كنت من أوائل من التقوا الرئيس الصومالي العقيد عبد الله يوسف في نيروبي، أيام قليلة بعد انتخابه رئيسا للصومال، بدأ مهامه في نيروبي من فيلا بأحد الأحياء الراقية في العاصمة الكينية، كانت لي معه مقابلة طويلة وشاقة تحدث فيها عن مستقبل السلام الذي يراه في الصومال وعن حاجة الصوماليين لمن في مثل خبراته لإخراج البلاد من نفق الحروب، كانت للرجل أحلام بحجم المنصب الذي تولاه بعد شهور طويلة من المفاوضات المضنية والصراعات التي شهدها مؤتمر نيروبي.

لكن الرئيس بقي في نيروبي بلا سلطات محاطا بعدد قليل من المقربين وأفراد عائلته، لأن العاصمة التي ترمز للسيادة والوحدة في الصومال غير آمنة ولا يمكن تحقيق الأمن فيها، اختار الرئيس مدينة جوهر جنوب مقديشو لتكون عاصمة مؤقتة ورافقت شخصيا رئيس الحكومة محمد علي جيدي في عودته للمدينة التي باتت أيضا مقرا للبرلمان ، ومع ذلك لم يخرج دور الرئيس عن دائرة الاستقبالات التي تتم على الطريقة الصومالية وبعض الزيارات الخارجية بعضها لطلب المساعدة للحكومة وأغلبها للعلاج.

إلا أن الرئيس الذي أقر بلسانه بحاجة الصومال إلى رجل ملعون لم يفلح في مواجهة الأزمات السياسية لا مع البرلمان غريب التركيبة ولا مع الوزراء القادمين من معسكرات المليشيات فكان رئيسا صوريا يكتمل به نصاب الاجتماعات الدولية وورقة شرعية غطت بها اثيوبيا تدخلها في الصومال، وهو الذي دخل العاصمة بعد تطهيرها من قبل القوات الأثيوبية، فكان رئيسا معزولا أخطأته مرة لعنة الصوماليين حينما نجا من محاولة اغتيال وأصاب بلعنته بحار الصومال التي تحولت في عهده إلى وكر للقراصنة الجدد.

إلا أن ما يحسب لعبد الله يوسف هو الزخم الكبير الذي عاشته الأزمة الصومالية في عهده فقبله كان الصومال يعيش حالة تجاهل دولي وإقليمي تام،وهو اليوم يستقيل والصومال مادة إعلامية غنية بالإثارة والتساؤلات بعد أن إستثمر فيه المجتمع الدولي الكثير من الدعم السياسي والمالي وبعد تهاوي الحكومة أمام سياساته واستقالة رئيس وزرائه المعين محمد محمود غوليد بعد أسبوع من توليه المهمة ودعم القوى الفصائل الصومالية لرئيس الوزراء السابق نور حسن حسين.

المحصلة أن يوسف سيغادر اليوم بعد أن خسر رهان المجتمع الدولي وخاصة واشنطن التي خيب هذا العقيد آمالها في تحقيق السلام وهو ما يعني دخول البلاد من جديد في مسارين الأول أمني حيث تعود الخشية من تجدد المعارك بين الميلشيات التي لم ترم بأسلحتها بعد ، والثانية في البحث عن بديل يقول الصوماليون أنهم لن يقبلوا به إذا كان«كرازايا » جديدا لبلادهم ، حيث يسود الإعتقاد لدى كثير منهم أن واشنطن هي من دفع بقوة إلى التخلص من يوسف بعد أن إستنفذ أوراقه تمهيدا لشخص جديد يختلف في تركيبته عن عقيد متقاعد وإتقلابي في سجله تهم بالقتل لعدد من مخالفيه حينما كان رئيسا للبونت لاند شمالي الصومال .

ohannachi@gmail.com

محمد الهادي الحناشي