اصطفاف غالبية السود عرقياً وعلانية خلف المرشح الديمقراطي الأسود باراك أوباما في الانتخابات الأميركية الأخيرة، كان له صداه في القارة الافريقية التي علقت أمالاً كبيرة على هذا التحول الكبير على الأقل من منظورهم، وبأن رئيس الدولة الأقوى في العالم لا بد الآن، أن يلتفت إلى أرض أجداده.
إلا أن الأمل بالاستقرار والرخاء والتنمية الاقتصادية لا يجد من منظور الواقعيين أي مكان له في جعبة أوباما وهو المقيد بسلاسل ادارة المحافظين الجدد المنصرفة التي خلفت له اقتصاداً منهاراً وديناً يزيد على الـ 15 ترليون دولار، وجيشين عالقين في افغانستان والعراق، واستراتيجية «أفريكوم» لابتلاع ما تبقى من افريقيا. فكما اضطر أوباما للتراجع عن خططه بشأن العراق والالتزام ببنود الاتفاقية الامنية طويلة الامد بين بلاده والعراق والتي استعجل الرئيس جورج بوش توقيعها قبل رحيله، فإن المراقبين يرون ان أوباما كذلك سيضطر للتعامل مع بنود الخطط الاستراتيجية الاميركية بشأن افريقيا، والتي أفضت بعد مؤتمر ديربان عام 2001 والذي طالب أميركا الغائبة عنه بالتعويض عن سنوات العبودية للأفارقة، إلى تحول واشنطن باتجاه السيطرة عسكرياً على القارة المتخمة بالموارد الاقتصادية، من دون إغفال برامج فلكلورية دعائية من هنا وهناك كالتي يقوم بها الرئيس الاسبق بيل كلينتون لمحاربة الايدز في القارة السوداء.
الأمن أولا: وتعد «قيادة إفريقيا» التابعة لوزاة الدفاع الأميركية «البنتاغون» والتي تعرف اختصاراً بـ «أفريكوم» بقيادة الجنرال وليام ووارد والتي من المرجح أن تتخذ من المغرب مقراً لها، بمثابة «تاريخ جديد للهيمة» وخطوة متقدمة على مكتب شؤون أفريقيا الذي أنشئ قبل 50 عاماً في ذروة الصراع مع الاتحاد السوفييتي المنهار إبان فترة الحرب الباردة وبداية أفول السيطرة الاستعمارية الأوروبية على القارة السوداء، كما أنها تعد امتداداً لاستراتيجية الدفاع الاستباقية و«محاربة الارهاب» والتي تمادت ادارة بوش المنصرفة في تطبيقها مدفوعة بعقدة هجمات 11 سبتمبر 2001 على نيويورك وواشنطن.
ولم يكن هذا التوصيف بعيداً عما أفضت به دوائر اتخاذ القرار في واشنطن، والتي لم تجد غضاضة في تعريف «أفريكوم» على أساس أنها مظلة جديدة تعيد صياغة العلاقات الأميركية الأفريقية على أساس الأمن أولا، ثم التنمية السياسية والاقتصاد، وذلك ما أقرته مديرة مكتب الدبلوماسية العامة والشؤون العامة لإفريقيا في وزارة الخارجية الأميركية كلوديا أنياسو في أبريل الماضي بتأكيدها على أن (قيادة إفريقيا العسكرية) ليست سوى «نهج جديد» سيحكم السياسة الاميركية حيال افريقيا في القرن الـ 21، مضيفة في مؤتمر للجمعيات النسائية في واشنطن انه «بعد 50 عاما بدأت وزارة الدفاع بالتسليم بالأهمية الاستراتيجية لإفريقيا من خلال إنشاء قيادة عسكرية مكرّسة خصيصاً لاحتياجات افريقيا الأمنية.
ولن يكون لزاما عليها ان نتعامل مع افريقيا من خلال ثلاث قيادات عسكرية أخرى هي القيادة الأوروبية (شتوتغارت) والقيادة المركزية (سينتكوم) وقيادة المحيط الهادئ». إلا أن السيطرة على افريقيا في النهج السياسي الاميركي لم تكن ناشئة فقط على معطيات دولية جديدة ظهرت بعد هجمات سبتمبر 2001، بحيث يُرجع السياسيون بدايات التفكير الأميركي في الهيمنة على افريقيا إلى الرئيس الاميركي الراحل ديويت أيزنهاور، والذي أوعز في العام 1958 بإنشاء مكتب شؤون افريقيا.
أربعة مبادئ
وتبلورت هذه النظرة الأميركية على أساس أربعة مبادئ، الأول أن اقليم شمال القارة العربي يحظى باهمية جيواستراتيجية حساسة كونه مشاطئا للضفة الجنوبية من البحر المتوسط حيث يقع في الجهة الأخرى القارة الأوروبية قلب الصراع مع الاتحاد السوفييتي، والثاني دعم ديكتاتوريات ما بعد الاستقلال تحسباً لمنع فشل آخر في المواجهة مع الشيوعيين كما حدث لاحقاً في أنغولا، والثالت أن منطقة القرن الافريقي تحظى بأهمية استراتيجية كونها تشرف على باب المندب البوابة الجنوبية لمعبر قناة السويس وفناء خلفياً للتعامل مع إيران ومنطقة جنوب آسيا، ورابعاً أن افريقيا تحت الصحراء مخزن للموارد الاستراتيجية من نفط ومعادن يمكن استغلالها مستقبلاً.
حلبة للتنافس
وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي في العام 1991 وبروز عامل التنافس الاقتصادي الصيني على موارد إفريقيا والذي توج بعقد اتفاقات تجارية مع (41) بلداً أفريقياً، كما بلغت استثمارات بكين 7,11 مليار دولار في (49) بلداً إفريقيا عام 2006. هذا فضلاً عن المواجهة التي بدت علنية أحيانا بين الولايات المتحدة وفرنسا على منطقة غرب افريقيا والجزائر، ودخول روسيا إلى حلبة التنافس لاحقاً من بوابة ليبيا ثم السودان، ازدادت حمى الرغبة الاميركية في السيطرة على القارة من بوابة الأمن وبالالتفاف على منظمة الاتحاد الافريقي وتهميشها بادعاء أنها لا تملك القوة لفرض الاستقرار داخل بلدان القارة المضطربة، وغير قادرة على التعامل مع ظاهرة الارهاب.
وفي نفس المسعى الاميركي اعتمدت دوائر اتخاذ القرار في واشنطن طيلة ال15 سنة الماضية أربع وسائل لإغراق القارة الافريقية في الحروب خاصة بعد خروجها المهين من الصومال العام 1994 بعد سحل جنودها في حملة «اعادة الأمل»، والوسيلة الاولى، التقسيم أو اضعاف الحكومة المركزية كما في السودان وأثيوبيا ونيجيريا والكونغو الديمقراطي، والثانية العقوبات في الحالة الليبية ومع زيمبابوي،
والثالثة الاحتواء كما فعلت مع جنوب افريقيا الخارجة من اقصى نظام عنصري عرفه التاريخ وصاحبة مبدأ افريقيا للافريقيين، والرابعة «الفراغ» بمعنى تقييد جميع الاطراف الدولية المنافسة ما يسهل بروز دور للمتزقة الغربيين أو البيض في جنوب افريقيا والعسكر المدعومين من الشركات المتعددة الجنسية القيام بانقلابات عسكرية كما في جزر القمر ورواندا وبوروندي وسيراليون وغينيا، وهذا يفسر أن تشهد القارة خلال ال15 سنة الماضية 17 انقلاباً، دون الحديث عن المحاولات الانقلابية الفاشلة.
الحرب على الإرهاب
ورسخت واشنطن علاقاتها الأمنية في افريقيا خلال عهد بوش ابتداء من العام 2003 باعلان مبادرة أميركية قيمتها 100 مليون دولار لزيادة قدرة دول شرق إفريقيا على محاربة الإرهاب. وفي عام 2004 التقى رؤساء أركان تشاد ومالي وموريتانيا والمغرب والنيجر والسنغال وتونس في اجتماع معلن بمقر قيادة الجيش الأميركي بأوروبا في شتوتغارت للتعاون العسكري في الحرب علي الإرهاب مع التركيز على الساحل الإفريقي وخلق منطقة عازلة بين دول المغرب وإفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، أي بين حقول نفط شمال إفريقيا وحقول نفط خليج غينيا.
في المقابل، لم تتلق افريقيا على سبيل المثال من إدارة الرئيس الاميركي جوج بوش طيلة السنوات الثماني الماضية سوى وعد بتقديم 674 مليون دولار كمساعدات تبدأ من العام 2006 وحتى 2011 ولا يعرف مصيرها حالياً بسبب الازمة الاقتصادية العالمية، كما أن هذا الدعم يعد الأقل من الذي تقدمه الدول الغربية، فضلا على ان بوش اشترط تقديم المعونات الخاصة لمحاربة الفقر في القارة إلى الدول التي تقوم باصلاحات وفق قرار صوت عليه الكونغرس في العام 2005.
وتوضح أن تلك الاصلاحات تعني لاحقاً على سبيل المثال محاربة افريقيا لرئيس زيمبابوي روبرت موغابي الذي كسب شرعيةً لطرده السكان البيض من الاراضي التاريخية للقبائل الافريقية الرعوية، وإلا كان الثمن تشويه سمعة رئيس جنوب افريقيا السابق ثابو مبيكي لأنه رفض سياسة واشنطن ولندن ضد حاكم هراري «المستبد».
وفي مقاربة للتركة التي خلفتها ادارات واشنطن لأوباما في افريقيا، نجد أن في الجولة التاريخية لإفريقيا العام 1998 والتي قام بها الرئيس الأميركي الاسبق بيل كلينتون، والذي سيعاون أقطاب ادارته بمن فيهم زوجته هيلاري ادارة أوباما المقبلة، توضح بجلاء أن ثمة توجهاً جديداً للولايات المتحدة قد حسم أمره عندما قال كلينتون أثناء زيارته لغانا «لقد آن الأوان لأن يضع الأميركيون إفريقيا الجديدة على قائمة خريطتهم».
رحلة سفاري نفطية
كما أنه في جولة بوش الافريقية العام 2003 والتى زار خلالها السنغال وجنوب افريقيا وبوتسوانا واوغندا ونيجيريا لم يتلق الافارقة سوى رقصات ومطالب بتعاون تام في جهود مكافحة الإرهاب رغم أن هذه الدول الست تحديدا ليست طرفاً في أي حال من الاحوال في المواجهة بين أميركا وتنظيم «القاعدة».
كما شهدت جولة بوش لوما وتقريعا شديدين ضد حكومة جنوب افريقيا لموقفها من غزو العراق، وبدلا من تقديم المعونات لأفقر قارة في العالم تحولت جولة بوش إلى «رحلة سفاري نفطية»، حيث ان 17 في المئة من واردات البترول الاميركية تأتي من افريقيا جنوب الصحراء، ومن المتوقع ان تزيد النسبة إلى 25 فى المئة خلال السنوات العشر المقبلة، باعتبار أن خطة أوباما للتخلص من الادمان على الوقود الاحفوري بحاجة إلى سنوات طويلة.
العجز سيد الموقف
وفي محصلة نوايا «افريكوم» والامل الافريقي على أوباما، فإن واقع الحال في القارة وعلى ضوء تجربة الاتحاد الافريقي لايزال العجز سيد الموقف، إذ وضعت محاولات هذا الاتحاد خلال العام الجاري فقط على المحك في الوقت الذي اندلعت فيه صراعات جديدة.
ففي الوقت الذي يقترب فيه العام من نهايته، ستغادر فرقة قوامها ثلاثة آلاف من قوات حفظ السلام التابعة للاتحاد الافريقي من اوغندا وبوروندي الصومال حيث لم تحقق نجاحا ، كما أن اثيوبيا قررت سحب قواتها بعد محاولة يائسة طوال عامين لفرض الاستقرار هناك. وفي اقليم دارفور السوداني، يتعرض 11415 من العسكرين الذين يخدمون في «قوة هجين» من الامم المتحدة والاتحاد الافريقي (اليوناميد) للهجمات من دون التوصل إلى أمل بزيادة القوات أو حدوث أي انفراجة دولية مع الخرطوم بشأن سلام الاقليم بعد توجيه اتهامات من مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية للرئيس عمر البشير بارتكاب جرائم.
وبينما شارك الاتحاد الافريقي في وضع نهاية لاعمال العنف التى اندلعت في فترة ما بعد الانتخابات في كينيا في فبراير إلا أن ذلك لم يتم لولا تدخل الأمين العام السابق للامم المتحدة كوفي عنان لفرض اتفاق انهى القتال وبدعم من الغرب. ولم يكن الاتحاد الافريقي أيضاً عاملاً فاعلاً بشكل كبير في جمهورية الكونغو الديمقراطية حيث فرّ 250 الف مدني من القتال بين شهري أغسطس ونوفمبر الماضيين.
نهب
إفريقيا مخزن للثروة
بعد 400 عام من النهب الأوروبي ومن ثم الاميركي، لا تزال إفريقيا مخزناً للثروات العالمية في المستقبل، ففي الكونغو الديمقراطي وحدها تقدر قيمة مخزون هذا البلد من الماس والذهب اليورانيوم الطبيعي بأكثر من 580 مليار دولارا، أما في السودان حيث قامت أطول حرب أهلية في التاريخ الحديث فيقدر احتياطي النفط بها نحو مليار و200 مليون برميل موزعة على 99 حقلاً.
وفي تشاد التي يقل متوسط أعمار ابنائها عن الأربعين يبلغ احتياطيها النفطي مليار برميل، أما كينيا التي تصنف على أنها ثالث دولة افريقية من حيث الموارد المائية والغذائية فتهدد المجاعة 15 مليون من أبنائها، وفي الصومال فقد هاجر نصف سكانها خلال الـ 18 سنة الماضية رغم أنها كانت تصنف من بين الدول العشرين الأولى عالمياً من حيث الثروات الحيوانية.


