واحدة من أكثر صور صدام الحضارات دموية في تاريخ عصر الاستكشاف و«التنوير الظلامي» الأوروبية، تلك الهدية التي منحها زعماء القبائل الوثنية في نيجيريا للبعثة البريطانية الثانية، مئات الرؤوس المقطعة لقساوسة وجغرافيين ورحالة انجليز معلقة على أسنة الرماح، لم ينتظر التاج البريطاني سوى أسابيع قليلة بعدها ليميط اللثام عن وجهه الحقيقي ويهدي افريقيا البارود والمدافع والاقتلاع والعبودية.

ففي عرف انسانية السود، لا مكان للمدنية الزائفة ولا الحدود «البلقانية»، وفي عرف الانسان الأبيض لا تجد هناك إلا ملامحاً غائرة في هوية المكان، أخاديد من الكوليرا وعيون مصفرة، على ضفتي نهر الكونغو أو في قلب البحيرات العظمى أو على شواطئ الكيب تاون، النهب الإمبريالي على أشده، ومسيرة لأكبر عملية بيع رقيق في التاريخ عبر بوابة قلعة غورييه إلى العالم الجديد، حيث مزارع القطن وقصب السكر، وأكثر من 50 مليون إفريقي قضوا قرابين لمجد أوروبا.

وبعيداً عن القارة الأم، حيث الأكواخ العارية والحظائر المعتمة في فرجينيا ونورث كارولاينا، لم تحفظ ذاكرة الأميركيين إبان الاستقلال للقوة الزراعية السوداء، سوى أنهم عرق أسمى من الهنود الحمر (السكان الأصليين)، وكانت وحدها هذه الكلمات القليلة التي اختطها توماس جيفرسون، الرئيس الاميركي الثالث للولايات المتحدة، إبان كتابته للدستور الاميركي، والتي منح بها درجة ارتقاء للسود.

وما دون هذه الكلمات في تصنيف تراتبية القوميات المشكلة للأمة الاميركية الجديدة، لم يعش السود في الولايات المتحدة طيلة المئتي عام الماضية سوى الاهمال والتمييز العنصري، وخاضوا خلالها صراعاً مريراً مع الأميركيين البيض حتى تجسد حلم قائدهم التاريخي مارتن لوثر كنغ أخيراً، بأكثر مما كان المتفائلون يتوقعون بأن يصبح رئيس الولايات المتحدة الـ 44 من أصل نصف افريقي وهو الرئيس الديمقراطي باراك حسين أوباما.

وفي حين بدت عمليات حفظ السلام الافريقية داخل القارة تواجه الانهيار لنقص الدعم والقوة اللازمين لفرض الاستقرار في الصومال واقليم دارفور السوداني وزيمبابوي ونيجيريا وغينيا وأوغندا فإن أمل الشعوب الافريقية لا يزال معقوداً على أوباما الاسود ذي الأصل الكيني لدعم مسيرة الاتحاد الافريقي التنموية والتخلي عن سياسة سلفه التي لا تنظر إلى افريقيا إلا من منظار «افريكوم» حيث الأمن أولاً ونهب ثروات القارة تالياً.

sla.rami@gmail.com

رامي سلامة