ينتظر أن يقدم الرئيس الصومالي عبد الله يوسف إستقالته وذلك قبل ثمانية أشهر من إنتهاء ولايته دستوريا تأسيسا على مؤتمر نيروبي للسلام الذي انتخبه في أكتوبر عام 2004. وتأتي هذه الاستقالة في أعقاب أزمات حكومة متتالية بلغت ذروتها بإستقالة رئيس الوزراء المعين بعد استقالة سبعة عشر وزيرا دفعة واحدة احتجاجا على سياسات عبد الله يوسف .
ووفق الدستور الصومالي المؤقت الذي يستند على دستورعام 1961 فإن المادة 74 تنص على تولي رئيس البرلمان سلطات الرئيس في مدة انتقالية اقصاها ثلاثون يوما من تاريخ الشغور على البرلمان أن ينتخب فيها رئيسا جديدا للبلاد، ولأن الصومال بلد استثنائي بكل المقاييس فإن هذه العملية لن تتم بمعزل عن الصراعات التي تشهدها البلاد والانقسامات الحادة بين الزعماء الصوماليين وحالة الفوضى المستمرة بالبلاد، ناهيك عن وجوب الرجوع إلى تقسيمات مؤتمر نيرروبي للسلام في اعتماد المحاصصة العشائرية التي تجعل رئاسة الجمهورية في الصومال بيد مرشح من قبيلة الدارود أو الهوية وهي أكبر القبائل الصومالية.
وفي ظل وجود قوات اثيوبية على الأرض في الصومال وأمام تنامي الدور الاثيوبي في السياسة الصومالية فإن الرئيس القادم لا بد أن يكون وجوبا مدعوما من أديس ابابا ، وهو ما قد يستبعد بعض الأسماء الكبرى المعروفة بعدائها التاريخي مع أثيوبيا في القوت الذي تتداول فيه بعض الأوساط الصومالية أسماء كل من وزير الخارجية السابق علي أحمد جامع ورئيس الوزراء السابق محمد علي جيدي الذي تمت الإطاحة به عام 2007 وعلي مهدي محمد رئيس الحكومة الأسبق ومحمد فرح غنيري أحد ابرز الزعماء المحليين في مقديشو .
إلا أن المخاوف الفعلية هي عودة الصومال إلى المربع الأول في أزمة لم يعرف المجتمع الدولي لها مثيلا في العصر الحديث فالأمم المتحدة والاتحاد الافريقي والمنظمات الإقليمية مجتمعة استطاعت طيلة حقبة التسعينات التعاطي مع أزمات مشابهة في إفريقيا انتهت جميعها إلى إيجاد حلول كما في ليبيريا و سيراليون وموزنبيق ورواندا وبورندي والزائير ، إلا أن الصومال بات وحده يشكل هاجسا إقليميا ودوليا بعد أن أنتجت فوضى البر الصومالي بإمتياز قراصنة متمردين استطاعوا خلط كل أوراق المنطقة والعالم من خلال هجمات متتابعة على سفن تجارية لا يميزون بين البضائع التي تحملها والأعلام التي ترفعها.
وبعد أن شهدت البلاد تنامي ظاهرة التطرف الإسلامي وباتت ملاذا للجماعات الإرهابية، فاستراتيجية العقاب بالتجاهل التي اعتمدها المجتمع الدولي منتصف التسعينات من القرن الماضي بعد الفشل الذريع لقوات «إعادة الأمل» الأممية وانسحاب القوات الأميركية من مقديشو وهي تجر ذيول الخيبة وثمانية عشر قتيلا سحلوا في شوارع العاصمة الصومالية، دفعت بالبلاد من جديد في فوضى انقسام المقسم وتحولت الصومال إلى فسيفساء فريدة للإحتراب بين الشقيق وشقيقه ناهيك عن الأوضاع الإنسانية المأسوية التي تقول المنظمات الدولية أنها نتذر بخطر غير مسبوق ، وهو الأمر الذي دفع بالصوماليين إلى البحث عن أنصار إقليميين لهم ايضا حساباتهم السياسية والأمنية.
فكان أن اتجه فريق إلى أثيوبيا العدو التقليدي للصومال والذي خاض معها حربا منهكة عام 77 مهدت لانهيار الدولة ومؤسساتها لاحقا وكينيا التي تحتضن على ارضها نحو ثلاثة ملايين صومالي وجيبوتي الدولة الصغيرة التي تحاول رأب الصدع بلا فائدة والقاهرة التي سعت جاهدة منذ نهاية التسعينات إلى جمع الاخوة الأعداء بلا فائدة والمحصلة عقد ما يزيد على سبعة عشر مؤتمرا ترفع جميعها شعار المصالحة التي لم تتحقق واقعا على الأرض رغم توصلها في مناسبتين الأولى في جيبوتي عام 2001 إلى تشكيل حكومة وطنية برئاسة عبدي قاسم صلاد وزير الداخلية السابق ايام سياد بري والذي فشل في ترتيب البيت الصومالي أمام قوة وعنجهية زعماء الحرب التاريخيين،
والثانية في نيروبي عام 2004 والتي أدت إلى انتخاب برلمان أسفر عن وصول عبد الله يوسف إلى السلطة ومع ذلك لم يتمكن من دخول العاصمة مقديشو إلا في عام 2007 بعد التدخل الأثيوبي لدحر قوات المحاكم الإسلامية التي سيطرت على الصومال طيلة ستة أشهر. وباستقالة عبد الله يوسف يكون قد أمضى رئيسا للبلاد ما لا يزيد على سنة شهد فيها الصومال تحولات درامية ومآسي متكررة واشتدت فيها المعارك بعد دخول القوات الأثيوبية كلاعب جديد في ساحة المعارك.
وفشل يوسف العسكري المتمرس والمناضل الذي أمضى سنوات طويلة في السجون الأثيوبية «وهي المفارقة أن تكون أثيوبيا اليوم هي حليفه الاستراتيجي» وهو الذي قال حين وصوله ان الصومال لا يحتاج إلى رئيس ناعم بل يحتاج إلى رجل ملعون يعني ميدانيا إعادة خلط الأوراق من جديد وهو ما ينذر بعودة التناحر بين قادة القبائل المسلحة من أجل السيطرة على مناطق النفوذ التي تنازلوا عنها في وقت سابق إما لفائدة المحاكم الإسلامية أو لفائدة الحكومة الإنتقالية .
صورة عن قرب
يوسف.. من السجن إلى الرئاسة
* ولد الرئيس الصومالي الحالي عبد الله يوسف وهو في السبعينات من العمر في مدينة غالكعبو شمال شرقي الصومال في 15 ديسمبر 1934 وينتمي لعشيرة دارود كبرى العشائر الصومالية.
* كان يوسف ضابطا بارزا بالقوات المسلحة الصومالية عند تأسيس الدولة عام 1960.
* ورفض عروضا بتولي مناصب دبلوماسية عندما استولى العسكريون على السلطة عام 1969 بعد اغتيال الرئيس عبدالله رشيد على يد أحد مرافقيه.
* بعد رفضه المشاركة في الانقلاب الذي استولى فيه محمد سياد بري على السلطة أودع عبد الله يوسف السجن، وبعد شهرين عرض عليه بري تولي منصب سفير الصومال في ألمانيا ولكنه رفض ذلك. أطلق بري سراح يوسف عام 1976 وعينه مديرا عاما في مؤسسة حكومية، ولكنه عاد للجيش مع بداية التوتر العسكري بين الصومال وإثيوبيا عام 1977.
* حاول يوسف تنفيذ انقلاب على سياد بري في التاسع من أبريل 1978 ولكنه فشل في ذلك فاضطر للهرب إلى كينيا وتوجه منها إلى إثيوبيا.
* ومن إثيوبيا أسس يوسف تنظيما سياسيا وعسكريا داخل الصومال وشن ما يسمى بحرب الأحراش ضد الحكومة وواصل محاولته للإطاحة ببري. اختلف يوسف مع حلفائه الإثيوبيين ما أدى إلى اعتقاله وإدخاله السجن في أديس أبابا في الفترة بين العامين 1985 و1991، ولكنه فر من السجن.
من الدستور الصومالي
مادة 70: رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة ويمثل وحدة الأمة.
ينتخب رئيس الجمهورية بالاقتراع السري في المجلس الوطني ولابد أن يتوافر لانتخابه أغلبية ثلثي الأعضاء في الاقتراعين الأول والثاني ويكتفي بالأغلبية المطلقة في الاقتراعات التالية. يؤدي رئيس الجمهورية عند توليه مهام منصبه قسم الولاء للدولة أمام المجلس الوطني.
مادة 71 : شروط الأهلية ومنها انه يشترط فيمن ينتخب رئيسا للجمهورية أن يكون مسلما من أب وأم من أصل صومالي وأن يكون له حق الانتخاب والا يقل سنه عن خمس وأربعين سنة. و لا يجوز تجديد انتخاب الرئيس إلا لمرة واحدة فقط. ولا يجوز أن يكون الرئيس متزوجا أو يتزوج أثناء مدة رئاسته من سيدة ليست من أصل صومالي.
مادة 72: مدة الرئاسة: مدة رئاسة رئيس الجمهورية ست سنوات من تاريخ أدائه للقسم وكل تعديل في هذه المدة لا يسري على الرئيس القائم.
يعلن رئيس المجلس الوطني انتخاب رئيس الجمهورية ويجري الانتخاب في الثلاثين يوما الأخيرة من مدة الرئاسة.
في حالة ما إذا كان المجلس الوطني منحلاً أو لم يبق إلا ثلاثة أشهر على انتهاء مدته يجرى انتخاب الرئيس في الثلاثين يوما التالية لأول اجتماع للمجلس الجديد وفي خلال ذلك تستمر سلطات الرئيس القائم.
دبي -« اليبان»
