تواصل المؤلفة في هذه الحلقة تقديم سير ومراحل تنفيذ خطط محمد علي لتحقيق طموحاته للنهوض بالدولة المصرية والأساليب التي لجأت إليها الدول الأوروبية الكبرى لمواجهة هذه الخطط وتقويضها.
وفي استعراضه ذاك تشير المؤلفة إلى جوانب تعكس قدرا من التشابه مع تجربة الرئيس العراقي السابق صدام حسين وسعي الدول الكبرى إلى مواجهة خططه الأمر الذي انتهى بحرب قضت على قوة العراق على الشاكلة ذاتها التي تم بها القضاء على قوة محمد علي وإن اختلفت أبعاد التجربتين في عدد من الجوانب. في معرض المقارنة والاستفادة من تجارب التاريخ، يذكر المؤلفة أن التقديرات الغربية تباينت بشأن تعداد قوات محمد علي عام 1840 وروحها المعنوية، مثلما تباينت هذه التقديرات عام 1990 بشأن عدد قوات صدام حسين وروحه المعنوية.
وقد انحاز الفرنسيون إلى جانب محمد علي على نحو انعكس في تأييدهم للجيش المصري آنذاك والذي تمكن بسهولة من هزيمة القوات العثمانية الحاشدة والتي تعتبر بكل المقاييس متقدمة على مستوى التسليح الحديث. وحاول الفرنسيون استغلال ذلك الوضع الذي يكشف عن تزايد قوة محمد علي العسكرية كحجة في مواجهة مساعي إزاحته عن سوريا التي حصل عليها بالغزو. في معرض المقارنة مع ما جرى في واقعنا المعاصر تشير المؤلفة إلى أنه على نحو مماثل لما جرى مع الباشا فإن أصواتا ضد الحرب في العراق في 1990 توقعت أن جيشا اكتسب خبرة من حربه الطويلة مع إيران يمكن أن يلحق خسائر كبيرة بقوات التحالف.
على الجانب الآخر فإن اللورد بالمرستون اعتقد عام 1840 أن المصريين ليست أمامهم فرصة لمواجهة الغرب كما هو الوضع في واشنطن حيث ساد الاعتقاد لدى المسؤولين الأمريكيين بأن القوات العراقية ليس أمامها سبيل لتحدي القوات الغربية، وتوقعوا أن يكون الطريق إلى غزو العراق مثل قطعة الجاتوه. وتواصل المؤلفة مسعاها لربط الماضي بالحاضر فتشير إلى أن من أوجه التشابه بين الأحداث التي جرت خلال أزمة 1839 ؟ 1841 والحقبة المعاصرة ذلك المتمثل في رفض الدول الضعيفة استخدام المعدات الحربية مرتفعة الثمن، وتذكر في معرض التأكيد على وجهة نظرها أنه بعد هزيمة البحرية العثمانية للبحرية المصرية المشهورة في معركة نفارين البحرية عام 1827 بدأ محمد علي العمل على إعداد أسطول يتسم بقدر كبير من الكفاءة والاتساع، من حيث التسليح الجيد والتكلفة ولكنه لم يقدم على إرساله للمشاركة في الحرب في أعالي البحار؟
وتتساءل المؤلفة: هل كان يجب على الباشا أن يرسله مرة ثانية لخوض قتال ضد البحرية البريطانية؟ لقد احتفظ محمد علي بأسطوله قابعا في الإسكندرية، على نحو يتشابه معه بقدر كبير السلوك الذي لجأ إليه صدام حسين أرسل طائراته المتقدمة إلى ملاذ آمن في إيران بدلا من اشتراكها في المعارك مع الولايات المتحدة خلال حرب الخليج!
وتعليقا على ذلك الموقف تقول المؤلفة أنه ربما تكون القوى الرئيسية والتي تملك الجرأة على أداء الأعمال البوليسية حول العالم هي التي تستطيع أن توفر لقادتها العسكريين الفرصة للحركة بدون وضعهم في حال خطر.
هنا تشير المؤلفة إلى مظهر يعكس القدرة التي تميز بها محمد علي رغم ما كان يمكن أن يمثله من مشكلة ويتمثل في التباين العرقي لأفراد الجيش المصري الأمر الذي يصفه باعتباره من بين الأولويات المهمة خلال القرن التاسع عشر فقد ضم فرسان غير نظاميين من الأكراد وضباط تم استقدامهم من بلدانهم كأطفال وجرى تدريبهم في ثكنات مصرية فضلا عن جنود مشاة ألبان وقد كان هؤلاء الأخيرون يعتبرون الأكثر تأثيرا وإثارة للفزع على مستوى الإمبراطورية العثمانية. فقد كانوا متخصصين على القتال الذي يدور في الجبال.
وتشير إلى مشكلة تعدد العرقيات في إطار جيش واحد لجهة تعدد اللغات وكيفية التعاطي مع الأوامر وغير ذلك. وهو الأمر نفسه الذي كان ينطبق على التحالف الذي خاض القتال في مواجهة جيش محمد علي حيث كان مكونا من وحدات إيطالية إنجليزية وتركية يتحدثون لغات مختلفة، الموقف ذاته الذي واجهته القوات التي شاركت في محاولة القضاء على قوات صدام حسين خلال حرب الخليج وكذا التحالف الذي جرى تشكيله للقضاء على أسامة بن لادن وقاعدته في أفغانستان.
وتضيف أنه بدون مقارنة الانفتاح والذكاء الخاص بمحمد علي مقارنة بعنف وعزلة صدام، فإن هذا الجانب يشير إلى ملاحظة هامة تتعلق بكيف عاملهما المنتصرون في الهزيمة؟ فعلى المدى القصير كانت بريطانيا تريد التعايش مع الباشا، وقد كان هو بعد كل ذلك، راغبا ويسعى إلى تيسير طريق مرورهم من إنجلترا إلى الهند، كما أن نمط إدارة محمد علي لعلاقاته صعب على بريطانيا هذا الهدف، في ضوء أن تحققه كان يمكن أن يشكل عداوة لفرنسا، غير أنه مع حلول 1882 بدأت بريطانيا في الشعور بأنها غير قادرة على ترك مصر بعيدة عن يدها وأطلقت مدفعيتها على الإسكندرية.
وتخلص المؤلفة من تناولها إلى التأكيد على أن الأزمة بين محمد علي والغرب والتي يتم توصيفها بأزمة 1839 ؟ 1841 أو ما يسميه البعض بالحرب المصرية العثمانية الثانية انتهت بنجاح الدول الأوروبية الكبرى ؟ باستثناء فرنسا ؟ في عام 1840 في تحجيم طموحات السياسة المصرية وتدمير حلم محمد علي في تكوين دولة كبرى قاعدتها مصر.
وتمثل الأزمة الجزء الحاسم من المسألة المصرية والتي بمقتضاها تدخلت الدول الكبري لوقف الحرب المصرية العثمانية الثانية عام 1839 لأسباب تتعلق بالتوجهات الأمنية للأطراف الأوروبية ما أسفر عن معاهدة لندن الشهيرة عام 1840 وما تبعها من إجراءات عسكرية ضد القوات المصرية في الشام.
لقد كان شبح الهزائم المتتالية للدولة العثمانية خلال الحرب المصرية العثمانية الأولى يؤرق السلطان في اسطنبول، حيث أنه على مدار قرون طويلة لم تستطع أية دولة.. كبيرة كانت أم صغيرة.. احتلال أجزاء من الأناضول وتهديد السلطنة ذاتها. ولولا تدخل الدول الأوروبية لكان مصير الدولة العثمانية محتوما على أيدي إحدى الولايات التابعة لها، الأمر الذي ترك مرارة في صدر محمود الثاني الذي أخذ يتحين أول فرصة للانقضاض على الجيش المصري واستعادة سوريا ومصر وهيبة الدولة العثمانية.
في معرض تناولها لمواقف الدول الأوروبية من الأزمة تشير المؤلفة إلى أن الخلاف حول الباشا استمر سواء في مجلس الوزراء البريطاني أو الفرنسي، وفيما كان الاتجاه في الأول هو الإجهاز على أحلام محمد علي، فقد كان في الثاني كيفية الحفاظ على ماء وجه أحد الحلفاء لفرنسا. وقد انعكس ذلك بشكل واضح في موقف بالمرستون ردا على زيارة المبعوث العثماني رشيد باشا حيث أنه فيما رفض التوقيع على اتفاقية دفاع مشترك مع الإمبراطورية العثمانية فإنه آثر إتباع موقف وسط يتمثل في الموافقة على قيام الأسطول البريطاني والعثماني بإجراء مناورات مشتركة في البحر المتوسط دون الخوض في اتفاقية دفاع مشترك في هذه الفترة.
على الجانب الآخر كان موقف فرنسا بالغ الاختلاف حيث كانت الرسالة التي تلقاها المبعوث العثماني هي دعوة السلطان إلى عدم فتح جبهة مع الوالي المصري وتفادي التوتر في المنطقة، وإن كان للمساندة البريطانية الأثر الأكبر في دفع السلطان إلى الثأر من مصر حيث ثبت يقينه من المساندة البريطانية عند اللزوم أي في حالة هزيمة قواته عسكريا.
تعرض المؤلفة في سياق استعراضها تطورات تلك الفترة إلى جانب من الخلافات التي سادت مجلس الوزراء البريطاني على خلفية التعامل مع محمد علي إلى الحد الذي دفع بالمرستون للمغامرة بمستقبله السياسي والتهديد بالاستقالة من منصبه كوزير للخارجية. لقد جاء موقف بالمرستون على خلفية معارضة مجلس الوزراء البريطاني للعمل الأوروبي المشترك والمبني في الأساس على تحالف روسي بريطاني لمواجهة مخططات وطموحات محمد علي، وهي الموافقة التي كانت لازمة لضمان التحالف الذي يسعى إلى بناءه بالاشتراك مع روسيا والنمسا وبروسيا والدولة العثمانية.
ولكن المعارضة التي واجهها كانت شديدة ومع اقتراب المرحلة النهائية لإعلان هذا التحالف كان عليه أن يسعى لدى رئيس الوزراء البريطاني لضمان موافقته على الصيغة النهائية لمعاهدة لندن التي تمت صياغتها. وفي تبرير تلك الاستقالة وفي محاولة للضغط على المجلس كتب بالمرستون إلى رئيس الوزراء في 5 يوليو 1840 مؤكدا أن الخلافات مع أعضاء مجلس الوزراء لا سبيل إلى إنهائها وبالتالي فإنه يعفيهم بتقديم استقالته من منصبه.
كما راح في الخطاب يدافع عن سلامة سياسته بقوله أن النتيجة الحتمية والفورية لعدم المضي قدما مع القوى الأوروبية الأخرى رفض فرنسا الانضمام إلينا ستكون قيام روسيا بسحب عرضها للانضمام مع الدول الأخرى لتسوية الأوضاع التركية، وستقوم بلعب دورها المنفرد، وهو ما اضطر مجلس الوزراء البريطاني معه في نهاية الأمر إلى إقرار العمل الأوروبي المشترك والمضي قدما في التحالف المقترح وتجديد الثقة في بالمرستون كوزير للخارجية ومنحه جميع الصلاحيات لإنهاء الأزمة بين السلطان وبين محمد علي.
ويتمثل خطأ محمد علي في الاستجابة لاستفزازات السلطان العثماني في حقيقة أن الدول الأوروبية لم تكن على استعداد لإعادة مأساة 1833 والتي توجها صلح كوتاهية والتي أقرت انتصارات محمد علي وتوسيع نطاق سيطرته خارج مصر، وبينما كانت بريطانيا تساند السلطان معنويا وروسيا تسانده عسكريا والنمسا تتعاطف معه، فإن محمد علي لم يأخذ هذا في الاعتبار فاعتمد على التجربة السابقة وقرر بدء الحرب وعندما قبل الوساطة الفرنسية كان الوقت قد فات.
وكان من بين الدوافع التي عززت ذلك، الحالة التي وصلت إليها السلطنة وتتمثل في فقدانها خلال ثلاثة أسابيع سلطانها وجيشها وأسطولها الذي استسلم لمحمد علي في الإسكندرية، وهو ما بات موضع شفقة من الدول الأوروبية الأمر الذي كان بداية للتحرك الأوروبي لدعم الدولة العثمانية.
في مجال استعراض تفاصيل هذا التدخل نشير إلى تدخل الدول الأوروبية لمساندة الدولة العثمانية في مفاوضاتها مع محمد علي، وهو التدخل الذي جاء في إطار ما عرف باسم مذكرة 27 يوليو 1839 التي طالب بمقتضاها سفراء الدول الأوروبية الكبرى في الدولة العثمانية خسرو باشا الوصي على العرش العثماني بعدم التوصل إلى اتفاق مع محمد علي إلا بعد الرجوع إلى الدول الأوروبية الكبرى.
لقد جاء التدخل الأوروبي على عدة خلفيات وأسباب يأتي على رأسها أن طموح محمد علي يهدد كيان الدولة العثمانية بما يعنيه ذلك من تأثير بالغ على الأمن الأوروبي في ضوء الأهمية التي كانت توليها هذه الدول للدولة العثمانية في التوازن الأمني الأوروبي شرقي النظام، وهو ما جعلها تعتبر هذا الكيان بؤرة ارتكاز أساسية لهذا التوازن.
إضاءة
في معرض تناولها لمواقف الدول الأوروبية من الأزمة تشير المؤلفة إلى أن الخلاف حول الباشا استمر سواء في مجلس الوزراء البريطاني أو الفرنسي، وفيما كان الاتجاه في الأول هو الإجهاز على أحلام محمد علي، فقد كان في الثاني كيفية الحفاظ على ماء وجه أحد الحلفاء لفرنسا.
وقد انعكس ذلك بشكل واضح في موقف بالمرستون ردا على زيارة المبعوث العثماني رشيد باشا حيث أنه فيما رفض التوقيع على اتفاقية دفاع مشترك مع الإمبراطورية العثمانية فإنه آثر إتباع موقف وسط يتمثل في الموافقة على قيام الأسطول البريطاني والعثماني بإجراء مناورات مشتركة في البحر المتوسط دون الخوض في اتفاقية دفاع مشترك في هذه الفترة.
على الجانب الآخر كان موقف فرنسا بالغ الاختلاف حيث كانت الرسالة التي تلقاها المبعوث العثماني هي دعوة السلطان إلى عدم فتح جبهة مع الوالي المصري وتفادي التوتر في المنطقة، وإن كان للمساندة البريطانية الأثر الأكبر في دفع السلطان إلى الثأر من مصر حيث ثبت يقينه من المساندة البريطانية عند اللزوم أي في حالة هزيمة قواته عسكريا.
الصفحات: 261
الكتاب: محمد علي وتحدي الغرب
عرض ومناقشة: مصطفى عبدالرازق
الناشر: ماكفرلاند - نيويورك - 2008



