لهذه الرحلة التي أنجزت القسم الأكبر منها تتمة قادمة، فالمشوار الذي بدأته في خريف عام 1947 ما زال بحاجة إلى أن يستكمل دورته حول الأرض، ولا أرى في اقترابي السريع من الثمانين ما يحول دون متابعة هذا المشوار، لكن للرحلة القادمة خصوصية تختلف فيها عن بعض ما ساد في الرحلات السابقة، ذلك أن الهدف من السفر القادم لن يحمل مهمات من النوع الذي كان العنوان الأساسي في سفراتي السابقة.
سأذهب برفقة زوجتي نجوى، رفيقة عمري، متحرراً من تلك المهمات السابقة المتصلة بموقعي السياسي السابق، ليس رفضاً لتلك المهمات أو اعتذاراً من دوري فيها، بل لأنني لم أعد في الموقع الذي يلزمني بمهمات من ذلك النوع. لقد أتيح لي، خلال سفراتي السابقة، أن أكتشف، بالعين المجردة، وبالاستماع إلى أحاديث الناس البسطاء، وإلى تحليلات المسؤولين والمثقفين، كنوزاً في المعرفة عن تاريخ البشرية وعن مسار تطورها، حقبة إثر حقبة، ولم أر في الاختلاف، حتى في داخل البلد الواحد، بين مناطقه وبين مدنه وأحيائها، فضلاً عن الاختلاف بين البلدان، ما يدعو إلى الغرابة.
لكنني اكتشفت، فيما اكتشفت، أن الإنسان، في كل مكان جاء فيه إلى الوجود، وعاش ومارس حياته، هو ذاته الإنسان العام، سواء في مشاعره، وهي متنوعة، أم في المشاكل التي يواجهها، وهي متعددة ومتنوعة أيضاً، أم في طموحاته في امتلاك حريته وامتلاك حقه بالتمتع بالعيش الكريم. وتشكل هذه الطموحات، في جوهرها، الأساس المشترك بين جميع البشر، في كل الأزمنة، وفي حقباتها المختلفة عبر العصور. فالإنسان هو ذاته، في كل مكان وزمان، حتى وإن اختلف لون بشرته، واختلفت اللغة التي يتحدث بها، واختلفت الثقافة التي تتكون منها شخصيته.
واختلف المستوى الاجتماعي الذي يمارس حياته في شروطه، واختلف مستوى الوعي الذي يمتلكه في لحظة معينة من تاريخه وتاريخ مكان ولادته وإقامته. واكتشفت، فوق كل ذلك، أن مصادر الوجع عند الإنسان، ومصادر الشكوى من القهر والاستغلال والاستعباد، هي ذاتها، في الجوهر، وحتى في الشكل، أحياناً، في كل البلدان، أياً كان نوع النظام فيها، وأياً كان مستوى التطور الاجتماعي والاقتصادي الذي يسود فيها.
صيغ متعددة
لكنني، وأنا أتحدث عن هذا الوجه المؤلم لوحدة الإنسان ووحدة قضاياه في تنوعها، ووحدة مطامحه في تعدد صيغها وفق الشروط المختلفة لكل بلد، أود أن أشير إلى الوجه الآخر لهذا الواقع ولصورته. وهو الوجه الذي تعبر فيه الشعوب، بأشكال وبصيغ مختلفة، عن تعلقها بالحياة، وعن فرح الحياة في مشاعرها، وعن المحاولات التي تبذلها، عبر هذه النماذج من الفرح، لكي تتجاوز المظالم التي تواجهها، والآلام والأوجاع التي تعاني منها.
وتتمثل أشكال التعبير عن فرح الحياة عند الشعوب، في مشاهداتي عبر رحلاتي في بقاع الأرض، في الثقافة الشعبية التي تبدعها هذه الشعوب. شاهدت بفرح عظيم أنواع الرقص الشعبي، التي تختلف الحركات فيها وأشكال التعبير من بلد إلى آخر. ولا أبالغ إذا ما قلت بأن أكثر أشكال التعبير عن الثقافة الحقيقية للشعوب هي هذه النماذج البديعة المتعددة للرقص الشعبي. وهي تستكمل بهاءها بما يترافق معها من موسيقى شعبية تقدم بآلات شعبية أيضاً، وما يترافق معها من غناء شعبي، يقدم بأصوات فردية وجماعية جميلة، عامرة بتراث من الشعر الشعبي البالغ التعبير بدقة عن المشاعر الحقيقية للناس.
تضاف إلى مهرجانات الفرح هذه، التي شاهدتها في المدن وفي الأرياف وفي الشوارع، مهرجانات أخرى للرقص الشعبي وللغناء الشعبي وللموسيقى الشعبية، قدمتها فرق محترفة في القاعات الكبرى للمسارح الوطنية في العديد من البلدان. كما تضاف إليها برامج ثقافية أرستقراطية تتوزع بين حفلات للموسيقى السيمفونية الكلاسيكية وحفلات للباليه الكلاسيكي، التي كان مسرح البولشوي في موسكو أرقى أماكن العروض التي شاهدتها، على امتداد تلك الأعوام الجميلة في حياتي التي قضيتها في رحاب عاصمة الشيوعية وعاصمة الثقافة في آن، موسكو التاريخ والحضارة.
لقد تعلمت من كل تلك الاكتشافات، على ما فيها من بساطة في الشكل، ومن تعقيدات في الأساس، أن البحث عن مستقبل أفضل للبشرية، أفراداً ومجموعات وشعوباً، ينبغي أن يظل على الدوام هماً إنسانياً مشتركاً بين جميع الشعوب، وبين مثقفيها ونخبها وأجيالها الشابة. يذكرني هذا الأمر بالأممية التي أنشأها ماركس ورفاقه قبل مئة وخمسين عاماً. وهي كانت عظيمة في أهدافها الكبرى. لكنها لم تستكمل، بعد ماركس، الأهداف التي أنشئت من أجلها بدور أساسي من ماركس. إذ هي تحولت، في الممارسة، وبالتدريج عبر الأزمنة، إلى نقيض تلك الأهداف العظيمة.
وانتهت، بسبب ذلك، إلى المصير المأساوي الذي ما زالت آثاره عميقة في مشاعر الملايين من الناس الذين كانوا يحلمون بغد أفضل، باسم الاشتراكية، وتحت علم الأممية. وتأكد لي، في الوقت عينه، كم كان عظيماً ذلك الحلم الذي بشر به كارل ماركس، قبل مئة وخمسين عاماً، باسم مشروعه الاشتراكي لتغيير العالم. كما تأكد لي كم نحن بحاجة إلى أن نعود إلى ذلك الحلم من جديد، لكن في شروط مختلفة، والاختلاف في الحلم الجديد عن الحلم القديم هو اختلاف في صيغة اختيار الطريق الذي سيقودنا، في شروط العصر الجديد، إلى السير في اتجاه ذلك الحلم.
فالمطلوب هو أن يكون ذلك الاختيار واقعياً، لكي لا نقع، من جديد، فيما وقعنا فيه خلال القرن ونصف القرن من تاريخ البشرية الحديث. وجوهر ما وقعنا فيه، نحن اشتراكيي الأزمنة السابقة كلها، يتلخص في خطأين فادحين: الخطأ الأول يتمثل في أننا اعتبرنا حلمنا بتغيير العالم، باسم الاشتراكية، أمراً محتوماً في زمن محدد غير بعيد. وهو ما عبر عنه الشعار الذي ساد في النصف الأول من القرن العشرين، وفيما بعده، بأن التاريخ الحديث للبشرية بات محكوماً بانتقال العالم من الرأسمالية إلى الاشتراكية.
الأمر الذي قدمت نقيضاً له وقائع العقدين الأخيرين من القرن العشرين، بعودة العالم من الاتجاه نحو الاشتراكية إلى الاتجاه نحو الرأسمالية. ومعروف أن الرأسمالية كانت قد تحولت في ظل عولمة الرأسمال، قبل انهيار التجربة الاشتراكية، إلى المزيد من التوحش والقهر والاستغلال والاستعباد وإذلال الناس، وذلك بالتدخل الفظ الذي مارسته الدول الكبرى في شؤون الدول الصغيرة، من خلال الحروب والحروب الأهلية.
وأدى ذلك التدخل، وأدت تلك الحروب، إلى الإمعان في تجويع الناس ومفاقمة أوجاعهم، وتحميلهم تبعات ونتائج الأزمات الكبرى التي تتولد من عشوائية النظام الرأسمالي وعشوائية قوانينه. وجميع هذه الآفات التي طبعت النظام الرأسمالي، في كل مراحل تطوره، هي التي تتحمل المسؤولية الأساسية عن اتجاه أقسام واسعة من فقراء الشعوب ومن المهمشين فيها، الاتجاه قسراً وراء حركات سلفية رجعية، قادتها وتقودها نحو كهوف التاريخ، سواء في الأفكار أم في السلوك أم في التنابذ والتقاتل فيما بينهم.
الخطأ الثاني يتمثل في القصور عن المعرفة الدقيقة بالوقائع في داخل كل بلد، على الصعيد العالمي، القصور من قبلنا، نحن الاشتراكيين بمدارسنا المختلفة، عن احترام الشروط الموضوعية للانتقال من حال إلى حال أفضل، من خلال النضال التاريخي الطويل على الطريق المؤدي إلى تحقيق الحلم بتغيير العالم تغييراً جوهرياً، وفق ما أشارت إليه وبشرت به قيم الاشتراكية ومثلها في مشروع ماركس.
أهمية السفر، إذن، أنه يفتح ذهن الإنسان وعقله وأفكاره ومشاعره على أمور ووقائع ومشاهد تساعده في إغناء معارفه، وفي إنعاش مخيلته، وفي توسيع دائرة أحلامه واستهدافاتها. وهذا ما حصل بالنسبة إليّ. وأعترف بأن هذا السفر في جهات العالم الأربع هو مصدر أساسي فيما أعتبره غنى في حياتي وفي أفكاري، وحتى في أحلامي، وأنا في هذا العمر المتقدم.
وأهمية ما اكتسبته من غنى في هذه الرحلة المتواصلة، عبر البلدان والقارات، إنما يتمثل في ما سأحاول وضعه أمام أولادي وأمام الأجيال الجديدة في بلادي، لكي يروا أن الحياة تستحق منا أن نعمل لتوفير الشروط التي تجعلها أفضل وأكرم وأجمل وأكثر حرية مما هي عليه، وأن ذلك لا يتحقق إلا بالجهد الجماعي من قبل الطامحين إلى تحقيق هذه الحياة بوعي وبإرادة متلازمين متحدين، وباحترام دقيق لقوانين حركة التاريخ، ومن دون القفز تعسفاً وبالمغامرة فوق الوقائع وفوق المراحل.
من طرائف تجربتي في السفر هو أنني تعرفت في ترحالي إلى عدد كبير من البلدان الأخرى قبل أن أتعرف إلى بلدي لبنان. إذ لم يتسن لي السفر في قلب لبنان إلا بعد أن استقر بي المقام في بلدي، أي بعد أن عدت من إقامات طويلة في الخارج. واتخذ ذلك الاستقرار النسبي في حياتي صيغة انتقال من العزوبية إلى حضن عائلة كانت تكبر، عاماً إثر عام، وكنت أكبر معها. وكنت، وما زلت، برغم تقدمي في السن، أحتفظ ببعض ما بقي من شباب في قلبي وعقلي وروحي، وفي همتي وصحتي، جسدياً وذهنياً.
تم ذلك الانتقال في حياتي في أواسط سبعينات القرن الماضي. بدأنا على الفور، زوجتي وأنا، رحلة السفر الطويلة في الداخل اللبناني في سيارتي الخاصة، متنقلين في العديد من مناطق لبنان، في مدنه وقراه، في سواحله وفي جباله وفي وديانه.
واكتشفت، متأخراً، كم كان على حق أمين الريحاني في وصف لبنان، في كتابه «قلب لبنان»، كواحد من أجمل ما خلق الله على كوكبنا الأرضي. فازداد تعلقي ببلدي، وازددت تمسكاً بأفكاري التي تتمحور حول العمل، بالوسائل المتاحة، لتحريره من كل تلك الأفكار والمشاريع التي جاءته من داخله ومن خارجه، وحولته، على امتداد عقود من تاريخه، إلى ساحة لصراع دائم بين مصالح ومطامع لا صلة لأي منها به وبشعبه وبمطامحهما في الحرية وفي التقدم بميادينهما وبجوانبهما كافة.
بداية السفر
بداية السفر عندي كانت في مطالع العمر، عندما كنت في السابعة عشرة من عمري. وكانت الوجهة، في ذلك الزمن، العراق. وكانت المهمة في تلك الرحلة الأولى خارج الوطن متابعة دراستي في مدارس العراق تحت رعاية حسين مروة ابن عم والدي الشيخ أحمد. دامت إقامتي في العراق عامين متواصلين، انتقلت خلالهما من كائن إلى كائن آخر. إذ تحولت في العراق من ابن رجل دين، ومن قومي عربي ساذج، إلى اشتراكي. وكان ذلك التحول هو البداية، ليس في رحلة العمر وحسب، بل في رحلة الفكر والمعرفة والثقافة والوعي، وفي الرحلة عبر الأمكنة والأزمنة، إلى اللحظة التي أنا فيها الآن.
وهي لحظة أحدد فيها موقعي، وأحدد فيها الأفكار والأحلام التي أناضل بالكلمة، فيما تبقى لي من عمر، لتحقيق ما يمكن تحقيقه منها. ونضالي هذا يتميز، بخلاف بعض ما ساد في حياتي الماضية، بالواقعية، أي باحترام الشروط الموضوعية، من دون قسر ومن دون قفز فوق الوقائع، ومن دون تجاوز للشروط الموضوعية في الانتقال من وضع إلى وضع آخر أفضل منه، مرحلة إثر مرحلة، بالتدرج المعقد، وبالتسلسل الزمني المعقد أيضاً، عبر المراحل، مرحلة إثر مرحلة.
جزيرة الحرية
أما آخر هذه الرحلات، بعد ستين عاماً على وجه الدقة والتحديد، فكانت إلى كوبا، الجزيرة التي اصطلحنا، في مطالع انتصار ثورتها، على تسميتها «جزيرة الحرية». وكانت نجوى شريكتي في تلك الزيارة إلى كوبا. وقد حرصت على أن أسجل في يومياتي لهذه الرحلة بعض خلاصات مشاهداتي، ليس ما يتعلق منها بوقائع السفر وحسب، بل، وفي شكل خاص، بالأفكار المتصلة بها، التي كانت قد جعلتني مع الكثيرين من أمثالي نعتبر كوبا رمزاً للثورة التي كنا نحلم بها.
وخلاصة أفكاري عن تلك الرحلة إلى كوبا تشير إلى الكثير من الخيبات، التي قدمتها لي وقائع الحياة في الجزيرة المحاصرة من خارجها ومن داخلها. وهي خيبات ذكرتني بالخلل الذي ساد في التجربة الاشتراكية في كل البلدان التي انخرطت في بناء دول على أساس مشروع ماركس، وظلت تناقضه، في الممارسة، إلى أن انهارت تلك التجربة في شكل مأساوي، ودمرت مع انهيارها أحلام الملايين من الناس في بقاع الأرض كلها.
بين العراق وكوبا، في رحلاتي التي لم تنته، مسافات في الأمكنة وفي الأزمنة وفي الوقائع وفي الأحداث. وبينهما أيضاً كثرة كبيرة من المعارف، ومن اللقاءات، ومن النقاشات والسجالات السياسية والفكرية التي خضتها، حتى مع كبار القوم، ممن أتيحت لي فرص اللقاء معهم في مهمات حزبية وسياسية وفكرية.

