عرفت اسرائيل جيدا على مدى سنوات وعقود الصراع، كيفية اصطياد الظرف التاريخي الملائم، لتنفيذ مخططها الاجرامي تجاه الشعب الفسطيني. هذا الظرف يتكرر الان ،اذ ان الادارة الاميركية الحالية تستعد لمغادرة البيت الابيض وتسليم الامور لادارة جديدة، لم تشكل بعد كوابح للهمجية الاسرائيلية ضد الفلسطينيين، فيما القدرة العربية على حشد التأثير الدولي تراجعت بشكل كبير، بل ان قيادة مؤسسة القمة العربية، تعيش في خلافات كبيرة مع اطراف عربية اخرى.

اما على المستوى الفلسطيني، فحدث ولاحرج،اذ ان الانقسام والفرقة والخلاف بين حركتي «فتح» و«حماس»، جعلت الوطن مقسما ومهيأً لآلة الدمار الاسرائيلية التي تروج انها تدافع فقط عن شعبها، وتستهدف طرفا دون غيره، بينما الدم الفلسطيني بكل اطيافه يجري سيولا في الطرقات. في ظل ملامح هذا المشهد السيريالي، استيقظ سكان قطاع غزة امس،على وقع زلزال عسكري اسرائيلي عنيف،لايمكن توصيفه سوى بالمحرقة والابادة جماعية،اذ لم يشهد القطاع مثيله من قبل،حيث نفذ الاحتلال سلسلة من الغارات الجوية المتزامنة التي اسفرت عن سقوط مئات الشهداء والجرحى بينهم اطفال ونساء، قال انها البداية فقط وتوعد بالمزيد.

وقدرت مصادر صحية الضحايا الابرياء بـ «210 شهداء على الاقل بينما جرح المئات من بينهم 120 في حالة حرجة وخطيرة». ولم تكف جيش الاحتلال هذه الجريمة، بل فتح اللون الاحمر شهيته على مواصلة القتل، حيث قال إن «الضربة الجوية على قطاع غزة هي ضربة - افتتاحية وبداية لمعركة طويلة تم الإعداد لها مسبقا» ،مشيرة الى امكانية استهداف قادة حركة «حماس». اما المسؤول عن هذا الجيش وزير الدفاع ايهود باراك فكان واضحا في اهدافه، حيث قال ان العدوان «سيستمر طالما لزم الامر». واضاف: «نواجه فترة لن تكون سهلة ولا قصيرة وستتطلب تصميما ومثابرة الى أن يتحقق التغير الضروري في الوضع في الجنوب».

وكان الاحتلال بدأ«محرقته»ضد غزة بافساد حفل تخريج ضباط جدد ،عندما شن سلسلة غارات صباحية عنيفة على عشرات المواقع والمباني الأمنية والحكومية في القطاع. طائرات ال«إف 16» التي ميدانها ليس المناطق المدنية المأهولة، وما أكثرها في هذا القطاع الفقير، أطلقت عشرات الصواريخ على محيط منطقة الجوازات والعباس وسط مدينة غزة ، ومقر الأمن الوقائي في تل الهوى، ومقر المخابرات في السودانية، ومقر الإدارة المدنية شرق جباليا، وموقع الاستخبارات في جباليا، وموقع قوات الـ (17 في منطقة التوام).

لكن الرعب لم يكن فقط في الجهة الفلسطينية، لكنه انتقل الى الجهة الاسرائيلية، مع اختلاف المقدار بالطبع، اذ اعلنت اسرائيل حالة الاستنفار في النقب الغربي عقب مقتل اسرائيلي وإصابة 51 اسرائيليا بصواريخ المقاومة التي سقطت على نتيفوت. واثر اتضاح حجم المحرقة الاسرائيلية في غزة، بدأت الادانات تطفو على السطح، وكان الرئيس الفلسطيني محمود عباس «ابومازن» له السبق في هذا، حيث دان بشدة ماحدث ضد شعبه.

مؤكدا بدء حملة اتصالات عاجلة مع الدول العربية ودول العالم لوقف الهجوم الاسرائيلي، معربا عن امله في تحقيق حلم طال انتظاره، وهو ان يكون هذا العدوان مدعاة للوحدة والتلاحم. اما الحكومة الفلسطينية في رام الله برئاسة سلام فياض فأعلنت أنها في حالة اجتماع طارئ لمتابعة تطورات الأوضاع، وبموزاة ذلك، حملت حركة «حماس» حالة الصمت العربي «المخيف» مسؤولية العدوان الاسرائيلي، مطالبة الشعوب العربية بالضغط على حكوماتها.

عربيا ولكي لاتثبت نظرية الصمت المخيف التي تتبناها «حماس» قال الامين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى ان «وزراء الخارجية العرب سيعقدون اجتماعا طارئا في القاهرة اليوم الاحد لاتخاذ موقف موحد تجاه الغارات الاسرائيلية». وأوضح أن «ليبيا - الدولة العربية الوحيدة العضو في مجلس الامن - ستسعى في الوقت نفسه الى عقد اجتماع عاجل للمجلس».

الشارع هو الترمومتر الحقيقي لدرجة الحرارة الوطنية عند الشعوب، لهذا خرجت العديد من التظاهرات في العواصم العربية وعلى الأخص في كل من سوريا والأردن ولبنان ومصر منددة بالعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة. وعلى وقع هذا التحرك الجماهيري ادانت رئاسة الجمهورية في مصراعتداءات إسرائيل وحملتها «مسؤولية ما اسفرت عنه من الشهداء والمصابين»، وقررت فتح معبر رفح لاستقبال الجرحى الفلسطينيين، لكن وزير الخارجية احمد أبو الغيط اتهم «حماس» ضمنا بأنها أجهضت المساعي المصرية لوقف العدوان على غزة-هكذا دائما موقف ابو الغيط من حماس.

اللافت ان الاب الروحي المصري ل«حماس» المرشد العام للإخوان المسلمين مهدي عاكف، تكلم ووجه انتقادات حادة للموقف المصري الرسمي تجاه المحرقة الإسرائيلية في غزة معتبرا أن «مصر حليف لإسرائيل». دوليا حركت الجرائم الاسرائيلية مواقف ادانة خجولة في اميركا، حيث قال البيت الابيض ان «الهجمات الصاروخية المستمرة لحماس على اسرائيل يجب أن تتوقف حتى ينتهي العنف. يتحتم على حماس انهاء أنشطتها الارهابية اذا أرادت أن تلعب دورا في مستقبل الشعب الفلسطيني».

اما الامين العام للامم المتحدة بان كي مون فاعرب عن «بالغ قلقه ازاء اعمال العنف وحمام الدم في غزة»، داعيا الى «وقف فوري لاعمال العنف»، وفق بيان صادر عن مكتبه.

غزة ـ ماهر ابراهيم