تحمل الصورة التي رسمتها المؤلفة قدرا من المبالغة بشأن ما وصل إليه حال الجيش المصري الذي تم بناؤه بشكل جيد بفعل رؤية سليمان باشا في ذلك الوقت، على الأقل في بداية العمليات الحربية في ضوء الحقائق التي تشير إلى تحقيق الجيش المصري إنجازات رائعة في مواجهة الجيش العثماني وأن إبراهيم باشا كان متشوقا للقتال إلى الحد الذي انهارت معه الجبهة العثمانية تماما في أعقاب معركة نصيبين في 24 يونيو 1839 والتي قدرت خسائر الجيش العثماني بعدها بقرابة خمسة الاف ما بين قتيل وجريح وخمسة عشر ألف أسير، وتشتت فلول الجيش العثماني على النحو الذي بات واضحا معه أن أحداث 1833 ستتكرر وأن التاريخ قد يعيد نفسه.
غير أن التدخل الأوروبي قلب الحقائق على الأرض فيما يشير إلى المأزق الذي وجد محمد علي نفسه فيه خلال تطورات الأزمة وأخفق في التعامل معه على النحو الصحيح رغم حنكته السياسية. وتشير المتابعة الدقيقة لتطورات تلك القضية إلى أن الباشا اعتقد بقدرته على كسر التحالف بالاعتماد على فرنسا وتكرار ما حدث عام 1833 غير أن الظروف كانت قد تغيرت وتغيرت معها المواقف الأوروبية فكان موقف محمد علي الرافض للاتفاقية في البداية إيذانا ببدء العمليات العسكرية ضد مصر، فكانت مبادرة بالمرستون بإرسال تعليماته إلى الأميرال ستوبفورد لبدء العمليات العسكرية ضد مصر ومحاصرة الشواطئ المصرية وفرض الحظر عليها.
كانت هذه هي الخطوة التي يخشاها إبراهيم باشا والتي بمقتضاها بدأت تؤثر على خطوط إمدادات الجيش المصري في سوريا وقد أعقب هذه الخطوة إنزال القوات العثمانية والبريطانية في سوريا ونشوب الحرب بين التحالف الأوروبي ومصر. وقد أسفر التدخل الأوروبي عن سلسلة من الهزائم للجيش المصري في سوريا إذ سقطت بيروت وتبعتها المدن السورية الواحدة تلو الأخرى. ومما عجل من هزيمة الجيش المصري أنه كان يواجه تحالفا أوروبيا كاملا ولم يكن بمقدوره الصمود وباتت الهزيمة مسألة وقت لا غير. تنقلنا المؤلفة لنتابع بعد ذلك الموقف في الإسكندرية والتي كانت أجواؤها حسبه تشير إلى أن الأزمة قد انتهت. كان من بين المؤشرات على ذلك هدير مدفعية الأسطول المصري على الحصون حول ميناء الإسكندرية تحية لمبعوث عثماني كبير، كما أنه بعد أن كانت القنصليات الأجنبية قد أغلقت أبوابها راحت تستأنف نشاطها وترقع إعلامها.
فيما يشير إلى التحول في المدينة من أجواء الحرب إلى أجواء السلام. كان ذلك بمناسبة قدوم سعيد مهيب أفندي المبعوث الخاص للحكومة العثمانية وزير العدل والذي كان يحمل معه فرمانا سلطانيا خاصا بتنفيذ بنود معاهدة 1840 إثر قبول محمد علي ببنودها بعد ممانعة. ورغم ذلك يذكر المؤلف أن أجواء من عدم الثقة كانت تسم العلاقة بين الباشا والحكومة العثمانية وعلى ذلك فقد أرسل أحد ممثليه الرسميين مبكرا إلى الباخرة العثمانية التي تحمل الضيف لكي يسأل عن إجراءات إعلان الفرمان السلطاني الخاص بترتيبات ما بعد معاهدة لندن، مع تحذيره في الوقت ذاته من أن الباشا يطلب معرفة محتويات الفرمان قبل قراءته على الملأ.
وفي موقف كان له دلالته، حسبما يشير الكتاب، فإنه رغم ما بدا من ترحيب بالضيف العثماني من قبل حاشية محمد علي لدى وصوله رأس التين والحفاوة التي تم استقباله بها، إلا أن محمد علي حرص على ألا يذهب للضيف للقائه. ولم يكد مهيب أفندي يلتقط أنفاسه حتى طلب منه قراءة الخطاب الموجه من السلطان قبل قراءة الفرمان الذي يمنح محمد علي الحق في حكم مصر مدى الحياة وتوريث الحكم لأبنائه من بعده.
وفيما كان الباشا يستمع بعناية لدى إلقاء الضيف خطابه فقد كان يركز على محاولة استخلاص ما يراه «فخاخا» أو جوانب تعكس حقيقة موقف الدولة العثمانية. وفي ذلك كان تقديره أن موقف السلطان العثماني بمنحه حكم مصر له ولأولاده من بعده لا يعكس إسرافا في الصداقة من قبل السلطان، ولكن من أجل تخفيف الضغط الذي مثله هو بسياساته على الدولة العثمانية. وقد أبدى محمد علي تحفظه على الشروط التي تضمنها الفرمان واعتبر أنها يمكن أن تتسبب في حالة فوضى في مصر، فيما راح مهيب أفندي يشير إلى أنه على العكس فإن الفرمان يعد وثيقة يمكن للشعب المصري بأكمله أن يشعر بالفخر بها.
تسرد لنا المؤلفة هنا تفاصيل صراع الإرادات بين ممثل السلطان ومحمد علي بشأن محتويات الفرمان، حيث حاول محمد علي عرقلة قراءة المبعوث للفرمان، فيما حاول هذا الأخير استخدام أسلوب التهديد والإقناع في الوقت ذاته، فكان موقف الباشا أنه مع كل الاحترام للسلطان فإنه يجد الوقت غير مناسب لمثل ذلك الأمر.
هنا تذكر لنا المؤلفة سلوك الباشا الذي يعكس القدرة على المراوغة في التفاوض مع الخصم، حيث انه وإزاء تحول النقاش مع المبعوث العثماني إلى مستوى الحديث الثنائي وسط رفضه لمضمونه، فقد أصطحب المبعوث إلى بهو خارجي حيث يوجد عدد من كبار الحضور مفتعلا حالة اختفى على إثرها وسط انتظار الجميع عودته، دون جدوى إلى أن كان نجاحه في الضغط على التحالف فيما بعد من أجل التوصل إلى صيغة للفرمان تكون أكثر مقبولية من جانبه.
هنا فإن الوقائع تشير إلى أن محمد علي استطاع تجاوز الخطأ الذي وقع فيه بتحديه للدول الأوروبية الكبرى ونجح في الوقت ذاته في استغلال ما لديه من أوراق ومزايا لتعزيز وضعه والحد من خسائره. فلقد كان مستقبل وضع محمد علي مصدر الخلاف مع السلطان الذي يبدو أن النجاح الذي حققه بفضل دور القوى الأوروبية أغراه بإمكانية إقصاء الباشا.
وفي ذلك الصدد كان محمد علي يسعى إلى مراجعة الشروط الخاصة ببقاء سوريا في يده بعد أن ضمن شرط الحكم الوراثي في مصر، وقد رفض الباشا على هذا الصعيد مطلب القناصل الأوروبيين الأعضاء في التحالف من خلال مذكرة تقدموا بها يحثونه فيها على قبول شروط المعاهدة كما هي، غير أنه ظل ثابتا على موقفه رافضا التنازل عن سوريا ما دفع السلطان إلى عزل محمد علي عن حكم مصر وعززته القوى الأوروبية بسحب قناصلها بحجة أن الوالي محمد علي لم يعد الوالي الشرعي للبلاد.
إزاء ذلك أدرك محمد علي أنه لا بد من الإذعان لمطالب التحالف الأوروبي وعمل على الخروج من هذا المأزق واستعادة ولاية مصر. وقامت حساباته تلك على أساس صعوبة قيام التحالف بالعمل ضد الشواطئ المصرية في ضوء أن ذلك قد يكون مكلفا للقوات الأوروبية على عكس الوضع في سوريا، الأمر الذي انتهى بالدول الأوروبية إلى الضغط على السلطان لإعادة محمد علي.
وقد لعبت فرنسا دورا كبيرا في هذا الصدد حيث رفضت تخفيض حالة الاستعداد على جبهتها مع بروسيا والنمسا طالما استمرت الأزمة مع مصر. فكان قرار السلطان الإذعان لمطالب الدول الكبرى فصدر فرمان 13 فبراير 1841 الذي حمله المبعوث مهيب أفندي. لقد أبدى الباشا تحفظه على بعض مواد الفرمان رغم تضمنه الموافقة على تعيينه واليا على مصر وأن يكون حكم البلاد وراثيا لأسرته من بعده، حيث تضمن الفرمان عددا من المواد التي رفض الباشا قبولها وكان على رأسها قيام السلطان باختيار ولي العهد في مصر من أسرة محمد علي فضلا عن قيام مصر بتقديم خراج للسلطان يبلغ 25% من إجمالي الدخل القومي المصري غير أن محمد علي رفض هذين المطلبين وتشبث بموقفه مؤكدا أن هذا سيؤدي إلى اضطراب البلاد.
وفي محاولة لطي صفحة هذا الملف اضطرت الدول الأوروبية إلى التدخل ثانية بمذكرة ساندت فيها مطالب محمد علي فأذعن السلطان مرة أخرى وتقرر أن يكون أكبر أبناء الوالي هم ولاة العهد على أن تقدم مصر ثمانين ألف «كيس» سنويا كخراج للأستانة وعقب قبول محمد علي لهذه الشروط صدر فرمان جديد يتضمن ما تم الاتفاق عليه.
في تفصيل يعكس حنكة الباشا تذكر المؤلفة أنه من أجل تحقيق مطلبه ذاك راح يستميل الضابط البريطاني الكومودور ـ العميد البحري ـ نابيير الذي أرسله القائد البريطاني ستوبفورد بناء على توجيه بالمرستون، وذلك رغم حقيقة أن نابيير ذاك لعب دورا بالغ السوء على صعيد ما أنتجته جهوده من نجاح في تدهور موقف الجيش المصري في سوريا، وإن كان على الجانب الآخر نجح في إنقاذ الجيش من التدمير الكامل. لقد اتخذ الباشا من نابيير موضعا للثقة وراح يعتقد أنه يمكن له أن يقنع القوى الحاكمة في لندن بأن مطالب السلطان تفتقد للعدالة.
كان الفرمان يتضمن سبعة شروط يطالب السلطان بقبولها من أجل السماح لمحمد علي بتوريث حكمه لأولاده من بعده، وقد قبل الباشا أغلبها حسبما أشرنا ومنها ذلك الخاص بصك العملة وصورة السلطان عليها والتوقف عن بناء سفن جديدة للأسطول المصري والتزام محمد علي بكل الاتفاقيات التي توقعها الإمبراطورية العثمانية.
كما بدا أنه يقبل الشرط الرابع المتعلق بألا يتجاوز عدد الجيش المصري عن 18 ألف جندي، غير أن الباشا عارض بقوة المطلب الخاص بأن يكون للسلطان رأيه فيمن يخلف محمد علي كوال باعتبار أن ذلك المطلب يمكن أن يكون له تأثير سلبي ويكون سببا رئيسيا للنزاع بين أبنائه كما أبدى محمد علي تحفظه على أن يكون للإمبراطورية التحكم في أغلب التعيينات في الجيش المصري.
وبالفعل قام نابيير بعرض تحفظات محمد علي بخصوص الفرمان ورفضه بعض مواده وتحفظه على البعض الآخر. يذكر المؤلف في هذا الصدد أن نابيير وصل في تبنيه لموقف الباشا إلى حد التأكيد على أن الأسباب التي قدمها في معرض الاحتجاج على الفرمان تعد عادلة وتتسم بالمنطق.
نتابع في هذه الحلقة جوانب من السياسات التي نجحت من خلالها الدول الأوروبية في القضاء على قوة محمد علي على النحو الذي تم تتويجه في اتفاقية لندن 1840 ومن خلال استخدام الأداة العسكرية الأمر الذي تمثل في إرسال القوات الأوروبية إلى سوريا لحمل الباشا على الانسحاب من هناك. وإزاء هذا الواقع الذي يكشف عن حقيقة الشراكة بين الدولة العثمانية والدول الأوروبية التي كانت تأتي حرصا على عدم سقوط الأولى في يد أية قوة منفردة ما قد يخل بتوازن القوى الدولي، تيقن الباشا أنه لا بد من الانحناء أمام العاصفة على نحو يكشف عن ذلك الذكاء الفطري الذي مكن حاكم مصر آنذاك من تحقيق قدر لا بأس به من طموحاته إن لم تكن كلها.
ترسم المؤلفة صورة بالغة الكآبة بشأن الموقف الذي واجه الجيش المصري في سوريا على النحو الذي انعكس في المشاكل العديدة التي واجهته في عملية الانسحاب، حيث أنهك الجيش بفعل الثورات السورية المتكررة والتي تمت بمساندة السلطان العثماني وبريطانيا وامتدت إلى مناطق مثل الحجاز مما بدأ يؤثر على الروح المعنوية للقوات المصرية ويدعم من موقف الدولة العثمانية.
الصفحات: 261
الكتاب: محمد علي وتحدي الغرب
عرض ومناقشة: دمصطفى عبدالرازق
الناشر: ماكفرلاند - نيويورك - 2008


