صدام، كان كل شيء مقدسا سياسياً.. الرئيس مقدس، العائلة مقدسة، العشيرة مقدسة، الحزب مقدس..وحتى التمثال كان مقدساً، لذا عندما يتم تحطيمه،فان ذلك يعني ان هناك تمردا على «المقدس» الذي حاول صدام زرعه وترسيخه في العراق، من غير وجه حق.هذا الفعل يعني كذلك ، ان فصول العراق السياسية التي كانت جميعها متشابهة في عهد صدام قد انتهت، وان ايامه التي كانت جرادء بلا معنى، عنيفة بلامبرر، قاسية بلا سبب، دموية بلا نهاية قد ولت.

مشكلة«الأماكن الغاضبة»أنك لاتعرف طبيعة الرياح فيها، ولا موعد ثورة البراكين ،ولااتجاهات البشر،وهذا ما لم يفهمه الرئيس الاميركي جورج بوش ..فبغداد التي تمردت على الخوف من صدام وحطمت تمثاله- ولو بمساعدة أميركية- هى نفسها التي عادت وفي نفس المنطقة- ساحة الفردوس- وبعد خمس سنوات، وبالتحديد في نوفمبر2008، وكررت السيناريو ذاته مع بوش ،عبر احراق دمية تشبه تمثالا له،ثم لاحقته بحذاء طائر بعد ذلك بشهر في المنطقة الخضراء.

لماذا فعلت بغداد هذا مع بوش المقتنع بانه «المخلص» للعراق من حكم ديكتاتوري مستبد وقاس. بغداد لها وجهة نظر مخالفة، فهى ترى ان بوش الذي جاء الى العراق محتلا من باب التحرير،لم يختلف كثيراًعن صدام ومن سبقه،إذ ان الرئيس الأميركي«المخلص» لها من عذاباتها،حمل سيف الحجاج وارتدى عباءته ، وأضفى على مهمته نوعا من القداسة، عندما قال ان«الله كلفه بهذه المهمة»،وعبر هذا«التفويض الالهي» المزعوم،الذي اراد به اسكات صوت المعارضين والرافضين لجريمة العصر، اريقت دماء اكثر من مليون عراقي، كما ترصد احصاءات الهيئات والمنظمات الدولية.. فهل هناك من دافع أكثر من هذا لتغضب بغداد؟ وهل من دلائل أقوى من تلك المشاهد، لتعبر عن التمرد على السيف وسحق إرث التاريخ؟.

قراءة المشاهد الثلاثة السابقة عراقيا،تختلف باختلاف الموزاييك العرقي والتوجه السياسي في البلاد، لكنها تجمع على ان «أرض الخوف»بدأت تهجر حضن «الآلهة» الذين اخضعوها بالسيف والنار،ولو بنسبة 80 في المئة ، كما يقول الكاتب والاكاديمي العراقي الدكتور رسول محمد رسول.

ويتابع رسول : «بالنسبة لاسقاط تمثال صدام ، فأقول إننا اعتدنا في العراق ،عندما يسقط نظام حكم، فان النظام الجديد يحرق بيت الحاكم السابق ،أو يقتل نسائه أو يدمر اى منجز يرمز اليه، وفي حالة التمثال فانه كان من الاشياء التي ترمز الى صدام، وبالتالي تم اسقاطه، ومما لاشك فيه ان هذا العمل يحمل رمزية كبيرة، وهي ان عهد أرض الخوف التي أوجدها حكم صدام قد انتهى بنسبة 80 في المئة على الأقل،كما يشير الى بدء مشوار التحول الديمقراطي في العراق ،وهو بالمناسبة مشوار طويل للغاية».

لكن الاكاديمي العراقي الدكتور لقاء مكي، له وجهة نظرمختلفة، حيث يشير الى ان «اسقاط تمثال صدام، لم يكن اكثر من مجرد صناعة تلفزيونية اميركية، للايحاء بان عهده قد ولى». ويضيف:«رغم انني لا ادعى بان صدام كان محبوبا من جميع افراد الشعب العراقي، حاله حال اي زعيم آخرلايحظى بالقبول التام من قبل الجميع،الا ان اسقاط التمثال في الواقع لم يكن على اجندة العراقيين انفسهم بعد الاحتلال..فهم لم يصدقوا ما حدث،وكيف ان بغداد سقطت بهذه السرعة الكبيرة؟،رغم ان اماكن اخرى في العراق كانت لاتزال تحارب القوات الغازية في ذلك الوقت».

وتابع:«انه مازال امام العراق مشوار ربما يطول او يقصر،للتخلص من حالة الخوف التي أرى انها حالة طبيعية،نظرا لتركيبته المتعددة،ووقوعه أكثر من 28 مرة تحت الاحتلال ،اضافة الى تعرضه لقدرهائل من الكوارث الطبيعة في تاريخه القديم،ادت الى خلق كيان اجتماعى أجبر على ان يعيش في قلق وخوف».

وعند سؤاله عن المدة الزمنية التي يحتاجها العراقيون لمغادرة «أرض الخوف»، قال ان «هذا الأمر يتوقف على وجود زعيم وطني له شخصية كاريزمية و يتمتع بقدر عال من الشدة والحزم، من اجل ان يُمنح العراقيون الاحساس بالامان المفقود منذ سنوات طويلة، والذي جعل العراقي يخشى حتى من نفسه».

ولماذا الحاكم الشديد والحازم..ألم يكفنا - يادكتور- ما صنعه الحكام الاشداء وما تركوه لنا من ميراث الخوف الذي لانزال نعاني منه؟.يجيب د.مكي: «العراقيون لطبيعتهم الحادة بسبب إرث البداوة،لايمكن الا ان يقبلوا حاكما قويا،يستطيع السيطرة عليهم وقيادتهم نحو الامام».

الصحافي والاعلامي العراقي د.فارس خطاب له قراءة مختلفة للمشاهد الثلاثة، ويرى ان «العراقيين يصبرون كثيرا على الحاكم الوطني وان كان ظالما، لكنهم لايصبرون ابدا على الاحتلال ، وهذه حقيقة اصيلة لديهم..لذلك أرى ان من وضع سيناريو اسقاط تمثال صدام في ساحة الفردوس ،انما اراد ان يكسر هذه القاعدة».

وبنوع من العزة والفخر،ينفي خطاب عن شعبه صفة الخوف،ويقول:«الشعب العراقي لايعرف معنى الخوف،عندما يكون هناك نفس اجنبي يتحكم في مقدراته،وهذا كان واضحا، منذ السنة الاولى للاحتلال على اقل تقدير،كما ان رد فعل العراقيين وغضبهم ازداد قوة مع تزايد الفعل العسكري الاميركي ضدهم».

وتابع:«لعلى لا ابالغ اذا قلت..احذروا غضبة العراقي اذا غضب،فبعد مشهد احراق دمية بوش في نفس الساحة التي اسقط فيها تمثال صدام،هذا الزيدي جاء بفعله ليجسد حالة من التمكن على الذات من دون اي شعور بالخوف او الرهبة من وجوده امام رئيس اكبر دولة في العالم».

الكاتب الصحافي العراقي سعد الدغمان يرى ان«الفرحة التي تولدت لدى البعض لحظة سقوط تمثال صدام ،كانت ناجمة عن ان هذا الشعب عاش كثيرا من الحروب والدمار والحصار،وانه توهم- كما صورت له الدعاية الغربية- بان رحيل هذا الحاكم الظالم الديكتاتور،سوف يغير حياته وواقعه الى الافضل،لكن الشعب لم يفهم ان التغييرعندما يأتي من الخارج على يد اجنبي،فهو ليس اكثر من احتلال..الخلاص ينبغي ان يكون من الداخل،حتى ننهي ارض الخوف».

ويضيف الدغمان:«ينبغي ان ننظر الى المشهدين اللذين حدثا لبوش،على انهما فعلا مؤشرا الى انتهاء الخوف لدى العراقيين..فبوش لم يجلب للعراق سوى الخوف والدم والخراب،وبالتالي فان ما حدث له واستمرار قواته في العراق،حتى ولو باتفاق امني ،سيكون بداية الزوال الحقيقي لفكرة أرض الخوف التي سيطرت على العراقيين على مدى طويل من تاريخهم».

أما المحلل السياسي العراقي الدكتور محمد جواد على فيقول :«الخوف هو شعور طبيعي وحالة سوية يصاب بها كل كائن حي،والمشاهد الثلاثة اذا حاولنا قراءتها قراءة جادة موضوعية، فنرى انها تعبر بشكل اساسي عن ان العراقي انسان قوي،لايمكن ان يتراجع عن التعبير عن حقوقه،ولايمكن ان يستكين لحالة الخوف التي تنشرها عصا وسيف الجلادين».

وقال :«العراقيون عايشوا الخوف كثيرا قبل اسقاط تمثال صدام حسين،وذلك خلال مختلف الحروب التي خاضوها بدء من الحرب مع ايران،وما تلاها من حرب الخليج الاولى،ثم الواقع المرير الذين وقعوا فيه جراء الحصار الظالم الذي استمر 12 عاما،الى ان جاء الاحتلال الاميركي».

وفي تفسيره لردة الفعل العراقية،اثر اسقاط تمثال صدام،قال:«رغم ان الفعل ـ اسقاط التمثال ـ كان عراقيا خارجيا،وشهد بعض التصرفات غير الحضارية،مثل ضرب التمثال بالاحذية، الا ان ذلك كله،كان يؤشر الى نوع من التحرر من الخوف،بعدما سنوات طويلة من الكبت والقهر السياسي والخوف التي عاشها العراقيون مع حكم صدام حسين». ويتابع:«الحال نفسه عندما جاءت الولايات المتحدة الى العراق بغير دعوة من اهلها ،واقدام جيشها على ممارسة كافة انواع الجرائم ضد الشعب العراقي،سواء في الشوارع التي امتلاءت بالدماء البريئة الطاهرة،او في المعتقلات حيث انتهكت الكرامة وتفشى التعذيب غير الانساني ضد الاسرى.. كل هذا استتبع ردا عراقيا شديد الوضوح، فجاء اسقاط دمية بوش ، اضافة الى واقعة الحذاء، لتعبر عن الشعور الداخلي المكبوت عند العراقيين».

وفي تفسيره لفعل منتظر الزيدي، قال د.محمد جواد على:«ان ما فعله هو محاولة بسيطة لاسترداد الكرامة المفقودة، لكن يجب ادراك ان فعل شخص واحد مثل الزيدي، يمكن ان يعيد كرامة امة ويحررها من الخوف.. وكان العراق بحاجة الى مثل هذا الفعل».

وأخيرا يدق د.جواد على جرس انذار للقيادة السياسية الحالية في العراق،ويحثها على اخذ العظة والعبر من المشاهد الثلاثة، قائلا:«العراقيون الذين تحرروا من الخوف، وتمردوا على السيف الذي سلط على رقابهم لوقت طويل، لن يترددوا ابدا في الدفاع عن مصالحهم وحقوقهم، واذا حاول اى نظام من الانظمة الحالية او المستقبلية العمل ضد المصلحة الوطنية للبلاد ، وخدمة مصالح ضيقة ، لاتعبرعن الجميع، فانهم سيكونون له بالمرصاد..فالخوف زال وترك النفوس، والسيف كسر واشرأبت الاعناق وعلى الجميع فهم الرسالة»

تحقيق- خالد سيد أحمد